السبت، 7 سبتمبر 2019

محمد ولد مولودولد داداه (الشنافي)6 - 9 - 2019 سنوات سبع من الحزن مرت



كان محمد ولد مولود ولد داداه ذات مرة يكتب مقالا يود نشره في إحدى الدوريات -وكان قليل النشر- ، وحين انتهى من كتابة المقال (على محاور تاكَداوست) فكر في أن يمهره باسم خفيف بعيد عن تعقيدات أسماء البظان من تركيب ومزج ، خاصة وأن اسمه الثلاثي لايمكن أن يتميز إلا إذا كتب كاملا: اسمه مع اسم أبيه واسم العائلة وبين كل منهما عبارة (ولد)، محمد ولد مولود ولد داداه..
لمعت في ذهنه فكرة سريعة كان بجانبه صديقة الراوية والباحث التروزي محمد شنوف ولد بو بكر سيره ، فنحت من اسمه نسبة هي (الشنافي) وقع بها مقاله وظل يوقع بذلك الاسم المنحوت حتى لانقول (المستعار).

ولد الشنافي نهابة العقد الثاني من القرن العشرين ، حنكه جده الشيخ سيديا بابَ ، وتلقى العلم في كنف مكتبته ، ونشأ على ما ينشأ علية ناشئ الفتيان من قومه.

درس العلامة محمدّو السالم ولد الشين فترة قصيرة على العلامة يحظيه ولد عبد الودود(اباه) أعجب خلالها بذكائه ، ثم هاجر واستقر به المقام في تمبدغه.
ذات مرة ذُكر محمدّو السالم ولد الشين في مجلس يحظية فقال بتأثر بالغ: هح يذاك اطفل إچكوچي.
فقال الشيخ محمد ولد آبوّ الحسني: هح باط يذاك اطفل إداب لحسن.
وكان إداب لحسن لايقبلون بانتزاع ولد الشين منهم لخؤولته منهم وتوطنه فيهم.
ذلك هو حال العلامة محمد عالي ولد عدود مع الشنافي فقد درس عليه حدثا ، ويروى أنه لما هم بالمغادرة للدراسة النظامية اغرورقت عينا الشيخ محمد عالي بالدموع وهو ينظر إليه ذاهبا فقال: "وددت لو بقي معي" لما رأى من ذكائه.

في دكار وفي باريس "وضع محمد أنفه في كل شيء" كما يحلو للباحث الدكتور عبد الودود ولد الشيخ أن يقول عنه بلغة الاستطراف والإعجاب.
درس الطب والقانون والإدارة والتاريخ, وتعلم عددا من اللغات الحديثة والقديمة ,وصحب كبار المستشرقين ,واندمج بسهولة في المجتمع الباريسي المخملي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

التقى عدة مرات جان بول سارتر ، وزامل مالك بن نبي ، وعبد الله العروي ، ومحمد أركون ، وعبد الرحمن اليوسفي ، وغيرهم..
بيد أن التاريخ ظل محور اهتمامه ومشغله الرئيسي.وعلى الرغم من تقلده وظائف إدارية ودبلوماسية سامية في سنوات الاستقلال الأولى ,إلا أن المسؤولية لم تنجح في استمالته عن هواه الوحيد.

عمله في منظمة الوحدة الإفريقية بأديس بابا مكنه من إتقان اللغة الجعزية وهو ما أتاح له دراسة حضارات منطقة القرن الأفريقي.
كما تعلم قراءة خط المُسند أو الخط الحميري كما يسمّيه المستشرقون وخط النصب التذكارية هو نظام كتابة قديم تطور في اليمن وجنوب الجزيرة العربية، قرابة القرن التاسع - العاشر قبل الميلاد، وهو أحد ضروب الكتابة العربية الجنوبية، وكان نظام الكتابة المستعمل في شبه الجزيرة العربية لوقت طويل، حتى اشتق منه خط الجزم الذي اشتقت منه الأبجدية العربية.
وهو مامكنه من اكتشاف العديد من النقوش الحجرية المكتوبة باللغة العربية الجنوبية، وخط المسند.

كما اهتم الشنافي رحمه الله بتاريخ منطقة القبائل في الشطر الشرقي لبلاد فارس وعلى الحدود الباكستانية الأفغانية ، وخاصة قبائل "البشتون" ، ومكنه من ذلك معرفته للغة الفارسية فأعد بحوثا لهيئات ومراكز دولية عن تاريخ القبائل وحضارة المنطقة.

يقول الدكتور السيد ولد اباه:
"في ابريل 1988 بادرني "محمد أركون" في لقاء بتونس بالقول :"ما دمت من موريتانيا ,لا بد أنك تعرف محمد ولد مولود ,فما هي آخر أخباره؟".أجبت المفكر الجزائري الأشهر بما عندي من أخبار قليلة عن الرجل الذي كان يعيش أوانها في قرية "عين السلامة" الهادئة لا يبرحها منذ حكم عليه النظام العسكري سنة 1981 بالإقامة الجبرية عقوبة لجريمة قرابته النسبية من الرئيس "المختار ولد داداه".
ويضيف ولد اباه:
ذكر لي المرحوم (الشنافي) أنه عندما عين في بداية الستينيات واليا على دائرة الحوض ,صرف جل وقته على جمع الروايات التاريخية والتقاليد الشفهية عن هذه المنطقة ,وربطته علاقة وطيدة بأعلامها وعلمائها.
وعندما عين سفيرا في تونس , كانت إقامته في مكتبة المخطوطات بدار الكتب الوطنية أطول من مكثه في مكتبه بالسفارة ,وكانت المهمة الأولى التي حرص عليها هي تتبع اثر كتاب "الصيرفي" العمدة في أخبار المرابطين في الصحراء من خلال اقتفاء آثار أسرة تونسية ذكر أنها كانت تقتني النسخة الوحيدة من الكتاب في مطلع القرن المنصرم ولم يصل محمد إلى أي نتيجة بعد أن قادته رحلته إلى قرى الجنوب التونسي والأرياف الليبية .ولما سأله الرئيس "المختار ولد داداه" عن التقارير الإخبارية التي يفترض من السفير بعثها لحكومته رد عليه بالقول :"الأخبار كلها موجودة في صحيفة لموند".
لم يمكث "محمد الشنافي" (الاسم الذي اختاره لنفسه اعتزازا بصداقته للراوية والحكيم محمد شنوف) طويلا في العمل الحكومي الذي اعتبر انه لم يخلق له ,فكانت آخر مهمة رسمية له هي تمثيل موريتانيا في نزاع الصحراء في محكمة العدل بلاهاي.
وقد حدثني الدبلوماسي المتميز المرحوم مولاي الحسن عن مداخلات الشنافي التي بهرت الجميع بعمقها وشموليتها".

ويقول عنه الوزيز والدبلوماسي محمد عالي شريف في كتابه «سيرة من ذاكرة القرن العشرين»:
"وكان لي شرف التعرف عليه منذ سنة 1966، وعقدت معه صلة كانت دائما قوية وغنية.
وطوال ستين سنة، ظل هو المصدر الواسع والخصب لجميع الباحثين وأساتذة الجامعات الغربية الذين أعدوا ونشروا أطروحات وأعمال رصينة حول شعوب وثقافات الصحراء الكبرى، لكن مع الأسف لم يذكروه فيها إلا قليلا.
وهو ما لم يعطه حقه ومكانته المرموقة في مجال البحث العلمي، لأنه تميز بالسخاء الكبير، وبروح منفتحة إلى أقصى حد.
وكان من بين زواره، إن لم أقل مريديه، الذين عرفتهم، إنجليز وفرنسيون وإسبان وبرازيليون، أذكر من بينهم: شارل ستيورات، وجان دفيس، والبروفسيرين دنيس وروبير ومسيو فارياس وبيربونت، وكانت له علاقات مميزة ودقيقة على مستوى البحث مع بعض الأساتذة، كالعالم الفرنسي ثيودور مونو المتخصص في دراسة المجال الصحراوي، وأندريه ميكيل، وفينسانت مونتي، وبدرجة ما جاك برك وجرمين ثيلون.
واعتمد محمد ولد مولود سفيرا في تونس مباشرة بعد اعترافها بموريتانيا، فأمضى تقريبا كل الأوقات في التردد على المكتبات وزيارة المعالم، وكان له لقاء لا ينسى مع الرئيس بورقيبة بمناسبة زيارته جامع الزيتونة. كان الرئيس التونسي ذا عقل حصيف ميال الى الثقافة، وقدم إليه وزير ثقافته لمحة تاريخية عن هذه المؤسسة العلمية، وأعجب جدا بالتدخل غير المنتظر والخارج عن سنن البروتوكول لمحمد ولد مولود عندما قاطع عفويا عروض الوزير لينبه الى تصحيح بعض النقاط الأساسية فيها، عندئذ ترك بورقيبة وزيره فورا وطلب من رجل الثقافة الموريتانية تقديم المزيد، وكان من نتائج ذاك تقوية تعلق «المجاهد الأكبر» بموريتانيا.
وكان محمد ولد مولود ولد داداه هو من قبل بصعوبة تحرير مذكرة طلبها الرئيس السنغالي سينغور، على أن تكون موثقة وصحيحة، حول زواج أمير الترارزة محمد لحبيب بجمبت أمبودج ملكة الوالو، وهو الزواج الذي كرس تحالفا كان له بعد تاريخي كبير في العلاقات بين الكيانين اللذين كانا حينذاك يسيران الشعوب المتاخمة لنهر السينغال".

كان موسوعة الصحراء التي لم تستطع رمال النسيان المتحركة النيل منها ، لكن الزمن شفاف ويتداخل أحيانا فيكون قريبا جدا وإن بدا بعيدا ، ومن طريف ذلك ما حدثني به أحد الأصدقاء أنه سأله عن تاريخ معركة "ام اشگاگ" بين قبيلة لقلال وقبيلة تنواجيو فأجابه:
ذيكْ هونْ اگريّبْ Septembre عامْ Quarante !
سبتمبر 1940
اگريّبْ!

ذات مرة خلال (رالي باريس دكار) ضل سائق دراجة فرنسي في "آوكار لبكم" وانتهى المطاف به في قرية "عين السلامة".
استقبله المؤرخ محمد ولد مولود ولد داداه رحمه الله ، وأكرم نزله ، جلسا في الفضاء الرحب في تلك القرية الوادعة النائمة بين أحضان الرمال.
جلسا على حصير من النيلون ، كان محمد ولد مولود يلبس دراعة خفيفة من الشگة ويلف لثاما من توبيت حول رقبته.
سأل محمد ولد مولود الفتى الفرنسي من أي مدينة أنت؟
فأجاب: من بواتييه
قال محمد: أنت إذن من وسط غرب فرنسا من منطقة بواتو شارنت..
تلك المنطقة تعتبر من المناطق المشمسة فى فرنسا وتغطي جزءا مركزيا من السهل الساحلي المطل على المحيط الأطلسي ..
إنها تقع إلى الغرب من أعلى ليموزين على تخوم الهضبة الوسطى عند حواف التلال المتموجة..
تلك المنطقة مناخها معتدل على الرغم من الصقيع فى الشتاء الذى يكون أقل صرامة على الساحل.
فى الجزء الجنوبي من تلك المنطقة تقع الأراضي الصالحة لزراعة القمح والشوفان ، كما تزرع فيها البطاطا والتفاح و، تقوم كروم العنب على نطاق واسع حيث تنشط صناعة الكونياك والنبيذ المحلي و صناعة الأجبان.
وفى الشرق منها تقع مقاطعة دوكس سفرس "Deux-Sèvres " التي توجد بها بلدية "Mauzé-sur-le-Mignon " الوادعة ، التي ينحدر منها الرحالة (رينيه كاييه - René Caillié)، المعروف عندنا هنا بـ "ول كيجَ النصراني" أول رحالة غربي تطأ قدماه أرض تمبكتو...

ظل الفرنسي فاغرا فاه لايحير جوابا ..
كان يسمع عن قصص الجن سكان مهامه الصحراء ، ظن نفسه في حلم أو تخطفته الجن ..
إنه أمام رجل صحراوي توحي ملامحه بأنه لم يبرح تلك الصحراء رغم أناقة لا تخطئها العين ، ملامحه صارمة عيونه ثاقبة النظرات يتدلى شاربه الأبيض إلى ذقنه الحليق صوته متهدج به بحة جميلة ، يتكلم الفرنسية كما يتكلمها الفرنسيون الأقحاح يتكلمها بلكنة الغلواز ، ويعرف فرنسا جيدا وأحاط بتاريخها خبرا..
إنه يعرف منطقته ومسقط رأسه بشكل جيد بتضاريسها وأهلها ومناخها ومسؤوليها ومثقفيها..
والأغرب من هذا كله لغته الفرنسية مخارج الحروف لديه ، النبرة ، لغة الجسد ، والتراكيب والجمل السليمة الأصيلة .. يا إلهي..

استعاد الفرنسي توازنه بعد أن كاد يجن ، حين أخبره محمد بأنه درس في فرنسا في الأربعينيات وأنه عاش فيها سنين عددا.

كامل الود

الأحد، 1 سبتمبر 2019

حين لاتظن الشيء مظنة الشيء


في صباح يوم بارد وقف رجل في إحدى محطات المترو في العاصمة الأمريكية واشنطن وبدأ يعزف الكمان.
عزف مقاطع مختارة من أرقى مقطوعات موسيقى العبقري باخ مدة حوالي 45 دقيقة.

خلال ذلك الوقت مر حوالي 1100 شخص في محطة المترو، معظمهم في طريقهم إلى العمل.
مرت ثلاث دقائق ، تباطأ رجل في منتصف العمر في سيره وتوقف بضع ثوان وهو يستمع لمقطوعة الموسيقى ومن ثم هرع للحاق بالوقت..
بعدها بدقيقة ، تلقی عازف الكمان الدولار الأول ، كانت امرأة ألقت له المال بدون أن تتوقف وواصلت المسير!
شخصٌ استند إلى الجدار للاستماع إليه لبضع دقائق، ثم نظر إلی ساعته وبدأ المشي مرة أخرى وكان من الواضح أنه قد تأخر عن العمل..
كان من أبدى أكبر قدر من الاهتمام طفل عمره 3 سَنَوات، كانت والدته تحثه علی السير لكنه توقف لإلقاء نظرة على عازف الكمان. وأخيراً ، واصل الطفل المشي، مديرًا رأسه طوال الوقت، وكرر هذا الأمر العديد من الأطفال الآخرين.
جميع الآباء، دون استثناء، أجبروا أطفالهم على مواصلة السير وجميع الأطفال دون استثناء حاولوا التوقف والاستماع.
في 45 دقيقة من عزف الموسيقى:
لم يتوقف ويستمع لمدة من الوقت سوى 6 أشخاص، من الذين مروا حوالي 20 قدموا له المال، ثم واصلوا السير بوتيرة طبيعية..
كانت نهاية 45 دقيقة من العزف مبلغ 32 دولار.
عندما أنهى العزف وران الصمت، لم يلاحظ ذلك أحد، لم يصفق أحد!
لا أحد لاحظ أن عازف الكمان هذا هو "جوشو بيل" واحد من اكبر وأشهر الموسيقيين الموهوبين في العالم.
وأنه عزف مجموعة من القطع الموسيقية الأكثر تعقيدًاّ.
وأنه يعزف علی كمان قيمته 3.5 مليون دولار.
وأنه قبل يومين من لحظة عزفه في مترو الأنفاق، بيعت بطاقة الدخول لحفلته في أحد المسارح في بوسطن بمتوسط مائة دولار.
إذا لم يكن لدينا لحظة للتوقف والاستماع إلى واحد من أفضل الموسيقيين في العالم يعزف أفضل موسيقى كتبت لآلة الكمان!
فكم من الأشياء حولنا أثناء مسيرة الحياة تفوتنا ونحن لم نستمتع بها؟

****

ذات مرة كان الدكتور يحيى ولد حامدن رحمه الله ، يركب مع صديق له ليوصله ، وقرب إحدى الثانويات شاهد الرجل فتاة من أقاربه فحملها معهما ليوصلها.
كانت الفتاة تحمل دفترا بيدها ، سألها الدكتور يحيى عن دفترها ماذا يحوي؟
أجابت فتاة الثانوية: ما هُ ش تعرفو هذا ينكالو (Math) الرياضيات!!..

****

في اجتماع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة بالمملكة العربية السعودية تناول الكلام ممثلو الوفود وكان الأستاذ برهام جوب رحمه الله ، ممثل السنغال ورئيس وفدها ينصت دون أن يتكلم.
وحين وصله الكلام قال ممثل السعودية ورئيس الجلسة أيها الإخوة سأعطي الكلام لممثل السنغال لكن ارى ان نترجم له ماجرى لأنه قد يكون لايعرف العربية ولم يعِ مادار من نقاش..
 وحين استلم برهام جوب الكلام حمد الله واثنى عليه ثم قال ضاحكا:
وهل أفنى شبابي غيرُ هِر ؟!
تعاطيت العربية وليدا وعلّلت بها صبوحا واغتباقا، وقيض الله لي ذلك الشيخ الشنقيطي -أحمد محمود ولد الرباني- الذي كان يمسك بلساني لأنطق الحاء ..
 ثم واصل جوب وأتى بالعجب العجاب ..
ذهل الحضور من فصاحة الرجل وانطلاق لسانه
وقام له رئيس الاجتماع عن مكانه وأقسم ألا يدير الاجتماع غيره.

****

يقول الشيخ ولد مكيّن رحمة الله عليه: "أفحمت في حياتي مرة واحدة" ، وذلك في محصر أمير اترارزة ، وكنت فتى حدثا.
ففي رحلة للمحصر شتاء إلى بئر(انْوَاكِلْ) ، نزلنا للمبيت في المنطقة المعروفة بأَبْيَارْ تَاگنَانتْ، وكان من عادة أهل المحصر النوم ضحى، لكنني ذلك الصباح لم أنم، ولم يستيقظ معي أحد، نهضت وذهبت أستطلع المكان، فشاهدت خيمة غير بعيدة فتوجهت إليها عسى أن أجد عند أهلها شايا صباحيا.
حين وصلت كان هناك رجل جالس في شق الخيمة يَكْصَرْ تِيرْزَه مَنْ أَرْشَ، وبين أَرْكَايْزْ أَشْوَيْبْتَيْنْ إحداهما بين يديها مواعين شاي وَالْمَغْرَجْ طَالَعْ، سلمت ـ وكنت أظاهر دراعتين بيضاء وزرقاء (امغربي)، فرد علي الرجل السلام، ورفع بصره إلي، وقال:
أَنْتَ مَانَكْ هُوَّ لِديچبي الْمَذْكُورْ امغني ورَگاصْ فَالْمَحْصَرْ؟
قلت له: آنَ إگبَالْ
طَرْحَتْ أَشْوَيْبَّه الْكِسَانْ عَنْ أطَّابْلَه، وَأكْفَاتْهَ أَفْعَبُّونْهَ ءُگامَتْ أَتْرَدِّيهَ، وَأتْكَرَّرْ لَازِمَة:
دَانَ ـ دَانَ ـ دَانَ..
تفاعلت معها ودخلت الخيمة، وقلت لها گولي:
عَنْدِ حَالَ هَوْنْ أَفْلَبْتَيْتْ :: مَا يَعْرَفْهَ يَكُونْ آنَ
وَنْطَاوِ بِيهَ زَادْ أَعْيَيْتْ :: سَاعَتْ لَكْطَاعْ الْوَزَّانَ

رفع الرجل رأسه مباشرة، وقال:
انگدْ انگاطَعْ وانْحَانِيكْ :: كِيفْ الْوَزَّانَ تِتْحَانَ
وَانگدْ انرادِفْ زَادْ أَعْلِيكْ :: أَلا من ذَاكْ إبْغَيْتْ آنَ

قال الشيخ: فاجأني الرجل بعد أن ظننت أن لا شأن له بالفن، وأني قد استفردت بالجماعة، فأفحمتني سرعته وجودة قوله، وجلست أنتظر البراد الأول، وتركت له المجال.

****

ذات مرة خلال (رالي باريس دكار) ضل سائق دراجة في "آوكار لبكم" وانتهى المطاف به في قرية "عين السلامة".
استقبله المؤرخ محمد ولد مولود ولد داداه رحمه الله ، وأكرم نزله ، جلسا في الفضاء الرحب في تلك القرية الوادعة النائمة بين أحضان الرمال.
جلسا على حصير من النيلون ، كان محمد ولد مولود يلبس دراعة خفيفة من الشگة ويلف لثاما من توبيت حول رقبته.
سأل محمد ولد مولود الفتى الفرنسي من أي مدينة أنت؟
فأجاب: من بواتييه
قال محمد: أنت إذن من وسط غرب فرنسا من منطقة بواتو شارنت..
تلك المنطقة تعتبر من المناطق المشمسة فى فرنسا وتغطي جزءا مركزيا من السهل الساحلي المطل على المحيط الأطلسي ..
إنها تقع إلى الغرب من أعلى ليموزين على تخوم الهضبة الوسطى عند حواف التلال المتموجة..
تلك المنطقة مناخها معتدل على الرغم من الصقيع فى الشتاء الذى يكون أقل صرامة على الساحل.
فى الجزء الجنوبي من تلك المنطقة تقع الأراضي الصالحة لزراعة القمح والشوفان ، كما تزرع فيها البطاطا والتفاح و، تقوم كروم العنب على نطاق واسع حيث تنشط صناعة الكونياك والنبيذ المحلي و صناعة الأجبان.
وفى الشرق منها تقع مقاطعة دوكس سفرس  "Deux-Sèvres " التي توجد بها بلدية  "Mauzé-sur-le-Mignon " الوادعة ، التي ينحدر منها الرحالة (رينيه كاييه - René Caillié)، المعروف عندنا هنا  بـ"ول كيج النصراني" أول رحالة غربي تطأ قدماه أرض تمبكتو...

ظل الفتى الفرنسي فاغرا فاه لايحير جوابا ..
كان يسمع عن قصص الجن سكان مهامه الصحراء ، ظن نفسه في حلم أو تخطفته الجن ..
 إنه أمام رجل صحراوي توحي ملامحه بأنه لم يبرح تلك الصحراء  رغم أناقة لا تخطئها العين  ، ملامحه صارمة عيونه ثاقبة النظرات يتدلى شاربه الأبيض إلى ذقنه الحليق صوته متهدج به بحة جميلة ، يتكلم الفرنسية كما يتكلمها الفرنسيون الأقحاح يتكلمها بلكنة الغلواز ، ويعرف فرنسا جيدا وأحاط بتاريخها خبرا..
إنه يعرف منطقته ومسقط رأسه بشكل جيد بتضاريسها وأهلها ومناخها ومسؤوليها ومثقفيها..
والأغرب من هذا كله لغته الفرنسية مخارج الحروف لديه ، لغة الجسد ، والتراكيب والجمل السليمة الأصيلة  .. يا إلهي..

استعاد الفرنسي توازنه بعد أن كاد يجن ، حين أخبره محمد بأنه درس في فرنسا في الأربعينيات وأنه عاش فيها سنين عددا.

كامل الود

الأربعاء، 7 أغسطس 2019

حموضة

تهادى إلينا المساء وقد سكبت الساحلية "رواء" على الأنفس وخفف الله بنسيمها عنا الحر وعلم أن فينا ضعفا.
كان يوما ساخنا تقيأت فيه جهنم واعتلج "مارو والحوت" في الأجواف، مع "أتاي الگاسي" فلم تنفع المراوح في تلطيف الجو ولم يطفئ "بصام" ضراوة "تيبو چن".
فلما تحركت "الساحلية" كان ما عند الله خيرا وأبقي..
قال لي صاحبي: ما رأيك لو خرجنا نبترد؟
قلت: ما تگلع ش..

تهادى إلينا المساء الجميل.. لم يصغِ إلينا لأننا لم نكن نحمل الحب في أعيننا.. ولم يلمم شعث أشواقنا لأن "المَحوَر" أطال الوقوف بين الصلب والترائب يحمل ناره التي لم يستطع "گافيسكون" إخمادها.
لقد أطفأ المحور سَورة الحب كما يطفئ الحَبَبُ سَورة الصهباء.

على شارع المختار ولد داداه "تنعوشنا" قليلا وبدت لنا مسرة للناظرين، بدا لنا ما يسفه الأحلام ويستصبي أخا الكبر، كواعب رود ترد الأكباد منفطرة مسفرة طورا ومختمرة..
عدلنا عن بيت ولد أحمد دامْ: (ما سفه الحلم..) وعدلنا عن مندوحة ولد محمدي (لمعذور على السفه) إلى قول إسماعيل:
غير ال طلصتو سن :: أشبه لو يطلصها..

الأماكن توغل في المساء وسهر الشوق بدأ يرتسم فى تلك العيون الجميلة المتجهة لمقار الحملات التى اقتصر صخبها وألقها هذا العام على خيام المبادرات الخاصة في تفرغ زينه ورگبة لكصر الفوگاني قرب تفرغ زينه، وعلى المناطق المجاورة مراعاة فارق (الفظة).

لست من محبي التسدار بمعناه المنتبذي ولا أمارسه، لكنني لست "حافيا" ومن المؤمين بمقولة " الجمال مرحوم" كفقهاء الحجاز، ولو كنت في اللجنة المستقلة لكان لسان حالي هو قول الأستاذ إسماعيل:
مُـحَـلَّفْ فِـاللَّـجْـنَه :: عَــنْ حَـــدْ إِجَـلَّـجْنَ
ؤُمَـحَـلَّـفْ مَـا نَـجْـــنَ :: مِنْ مَخْلُوقْ إِبْنِـيـتِي
ؤُحَـالِـــفْ دِنِّــي نَـهْــنَ :: مَـا نِـمْـرِگْ تِـيـكِـيـتِـي
غَـيْـرْ اگـبَـيْـلْ إفْ مَلْهَى :: وَحْـدَه فِاتْــنَـــوْكِــيـتِـي
يَـسْـمَـحْ لي گِـلْـتْ الْهَـا :: انْـتِي ذِيـكْ احْـصَيْـتِي؟

فذلك نفس حجازي لابأس به عندي فالجمال مرحوم.
صاحبي حجازي الهوى، وقد سرَت إليّ حُميّا حجازيته -والهوى يُعدي- واقترح المرور على خيام المبادرات لننظر أيها أزكى جمالا وأن نتلطف وأن لايشعر بنا أحد فيظن بنا "كلبيتا" والتشقلب لايليق بأمثالنا.

بكى صاحبي لما رأى درب خيم المبادرات دونه، وكاد يصيح بإحداهن في إحدى الخيام: "الأسود يليق بك"
تنهد صاحبي، وتمنى أن يكون جنرالا متقاعدا أومترشحا لرئاسة البلد، وكان يردد قول طَرَفة بن العبد:
فلوْ شاءَ رَبِّي كنتُ قيسَ بنَ خالِدٍ :: ولوْ شاءَ ربِّي كنتُ عَمْرو بن مَرْثَدِ

ثمة حديث فى الحب إن لم نقله فقد أوشك الصمت حولنا أن يقوله، فقد هلَّ فى ليلتنا خيال الندامى والنواسي عانق الخياما
ولَسْتُ بالغافل حتى أرى :: جَمال دُنيايَ ولا أجتلي

كان صاحبي يسوق سيارته بسرعة منخفضة وكان أفراد "مسغارو" عند التقاطعات في قمة الأريحية، وكانت أناشيد البكريين تتعالى لتعانق أناشيد الغزوانيين حتى لا نقول "التغلبيين" قال صاحبي هل تتوقع شوطا ثانيا بين بكر وتغلب؟
فقلت له إن الحارث بن عباد مازال محايدا لأنه يرى أن الحرب "لا ناقة له فيها ولا جمل". وإذا ما "باءَ" ابنه بشسع نعل كليب فسيأمر بتقريب مربط فرسه "النعامة وعندها سيكون الشوط الثاني في صالح البكريين، مع أن عزيز يرى أن دون ذلك خرط القتاد.
ثم أضفت: دعنا من تلك التوقعات ولنعش ليلتنا الجميلة حتى لا تكون كليلة المهلهل بذي حسم:
أَلَيلَتَنا بِذي حُسُمٍ أَنيري :: إِذا أَنتِ اِنقَضَيتِ فَلا تَحوري

بدت إحداهن في خيام مضارب تغلب
عجلي القيام ضحوك عن مؤشرة :: تنسى ملاحتها ذا لؤلؤ دررَه
فكان لسان حال صديقي:
وَإنْ تكنْ تَغلِبُ الغَلباءُ عُنصُرَهَا :: فإنّ في الخَمرِ معنًى لَيسَ في العِنَبِ

بعد تقاطع موري سانتر ونحن قافلون حدثت زحمة سير، فتوقفنا قرب مجنون يحدث نفسه بصوت عال، وكان جالسا يحرك يديه والأفكار تتداعى وتمور في ذهنه تقذفها الكلمات إلى المستمعين..
كنا ننصت إليه، وكان لايتوقف عن الكلام وإنتاج الأفكار المتناقضة التى يضرب بعضها بعضا..
وحين نبهنا سائق السيارة التي خلفنا وقد تحركت السيارات التى أمامنا، قلت لصاحي "سيري درواتك" حتى يكمل الرجل كلامه.
فضحك وقال: هذا مجنون!
قلت له: ماهُ أجنْ من حد هو على الأقل مشعور بينما عشرات من أمثاله يبثون المقاطع الطوال على الفيس والناس تستمع إليهم كأنهم حكماء زمانهم وهم "أجن من صاحبنَ" ثم إن الفيلسوف الكبير ميشال فوكو يقول إن "الجنون يغري لأنه معرفة" إذا تمكن الإنسان من الإفلات منه، و يقول إن "الجنون فكرة".
وهذا الفيس "مخيم" كبير وكل واحد منا يقف على حافة الجنون ويعاني أزمة داخلية مرعبة، نتيجة الحر والتخيلات.

كامل الحموضة.
يوم النعناع
كان شيخا كُبارا وكنت أختلف إليه في بعض الأحايين..
كان يأوي من الثقافة الشعبية إلى ركن شديد، وكان يحدثني عن غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، وكان يضرب المثل في البعد بواد نون..
سألته ذات سانحة عن واد نون، صمت برهة ثم مسح لحيته بيده وأخذ نفسا عميقا وقال:
واد نون.. واد بعيد.. بعيد يا ولدي..
فقدَ فيه جدنا ضرسه صبرا يوم النعناع..
قلت له وما يوم النعناع؟
قال: ذات رحلة لبيع الملح والبحث عن ريش النعام وصل جدي إلى واد نون، فوجد زعيمه قد ضرب (أگيطون) يسيح فيه الفارس، بثت فيه الزرابي وصفت فيه النمارق، ووضع الفحم في الأفران ونفخ رجال في ضرامها بالرّابوژ(الحانوت) الزكي الرائحة ذي الجلد الأصفر الموشي بالذهب..
ثم طاف الغلمان على الناس بصحاف اللحم والكسرة وقصاع الكسكسي، وأباريق الشاي وكؤوس ماء الود، وكاسات الشهد، ومغاسل النحاس عليها المغارج والصابون البلدي المعطر طري الملمس..
ودارت عليهم الجواري بمواقد البخور ورشاشات المسك الممزوج بالعنبرومسحوق الغوالي..
كان زعيم واد نون يتصدر المجلس يحيط به الوجهاء ، جلس جدي في طرف المجلس يجتلي ويجول ببصره في ذلك المشهد العجيب الذي لم ير مثله في حياته وهو القادم من أعماق المنتبذ القصي.
مر غلام يحمل طبقا من النعناع الأخضر فمدّ رجل يده إلى حزمة من النعناع شمها منتعشا، ثم أرجعها للطبق..
صاح الزعيم من على كرسيه بصوت مجلجل كالرعد: اقطعوا رأس ذلك الرجل الذي يشم النعناع في مجلسي!
قدم إليه رجل قوي البنية وذهب به إلى المقصلة..
وضع جدي يده إلى فمه متعجبا!
فصاح به الزعيم بذات الصوت المجلجل كالرعد: مالك يامن تضع يدك على فمك؟
فارتعدت فرائص جدي فرقا – يقول الشيخ – وقال بسرعة: تؤلمني ضرسي..
فصاح الزعيم برجل آخرقائلا: (حيّدلو الرحى إديالو)..
فامسك بي رجل مفتول العضلات، خرج بي وفتح فمي وسألني عن الضرس التي تؤلمني فأشرت إلى واحدة، فأزالها بكماشة عنده دون أن أحس بأي ألم لفرط الخوف..
ثم تحسس جدي رأسه وحمد الله أنها ماتزال على رقبته، وانطلق راجعا إلى المنتبذ القصي لايلوي على شيء.. راضيا من الغنيمة بالإياب.
كامل الود

الجمعة، 4 يناير 2019

"طيور النبع"


ازدادت مكتبتي الصغيرة مؤخرا برواية "طيور النبع" والتي فرحت بها ووضعتها في الرف الأول، حتى أجد فرصة لقراءتها قراءة ماتعة، فأنا لا أحب القراءة المبتسرة، فلذة القراءة عندي في موضعين، أن أخلو بنفسي على شاطئ اللازوري أوأكون في رحلة على متن طائرة أو قطار..
أشعلت المصباح الصغير وطويت الدجى مسافرا مع أحداث الرواية..
بطل الرواية مثلي جاوز منتصف الليل بكثير وكاد النعاس يغلبه، إلا أن اللازوردي عندي هادى، والجو عنده هادر على ناصية "كران بيا" من خلال نافذته المشرعة على ليل مدريد الذي لاينام..
اختلفت أجواؤنا وجمعنا شوق عارم للمنتبذ القصي، البطل السارد يشد حزام الشوق للعودة إلى بلدته الوادعة التى قام بينه وبينها ما يشبه الضباب، بلدة النبع المباركة حيث الأرض قريبة من السماء وحيث الصفاء وصوت الحياة الأول حيث البداية.. من حداء الصحراء وميس الهوادج وبكاء الماّذن واحتراق الغروب وميلاد الضوء، انطلقت طيور النبع ماخرة عباب الرمل مفردة أجنحة الأمل محلقة نحو الأفق البعيد..
لاتقع الرواية في شراك الحكاية التقليدية، بل هي ذات طبيعية ديناميكية سردية مخالفة لطبيعة القص في الروايات الكلاسيكية وتقنيات القص التقليدي، لقد استطاع الكاتب تقديم الأفكار ممتزجة بالأحداث الآنية والأحداث الماضية معا .. فنلمس حرية الحركة ما بين الأزمان الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، بأسلوب ممتع وسلس وشائق.
وبما أن الكاتب صحفي ورحالة وأديب ومثقف، فقد قدم من خلال الرواية عدة مستويات للقص، مستعيناً بأدوات كاتب التحقيق المتمرس مستخدما عدسة الصحفي وريشة الفنان، وأسلوب المثقف، وذلك بوعي تاريخي لافت، وحس أدبي، وذكاء مهني مميز، فتجد اللغة الصحفية القادرة على رصد الأسماء والتفاصيل والأماكن في مستوى السرد العادي الذي يأتي على لسان الشخصية ذاتها، ثم يوغل بنا بلغة الأدب الشاعرية حين يلج إلى إلى روح الأشياء بالاستبطان الذاتي أوالمونولوج الداخلي، ثم نجد المستوى الأعمق الذي يجري على يد المثقف الاجتماعي النفسي في الوعي واللاوعي أو اللاشعور المتحقق في الأحلام، ولكنك مع ذلك لا تشعر في قراءتك للنص بأي فواصل زمنية أو أية تناقض بين السرد والمونولوج، من خلال مهارة سردية عالية، ولغة رفيعة ورائعة.. لغة تيارية متدفقة دون صنعة أوغموض.
ويلعب الكاتب لعبة فنية يتكئ فيها على الرمز لخلق عالم مدهش يطغى على الواقعية التي تتسم بها الأحداث، ولكنك مع ذلك لا تشعر في قراءتك للنص بالفانتازيا، أوأنك في عالم مغاير للواقع، فالرواية واقعية بامتياز.
لقد استخدم ولد محمدي تقنية تيار الوعي عند البطل السارد كما استخدمه الروائي السنغالي "شيخ حميدو كان" عند بطله "سامبا ديالو" عندما كان بطله يعود بأسلوب الفلاش باك -الارتداد - analepse.
وفي الرواية ينتقل الزمان بحركته اللامرئية بين أبعاده الثلاثة: الماضي الذاكرة، والحاضرالماثل ، والمستقبل المستشرف من خلال مشاريع البطل.
والزمن في الرواية كزمن المنتبذ القصي زمن كوني كما يسميه الراحل تيودور مونو، إنه نسيج الحياة الداخلية الرتيبة لأولئك الرحل التي تنساب حسب وعيهم للزمن، كما ينساب الماء في مجرى النهر.‏
فجمالية العمل الفني تبقى ناقصة إذا افتقر الحس الزماني، فكل عمل فني يحمل بنية زمانية وأخرى مكانية، وفي الرواية يتقاطع الزمان والمكان في مدريد والخليج وأدغال إفريقيا والمنتبذ القصي، تختلف الأزمنة والأمكنة، زمان خارج من سيرورة الوقت اليومي، وزمان كوني روائي لكنه محسوس تنمو من خلاله الأحداث وتتحرك في سديمة الشخصيات..
وتتقاطع سيموطيقا الزمان والمكان، لتعطينا قراءة جديدة للمكان كفضاء، خاصة النبع كدالٍ مكاني مستمر يحمل سيموطيقيا زمانية/رمزية منذ قدوم ذلك الجد من الحج يحمل ذلك الماء المبارك..
الماء برمزيته اللامتناهية.. فالماء أصل الوجود والخلق وسر البقاء
في البدء كان الله ولا شيء معه وكان عرشه على الماء..
نحن من ماء..
الكوثر..
ماء زمزم..
وجعلنا من الماء كل شيء حي..
لم تقم الحضارات إلا على الماء..
في المنتبذ القصي كانت الناس تتعقب الغيمة أين يسقط ماؤها
وأقامت الآبار تمتاح منها الماء فعرف كل أناس مشربهم واستمدوا تسمية مواضعهم من أسماء آبارهم
وفي النبع.. نبع الماء من الأرض وجاء الجد بالماء المبارك، فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر..
وحين انقطع الماء حل الجفاف بالنبع فحلقت طيوره خارج النبع وفي النهاية عاد الماء وعاد الخصب والنماء وعادت الطيور..
تلك هي سيموطيقا المكان في الرواية وفي العنوان.. إدراك جديد للمكان، يتجاوز ماديات المكان إلى علامات المكان؛ فالمكان في الرواية ليس فضاء فارغا، بل مليء بالكائنات وبالأشياء... والأشياء جزء لا يتجزء من المكان، وتضفي عليه أبعادا خاصة من الدلالات.
في بنية الرواية تحتل الشخصيات مكانة مهمة، فهي مؤثثة بمجموعة من الشخصيات تتقاطع لتصنع الحدث، فهي طيور النبع تتحلق حولها كل عناصر السرد مساهمة في نمو الخطاب داخل الراوية باختزاناته وتقاطعاته الزمانية والمكانية.
يغير الدهر اليوم اثقال :: بيهْ إلّ فيه امتان إيبان
تقليب الزمان، ءُلحوال :: تتقلب تقليب الزمان
الحوار في الرواية استغنى عنه الكاتب بالوصف، فلم يثقل روايته بالحوار..
يصور ولد محمدي بدقة فنان الوضع النفسي للبطل فنلمس سيطرة شعور الغربة والوحشة والمعاناة جراء السفر ولوعة الانتظار وتفاعلات كيمياء الأشواق
وتجسيد الغربة في المكان والزمان .. غربة الذات .. غربة الإنسان عامة .. خاصة إذا انتفت أسباب التواصل النفسي والروحي مع الآخرين في الشتات حين يتناثر غبار المرء عبر القارات وتتعاطاه المنافي .. إلى جانب ترسيخ عوامل الإحباط ورصدها من الخارج .. خارج الذات وداخلها
الشخصيات في العمل الروائي حيث كان هي عنصر من عناصر الحكاية مصنوع من الكلام، تصفه الحروف وتصوره وتنقل أفعاله، لكنك في طيور النبع تحس الشخصيات حية ماثلة رأي العين تكاد تسمع نبضها..
لايتسع الوقت لذكر شخصيات الرواية لكن شخصيتين استوقفتاني، هما المجذوب وعبد الرحمن، إضافة للبطل السارد، الذي يعود بعد عشر سنوات في السفارة في مدريد بمنصب محاسب يعود إلى بلاده..
وإذا كانت رحلة بطل موسم الهجرة إلى الشمال تصاعدية حين ضرب القطار به في الصحراء ، بعدما قلع الأوتاد وأسرج البعير، وغادر قريته نحو القاهرة ، وتخيلها عقله جبلاً آخر ، أكبر حجماً ، ثم ركب ذلك العملاق الأخضر اللامنتهي ، كأنه يمور بين ضلوعه وهو يحس كأنه في لا مكان منطلقا نحو جبل أكبر هو لندن قاطعا السهول ذات الخضرة الداكنة ، والقرى السكسونية القائمة على حواف التلال . بسقوف بيوتها الحمراء ، المحدودبة كظهور البقر، تعلوها غلالات الضباب..
فإن رحلة سارد الحكاية بطل طيورالنبع، كانت تنازلية حين عاد من صخب مدريد إلى حركة نواكشوط الخفيفة إلى سكينة وهدوء النبع..وإن كان عاود المسير إلى الخليج وإفريقيا..
حين يعود البطل إلى نواكشوط قادما من مدائن الريح لاشيء يغريه بأحضانه ليمسح عن روحه الغربة والتوتر، مدينة ناشئة تتلمس طريقها نحو الحداثة شوارع قيد الإنشاء مسارح تتنفس وطلبة يبحثون عن الذات والهوية الضائعة بين صراع الحضارت والثقافات..
من الشخصيات الاستثنائية في الرواية شخصية عبد الرحمن، وهو طالب ثوري وصاحب فكر متحرر ذو نزوع يساري وقومي وذو شخصية ذات مزاج وتناقضات شتى، ترمز إلى شخصية صحراوي يأنف من القيود ويرفض الزيف والتملق وينحاز للحق ولو كان ذلك على حساب المصالح.. مدمن على القراءة، ومتحمس للقضايا العربية، خصوصا القضية الفلسطينية. ومتعاطف مع حركات يسارية وعمالية.. يلتقيه البطل في الكويت وفي الدوحة ويتعرف من خلاله على مجموعة من السودانيين، حيث تتقاطع الثقافة حد التماهي بين السودان والمنتبذالقصي في الموسيقى والأدب والتصوف..
عبدالهادي المجذوب، أستاذ البطل الذي علمه القرآن، وحرضه على حفظ الشعر الجاهلي، وبعث في روحه جذوة التصوف التي لن تنطفئ أبدا.. المجذوب المسكون بالمواجد التي تراوح بين الهينمة والترنم والرقص..
ولئن كانت بلاد الغرب تموت من البرد حيتانها على حد تعبير الروائي الطيب.. صالح، فإن بلاد نجد والمنتبذ القصي يهلك في جوانبها النسيم لفرط الحر، كما يقول غيلان ذو الرمة:
تموت قطا الفلاة بها أواما :: ويهلك في جوانبها النسيم
ولئن كان ذو الرمة غيلان بن عقبة شاعرا استثنائيا، فقد عشقه وتماهى معه رجل استثنائي هو المجذوب ..
ويجمع بين المجذوب وعبد الرحمن، رجل استثنائي آخر لقيه عبد الرحمن في باريس هو المناضل محمد الباهي، الموريتاني الأصل وأحد رموز اليسار المغربي..
رجل استثنائي اقتفى إثر خاله حرمة ولد بابانا حين هاجر إلى المغرب، إلى لحظة اختفائه الإرادي في عتمات باريس وأنوارها وغموضها..
في باريس، عاش الباهي بكل ما تعنيه الكلمة من معاني الشبع. نزل إلى مغاراتها السرية، تشرب دروبها، وكان من أكبر المشائين بها، وبها ظل يزور "مقبرة الكلاب" ويقرأ على الشواهد الصغيرة بصوت مرتفع قصائد "ذي الرمة:
أمنزلتي مي سلام عليكما :: هل الأزمن اللائي مضين رواجع
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى :: ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع
سؤال حياة غارق في قلق الفلسفة عن معنى الكائن في سديم الوقت.
عاش الباهي كل الأزمنة الصعبة للفعل السياسي الوطني، القومي العربي، والإنساني، وظل منارة تنير طريق الكثير من التائهين في دروب المنافي الباريسية، مثلما ظل واحة راحة للكثير ممن طوحت بهم دروب الفعل السياسي المناضل. وظلت له مكرمة حفظ الأسرار والوفاء للمودات وللرجال.
جمع اليسار والقومية بين عبدالرحمن والباهي وجمع غيلان والشعر بين الباهي والمجذوب..
من شخصيات الرواية نجد مريم، قارئة الودع، التي تتمتع بسلطة روحية تصل الأحياء بالأموات، وتخبر عن المغيبات.. في مجتمع لايزال يصيخ السمع للودع من رئيسه ووزيره إلى خفيره..
ونجد شخصية أخرى هي محمد الحافظ، وهو من أبناء النبع الذين هاجروا منذ زمن بعيد فباتوا شبيهين في ذاكرة الناس بشخصيات خيالية أو أسطورية، انسجم تماما مع تقاليد الناس في ذلك الصقع الإفريقي، في (لابي) بأعماق غينيا وأصبح واحدا منهم، خصوصا بعد أن تزوّج أربع نساء، وقد تمكن من تعزيز مكانته من خلال معرفته العميقة (بسر الحرف) الذي يسخر من خلاله الجن ويقهر الشياطين ويصنع الخوارق..
محمد الحافظ نموذج للشنقيطي المهاجر، طرحت الرواية من خلاله إشكاليات الجيل الأول حين يوغل في الهجرة ويطول عليه الأمد بين حلم العودة وواقع الحال، وإشكالية الجيل الثاني والثالث ضائع الهوية، أوما يصفه الكاتب المبدع أمين معلوف بمسألة الهوية والإنتماء، بين التمسك بهوية وقيم البلد الأصلي أو"التماهي" مع البلد الذي يولد ويحيا فيه الإنسان وذلك من خلال اكتساب عدد من السلوكيات..
وأنا على اللازوردي أودع سنة وأستقبل أخرى وجدتني غارقا في جو من من المتعة والإثارة عرفت بعضه وأعرضت عن بعض..
خواطر سريعة دبجتها وأنا على جناح سفر..
جعل الله سنتكم ياسمينا..
كامل الود

الأحد، 12 أغسطس 2018

يوم غاب يحظيه 


رغم مرضه وضعفه وبلوغه الثالثة والتسعين، إلا أن طلاب يحظيه ولد عبد الودود "اباه" لم يكونوا يتصورون غيابه، كانوا يعدونه من لِدات الدهر التي لا تغيب، ومن ثوابت الدنيا الخالدة كالملوين والفرقدين.

وفي سنة 1358 هـ 1939 م يوم الاثنين مع دخول وقت الظهر غاب يحظيه، فأظلمت الدنيا في أعين الناس، وتداعى تلامذته تحت هول المصيبة ولوعة الغياب يندبونه، وفي كل موقف كانت شواهد الألفية التي طالما شنف "اباه" بها آذانهم حاضرة.
أمام الجسد الطاهر المسجى المحمول على النعش تمثل ممو ولد عبد الحميد بشاهد اقتران خبر كاد بأن في قول محمد بن مناذر البصري يرثي عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي:
إن عبد المجيد يوم توفي :: هد ركنا ما كان بالمهدود
ليت شعري وهل درى حاملوه :: ماعلى النعش من عفاف وجود؟
كادت النفس أن تفيظ عليه:: إذ غدا حشو ريطة وبرود

وحين وضع النعش استعدادا لحفر القبر تمثل اگليگم ولد محمدو ولد حبيب ولد متالي بالشاهد على دخول نون الوقاية على الحرف (لعل) ندورا، إذ الغالب حذف نون الوقاية من لعل:
فقلت أعيراني القدوم لعلني :: أخط بها قبرا لأبيض ماجد

وتوالت الشواهد من الطلبة وتوالت العبرات، ثم جاءت المراثي، كان أول ماقيل من الشعر فى رثاء العلامة يحظيه بيتين قالهما المصطفى ولد منين التندغي الانديجگراري، ارتجالا عند وضع العلامة يحظيه فى قبره:
أياديمة الرضوان والعفو أَوْبَكِ :: إلى روضة الأجداث أجداث أَوْبَكِ
وإن رُمْتِ أوبا من هنالك فاجعلى :: إلى كل من ينمىَ لِأَوْبَكَ أَوْبَكِ

ويقول المصطفى ولد منين:
مسالمة المنية لا تقينا :: وإن الموت لاقينا يقينا
فما حلم الحليم يقيه منه :: ولا التقوى بواق المتقينا
ولا ذو المال بالأموال باق::ولا الإنفاق يبقي المنفقينا
ولا الأبناء بالآباء تبقى :: ولا الآباء تبقى بالبنينا
فكم أدى أمانته أمين :: فما أبقت أمانته الأمينا
فلولا الموت ما سكبت عيون :: لفقد اباه مدمعها المصونا
عيون للشريعة داميات :: وأخرى للفتوة لن تصونا
فعلم النحو يندبه جهارا :: ومختصر الخليل غدا حزينا
وأطرقت "الخلاصة" يوم ولى:: وأنّت ثم رجّعت الحنينا
وحاولت التسلي ثم سالت..مدامعها فرجعت الأنينا
لعمرك ما فقدنا مثل حبر :: لدى "بئر الكعاب" غدا دفينا
ألا إن المعالي أيمتها :: منيته وأيمت الفنونا
فكم يوم أقام عليه جمع :: كرام قارئون ومقرئونا

ويقول اگليگم ولد محمدو ولد متالي:
لَيْسَ لِلْمَرْءِ مِنْ صُرُوفِ الزَّمَانِ :: إنْ أَنَاخَتْ بِبَابِهِ مِنْ أَمَانِ
هَلْ تَرَى حَيَّ آلِ عَبْدِ مَنَافٍ :: أوْ تَرَى حَيَّ آلِ عَبْدِ مَدَانِ
فَلَنَا أُسْوَةٌ بِمَنْ قَبْلَنَا فيـمَا رَمَتْنَا بِهِ يَدُ الْحَدَثَانِ
قَدْ رَمَتْنَا فَأَوْرَثَتْنَا شُجُونًا :: لِلْحوَايَا مَا تَنْقَضِي لِأَوَانِ
قَدْ رَمَتْنَا بِفَقْدِ حَبْرٍ هُمَامٍ :: مَا لَهُ فِي عُلُومِهِ مِنْ مُدَانِ
حَوْلَ ذَاتِ الْكِعَابِ أَمْسَى مُقِيمًا :: أَيُّ فَضْلٍ ثَوَى بذَاكَ المَكان
قد ثَوَى ثَمَّ رَوْضُ صعْبِ القَوَافِي :: وثَوَى ثَمَّ روض صعب المعاني
وثَوَى ثَمَّ ما يسر المآخي :: وثَوَى ثَمَّ ما يسوء المعانـ"د"
أيها الشامتون مهلا رويدا :: كلكم من ورود المنية دان
ولَئِنْ كان سَارَ عنّا لقَدْ أَبْـقى كِرامًا هُمُ بُدُورُ الزمَان
فَهُمُ إِثْمُدٌ لِعَيْنِ الْمٌصًافِي :: وَقَذًى فِي جُفُونِ ذِي الْأَضْغَانِ

ويقول ممو ولد عبد الحميد الجكني:
أحقا أن ابّاه المفدى :: علت كعبا به بير الكعاب
هنالك غادروا مجدا أثيلا :: وبذلا دونه سح السحاب
وعلما بالفروع إلى أصول :: وعلما بالحديث وبالكتاب
وعلما باختلاف القوم فيها :: وعلما بالمصوّب والصواب
ويكشف عن مخدرة المعاني :: فتبدو وهي واضعة النقاب

ويقول أبومدين ولد الشيخ أحمدو ولد اسليمان:
وقد بان باب العلم عنا وفصله::وكافله بين الورى وكفيله
تولى أخو العلم الغزير وجده :: ووالده المدني له وسليله
وما هو إلا العلم والعلم وصفه :: وما العلم إلا ما تضمن قيله

ويقول محمدن ولد حمديت التندغي اليحيوي:
شجيت وما شجيت على الشباب::وقد ولى، ولا دمن الرباب
فما ذكر المغاني والغواني:: شجاني لا، ولا وخد الركاب
ولكني شجيت لفقد قطب :: بمدفنه علت ذات الكعاب

ويقول محمد عالي بن نعمه المجلسي:
بئر الكعاب علوت اليوم فافتخري :: إذ حل غورك قطب الدرس يحظيه
لسان حالك فيه الدهر منشدة :: ومنشد الشيء قدما مثل منشيه
"أهلا بمقدمه الميمون طالعه :: واليمن والبشر والترحيب لاقيه"
والبيت الأخير من قصيدة للشيخ باب ولد الشيخ سيديا قالها ترحيبا بالعلامة يحظيه لدى نزوله قرب بوتلميت.

وذات زيارة لضريح يحظيه لدى "بدغوغَ" بئر الكعاب رأى اگليگم ضريح شيخة وعليه تِهلي "عريش" منفرد وكان يعهده حيا وعليه مئة عريش من الطلبه فأنشأ:
أقول لدن رأيت عريش شيخي:: ولا تبقى صروفُ الدهر حَيَّا
لئن بُنيَ العريشُ عليك ميتا :: لقد بني العريشُ عليك حيّا

ويقول المصطفى ولد الشيخ أحمدو ولد الشيخ محمدو ولد حبيب الرحمن:
بينما نحن قد انتهينا من أذان المغرب إذ جاءنا نبأ وفاة يحظيه فقال الشيخ أحمدو للمتقدم للإمامة وقد همّ بالإقامة: انتظرني حتى أؤرخ لهذه الداهية العامة فأفملى علينا مرتجلا:
قبيل "شنطس" ببا وشهر :: في يوم الاثنين بوقت الظهر
"اباه" قد سافر نحو القبر :: لهفي على قاري الوفود المقري
أسكنه الله جنانا تجري :: تحتها الأنهار مزاد الأجر
وألبس الله بدور العصر :: أبناءه من سابغات النصر
وبعد فراغه من إملاء الأبيات أمر بإقامة الصلاة.

ويقول العلامة المؤرخ المختار ولد المحبوبي في حوادث عام 1358 هجرية:
وفيه موت العالم النبيه :: بدر الزمان شمسه "يحظيه"
من فاز بالحفظ وبالتحصيل:: وجودة التلقين والتوصيل
والآخذون عنه لا يحصونا:: ومن كرام الناس مصطفونا
كان إمام الأولياء الأكبرا :: لكن بتعليم الورى تسترا

وبعد وفاة يحظه بنحو عام نظم تلميذه النابه ممو ولد عبد الحميد الجكني حياته، يقول العلامة التاه ولد يحظيه: أتانا بها عقب نظمها بيسير فضيلة الشيخ بداه بن البوصيري وقد تلقاها حفظا على ناظمها ممو وقد مر به في بعض مهماته، فأملاها علينا عند بئر يسمى "بادريسيه" من لبيرات وذلك بعد وفاة يحظيه بسنة ونصف.
ومن منظومة ممو هذه:
فشيخنا "يحظيه من جكانا :: والأم والوطن من گنانا
عبد الودود أبه السَّريا :: دعوا، وأمه دعوها "دياّ"
وكان في السخاء لا يبارى :: وكان في الذكاء لا يجارى
كنا نعده من السَّماح :: أجود بالخير من الرياح
من اللباس يلبس اللبيسا :: وغالبا لا يلبس النفيسا
ويكثر الجلوس في التراب :: تواضعا للملك الوهاب
كم فتح الله على بليد :: لديه فتحا ظاهر المزيد
وقد تصدر عليه جَمّ :: مثل أبي وابن فتى وممو
وكمحمد المسمى سالما ::وفي العلوم عدم المزاحما
وكالمحمدين قبل عالي :: معا وكل في العلوم عال
والتاه نجل شيخنا المفدى وأحمد الكمليلي نجل كدا
وكابن عبد الله وابن والد :: وكبني المحبوبِ وابن الزائد
وابن البشير وأبي المعالي :: وكرماء من بني متالي
وابن أبي مدين وأحمد جكنا :: من بالعلوم والعلوّ يعنى
ونجل ابوه العظيم الشان :: والحسنان من بني جكان
محمد نجل محمد النابغة :: بحِكمٍ عنه تولى بالغة
وقد تولى مثله بدّينُ :: عنه بما الله به يدين
وغيرهم من من يضيق الصك :: عنه ويعيى بالعديد الفك
وشيخنا في فقهه المشهور :: متصل السند بالأجهوري
كما أتى في نحوه المصون :: متصل السند بالأشموني
والشاذلية بها كفيل :: له ابن متالي الرضى النبيل
أرسى على ضريحه النسيم :: ولا عداه الأنس والنعيم
والحمد لله على ما من بـهْ :: علىَّ من صحبة ذا الشيخ النبهْ

قال القاضي عبد الله السالم بن يحظيه: لم أستسغ هذه العبارة" أرسى على ضريحه النسيم" وحين زارنا ممو وكان ذلك قبل وفاته بأيام سألته عن هذه العبارة وهل تسوغ وما أصلها؟ فأجاب: نعم، وأخذتها من قول الشاعر:
أرسى النسيم بواديكم ولا برحت :: حوامل المزن في أجداثكم تضع
ولا يزال جنين النبت ترضعه :: على قبوركم الهتانة الهمع

كامل الود

  بين يدي (ماڪال طوبى) كانت السيدة "مريم محمد بُوصٌو" امرأة صالحة، و "تلميذة" للولي الصالح العلامة أحمد للعاقل الديماني،...