الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

 بين يدي (ماڪال طوبى)



كانت السيدة "مريم محمد بُوصٌو" امرأة صالحة، و "تلميذة" للولي الصالح العلامة أحمد للعاقل الديماني، تزوره وتهدي إليه، وذات مرة "زارته" أن يطلب لها الله بأن ترزق بطفل ذكر.
توفي أحمد للعاقل، ودفن في "امبمبَ".
ودار الزمن دورته، ورزقت مريم بوصو طفلا، وسمّته أحمد، فقيل لها من هو أحمد ؟
فقالت أحمد امبمبَ، أي أحمد دفين امبمب، فغلب على الطفل الاسم، أحمد بمبَ.

أبوه، محمد بن حبيب الله، ينحدر من أسرة تكرورية، وقيل من موديات الشرفاء، انحدرت من فوتا، وانقسمت، فذهب جزء إلى جلف، هو سلف الشيخ، وانحدر الآخرون إلى المنتبذ القصي، وهم أهل "مودي نا اللّ".

ولد الشيخ أحمدو بمب، الملقب "بخديم الرسول" سنة 1854م فى مدينة امباكي باوول السينغالية.
لما بلغ سن التعليم، سلّمه أبوه، لخاله محمد محمد بوصو، ثم سلّمه الخال لخاله تفسيرو امباكي اندمب، شقيق جدة الشيخ، وكان يمكث عنده في "امباكي" في الصيف، وفي الخريف يكون في "جلف".
وتوفي تفسيرو وقد بلغ الشبخ "لتجدّن" .. فأكمل على والده، وكانو عند قرية "سالم".
ثم درس العربية على قاضي أمير القرية "مجخت كل"، وكان عالما بارعا في العربية والشعر، وكان يعرض عليه محاولاته الأولى.
وفي قرية "انجانج"، درس على عالم من أولاد ديمان، يسمّى محمد بن محمد الكريم الفاضلي، ويلقّب محمد اليدالي، وأخذ عنه علم البيان وعلم المنطق.
وكان أبوه عالما، وكان يطارحه، ونظم ورقات الإمام السنوسي، "أم البراهين"، وتلقاها والده بالقبول، ثم نظم "الأخضري" و "بداية الهداية" للإمام الغزالي.
وبعد ما تبحّر في كل العلوم، وتضلّع من كل الفنون، وأربى على معاصريه، وبعدما رأى والده ما فيه من العلم والمعرفة، وبعدما تفرّس فيه الولاية والصلاح، ولاّه جلّ أوقات التدريس، وفوّض إليه تعليم بعض الطلبة.

ولما رأى المستعمر الفرنسي رغبة الخلق فيه، وانثيالهم عليه، توجّسوا منه خيفة، فبدأوا يرسلون الجواسيس والعيون، ليكونوا على بيّنة من أمره.

وقد أبلغهم الجواسيس أن الشيخ يدعو للجهاد، وأنه يعد لإنشاء امبراطورية إسلامية، على غرار الشيوخ المتقدمين .. مثل الإمام ناصر الدين، والحاج عمر الفوتي وغيرهما.
وأنه في جمع العدّة والعدد لمهاجمتهم، واستئصال جذورهم .. فتم استدعائه من طرف الفرنسيين.

وبعد ما وصلوا إلى مدينة سان لوي، "اندر"، مركز السلطة ومحل التحكيم، وبعد رفع وخفض وختم وفض، استقر قرارهم على تغريبه، وأجمعوا على نفيه إلى "الجزر الكونغولية".
فلبث الشيخ في المنفى ثماني حجج إلا قليلا، من 1895 إلى 1902م. واضطروا إلى إرجاعه إلى بلاده، ورفعوا الحكم عنه.

إلا أنهم ما لبثو أن حكموا عليه ثانيا بالنفي إلى موريتانيا، فمكث فيها أربع سنوات من م 1903 إلى عام 1907.
ففي يوم الاثنين 19 ربيع الاول 1321 الموافق 15 يونيو 1903 تم استدعاؤه من طرف السلطات الفرنسية إلى "اندر"، فنفي إلى "دگانه"، فتوجه إليها على متن سفينة.
ومكث خمس ليال بدگانه، ثم أرسل الشيخ سيديَ بابَ، مستشاره "شيخُنا ولد داداه"، يطلبه، وقال للفرنسيين إن هذا الشيخ لا يخشى من جهته سوء.
فقالوا: أتضمنه لنا.
فقال: أضمنه.
فسار مع شيخُنا حتى وصلوا إلى بابَ، وهو إذ ذاك مقيم على تخوم إيگيدي.
وكان مخيّم باب لايستقر في مكان واحد، بل يجوب منتجعات الگبلة طلبا للكلأ، وهو أمر لم يعتده الشيخ أحمدو بمب، فشق عليه، فأستأذنهم للرجوع، فأبوا، حرصا على مصاحبته، وللعلة الأولى، وهي وصاة الحكومة.
إلا أن الشيخ صمّم، وهم يعلمون صدقه، فأذنوا له، فباسطهم بالبيت القديم مع تحوير قليل:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا :: ولكن لاخيار مع (الحشيش)
مشيرا لتنسمهم مواطن الكلأ.
وقد لقي الحفاوة من بني ديمان، ومنهم أبناء بيدح عبدالله، وإخوته عند بئر "الصرصارة" وفيهم يقول:
حمدي وشكري لمن كلي به صارا :: له رضى دون سخط عند صرصارا
له ثنائي ورضواني بلا سخط :: مذ قاد لي من بني ديمان أنصارا
لله كلي لدى آبار مكرمة :: منها ارتحلنا وفيها جم من زارا
إن الذين إلى صرصار قد قصدوا :: زيارتي فارقوا دارين أوزارا

وكانت فترته فى المنتبذ القصي ثرية، حيث تواصل مع العلماء والأعيان، فأتاه الناس من كل حدب، ومدحه الشعراء، وتواصل مع علماء بني ديمان، وعلماء إدابلحسن، وأسرة أهل الشيخ سيديا، وعلماء الزوايا.
ومدحه الشيخ سيديّ بابَ بقصائد وقطع، منها قوله ..
الشيخ أحمدُ نعمة أولاها :: هذى الخلائق كلها مولاها
وقوله
إنما الشيخ نعمة أنعم الله بها آية من الآيات

ومدحه العلامة الشاعر محمد الأمين ولد الشيخ المعلوم البصادي، بقوله:
إِليــكَ وإِلا فالنجـائبُ فـي تعـب :: خــديمَ الـذي حلَّـى بحُلّتـه كَعَـب
علـوتَ الـورى كعبـا وحَجّوك كعبةً :: فمـن كـل وادٍ ينسـلون ومـن حدب
فللحج ميقـــاتٌ وحجّــك دائمٌ :: وليـس إلـى شـهري جُمادَى ولا رجب
قطعتُ إليكَ البحر والبحر أنتَ هُو :: وقاطع بحر نحو بحر من العجب
وَجُبتُ من المومات ما اعتيد قطعُه :: ودونـك مومـات النجـائب لم تجب

استحسن الشيخ أحمدو بمبَ الأبيات وقال: سبحان الله، رب رجل بألف، سبحان من ألهمك هذا.
وعندما قال:
قطعتُ إليك البحر والبحر أنتَ هُو :: وقاطع بحر نحو بحر من العجب
قال الشيخ أحمدو بمبَ: وأنت ثالث البحور.

وزاره بابَ ولد حمدي الحاجي، وظل وبات معه في قبة واحدة، وقال باب إنه مكّن الشيخ الزائر من السر، وربما يكون سر الطريقة الشاذلية، لأن بابا بن حمدي كان شاذليا.

ومما يروى، أن زيارة الشيخ أحمدو بمب لبابَ ولد حمدي، كانت في يوم قائظ، فمذق له بابَ لبنا جيدا بماء بارد وسكر، وكان هذا في زمن تضييق الشيخ على نفسه
فقال له: اشرب.
قال: ماكنت أشرب مثل هذا
قال: لماذا ؟ أيضرك من جهة الطب، أم تركته لله مجاهدا لنفسك؟
فقال: نعم، تركته لله.
قال اشرب إذنولم يزل به حتى شرب.
بعد ذلك سئل باب، لِمَ أكرهت الشيخ على الشرب، وماكان يفعل ؟!
قال: لأنه لايريد إلا مخالفة نفسه وإيلامها في الله، حتى صارت تلك عادته، فلم أر شيئا أشد عليه من خرق عادته هذه لله، فعاملته بها، ولكن يبارك له فيها، فإنه يصير بعد أقوى مما كان.

وبعد ذلك بفترة، جاء أحمد ولد باب ولد حمدي إلى الشيخ أحمدو بمب في "انجاريم"، ففرح به الشيخ غاية، وطفق يبالغ في إكرامه، إطعاما وإسقاء ..
فلما وصل من الأشربة إلى "أتاي" .. علم رفيق أحمد، ويدعى "كادي" أنه سيكون أمر جلل، لأن أحمد لايشرب الشاي، ولا يقدر على مخالفة الشيخ، لهيبته، ولحق الضيافة.
فلما همّ الشيخ بمدّ الكأس لأحمد،قال "كادي": إن أحمد لا يشرب "أتاي" ..
فقال الشيخ: يا أحمد، ما بالك؟ أيضرك من جهة الطب، أم تركته لله مجاهدا لنفسك؟
فقال أحمد: نعم تركته لله.
قال: اشرب إذن.
فلما شرب أحمد، ضحك الشيخ، وقال هذه بتلك، فإن والدك فعل بي ما فعلت بك.

وأثناء وجوده مع آل الشيخ سيديا، وجه مهندس التوغل الفرنسي "كزافييه كبولاني" سؤاله المعروف:
عن حكم جهاد المسلمين للنصارى في هذا الزمان هل هو جائز أم لا؟
لأن النصارى لا يتعرضون لهم في دينهم مع قوتهم وضعف المسلمين؟.
وقد أجابه الشيخ باب ولد الشيخ سيدي بما أجابه، وسلم الجواب الشيخ سعد بوه، وقال الشيخ باب حين سلم الشيخ سعد بوه ماكتبه:
إن هذا التسليم يا ناظريه :: أحسن الشيخ فيه سعد أبيه
بان فى نثره الصواب وأما :: نظمه فالبيان قد بان فيه
حاسديه رويدكم قد تعبتم :: قصروا عن مداه يا حاسديه
من يكن من بنى النبي انتسابا :: واتباعا فإنه من بنيه
وانتقاص تشبيه غير شبيه :: فى العلا كلها بغير شبيه

وعرض الشيخان الجواب على الشيخ أحمدو بمب يريدان تسليمه فكتب ما نصه:
"ما كتبه الشيخان متوجه إلي الأولياء والعلماء الذين يكابدون غيرهم، وأما كاتب هذه الحروف جعله الله تعالي باب السعادة والبشارة والمعروف فلم يتوجه إليه شيء من هذا لأنه فرغ من فتن الدنيا والآخرة عام (كسش)، فلولا فراغه من فتن الدنيا والآخرة لأتى بجواب ثالث ولكنه صار ممن قيل فيهم "بل أحياء عند ربهم يرزقون".
كتبه قائله أحمد بن محمد بن حبيب الله عصمه الله تعالي وكان له وتولاه ".

في ليلة المولد 12 ربيع الاول 1325 الموافق 25 ابريل 1907. قرّر الفرنسيون إرجاعه الى وطنه، ونقلوه إلى قرية منعزلة اسمها "جييين"، ومنعوه من مقابلة أكثر من ستة أشخاص يوميا.
ولم ينتهوا منه، بل أقاموه أخيرا إقامة جبرية في مدينة "جربل"، إلى أن أسلم الروح لبارئها سنة 1927.

يقول العلامة المختار ولد المحبوبي اليدالي رحمه الله مؤرخا لوفاته:
وعام (وم) صار نحو القبر :: ذو المكرمات والتقى والصبر
والعلم والحلم والاتباع :: والاطلاع مع طول الباع
عنيتُ أحمد الخديم الأسنى :: نال من الله خصالا حسنى
فُتح من غيب إليه بابُ :: وحُمّلت من مدحه الركاب
وزاره الملوك والقضاة :: ورجعوا ولهمُ مرضاة
كم من جلائلَ له أعطاها :: يحسده حاتمُ لو رآها

كامل الود

الأحد، 2 أغسطس 2026

العلامة النوازلي القاضي محمد بن أواه الأبييري الأعمري



يعد العلامة القاضي محمد بن أواه الأبييري الأعمري من كبار علماء شنقيط في القرن الرابع عشر الهجري، ومن أبرز القضاة والمدرسين الذين جمعوا بين رسوخ العلم، وسعة الرواية، وحسن القضاء، وكثرة التلامذة.

ولد نحو سنة 1314ه/1896م في ضواحي بوتلميت، في بيئة علمية متميزة، ونشأ محبا للعلم، فبدأ طلبه في سن مبكرة.
استهل تعليمه بحفظ القرآن الكريم، فقرأه على خاله همد فال بن ببكر بن محمذن بوبه، ثم أخذ الفقه عن ابن عمه محمود بن ابن عمر.
وبعد ذلك ارتحل بين المحاظر الموريتانية شرقا وغربا، متنقلا بين حلقات العلماء، ينهل من علومهم، حتى جمع الفقه، واللغة، وأصول الفقه، والمنطق، والتفسير، والقضاء، وغيرها من فنون العلم، فغدا من العلماء الربانيين، واشتهر بالتدريس، والإفتاء، والقضاء.

وقد تتلمذ الشيخ محمد بن أواه، على عدد كبير من كبار علماء عصره، من أبرزهم:
همد فال بن ببكر بن محمذن بوبه، وقرأ عليه القرآن الكريم.
محمود بن ابن عمر، وأخذ عنه الفقه.
العلامة المجدد الشيخ سيديباب بن الشيخ سيدي، وقرأ عليه تفسير بعض سور القرآن الكريم، وانتفع به انتفاعا كبيرا.
العلامة يحظيه ولد عبد الودود، وقرأ عليه «الإضاءة» و«لامية الأفعال».
عبد الله العتيق بن ذي الخلال اليعقوبي، الذي أخذ عنه علوم القرآن الكريم، وشعر الجاهليين، وأجازه في اللغة.
العلامة محمد سالم بن المختار بن ألما، وقرأ عليه القواعد الفقهية وغيرها، وكلفه بشرح نظمه «المجتبى في النهي عن الغيبة والربا»، فصنف له شرحا حافلا بالعلوم، أثنى عليه الشيخ أبوبا بن ماهي اليدالي في كتابه «القبس الثاقب في ما لابن ألمّا من المناقب».
العلامة حامدٌ بن محمذن بن محنض بابه، ودرس عليه علم المنطق، ومن ذلك السلم والطيبية وغيرهما.
العلامة الشاعر امحمد بن أحمد يورَه، ودرس عليه علم أصول الفقه، و«جمع الجوامع» لتاج الدين السبكي وغيره، وكان معجبا به لما رأى فيه من علامات النجابة والفتوة.
الشيخ سيد بن التاه بن محمذن بن أحمد بن العاقل الديماني.
الشيخ البشير بن عبد الله بن محمدن فال بن امباريگي بن الفالي اليدمسي، ومكث معه زمنا طويلا.
الشيخ محمذ فال بن محمد مولود، المشهور بالدّدو من أهل المبارك، ولازمه مدة طويلة يدرس عليه الفقه.
الشيخ أواه ولد الطالب إبراهيم التاگاطي، وأقام عنده زمنا طويلا يراجع الفقه ويدرسه ويتدارسه مع غيره.
الشيخ القاضي سيد محمد ولد داداه (الراجل)، الذي أجازه في القضاء على نحو ما في تبصرة ابن فرحون، لأربع ليال بقين من ذي القعدة سنة 1346ه، كما كتب له توكيلا عاما عن جماعة أولاد أبييري في جميع شؤونهم بأرض لبراكنه، وذلك لثلاث بقين من ذي الحجة سنة 1346ه.
الشيخ محمد محمود بن عبد الله بن محمودا، قاضي أولاد بنعمر الحسنيين، وقرأ عليه العاصمية في القضاء، ولامية الزقاق، وأتقن عنده علوم ما يقع بين الخصوم، ثم أجازه في القضاء على نحو ما في تبصرة ابن فرحون، في ثالث ذي الحجة سنة 1346ه.
الشيخ أحمد ولد احمذي، وأكمل عليه تفسير القرآن الكريم.
الشيخ أحمد أبو المعالي بن الشيخ أحمد الحضرمي التاكاطي.
الشيخ سيد بن المختار أم الديماني.
الشيخ إبراهيم بن أمانة الله اللمتوني.
وقد تلقى على هؤلاء العلماء، وغيرهم، مختلف العلوم والفنون، وتبحر على أيديهم حتى صار من كبار العلماء الربانيين، واشتهر بسعة العلم، وقوة الفهم، ورسوخ القدم في الفقه والقضاء.

وممن كانت له علاقة به على حداثة سنه آنذاك، العلامة المجدد الشيخ سيدي باب بن الشيخ سيدي، وهي علاقة وثيقة ومتينة، قامت على التلقي العلمي، والتقدير المتبادل، وحسن الصلة.
وقد قرأ عليه تفسير بعض سور القرآن الكريم، وانتفع بعلمه انتفاعا كبيرا، وظلت هذه العلاقة شاهدة على ما كان يحظى به محمد بن أواه من مكانة عند شيخه.
ولما عاد محمد بن أواه من إحدى رحلاته العلمية التي قادته إلى عدد من مناطق البلاد، سأله الشيخ سيدي باب:
-ماذا تقول فينا الزوايا؟
فأجابه بأن بعض زوايا تلك البلاد يأخذون عليه أربع مسائل:
أولها: قراءته لحرف الضاد بمخرج وصفة يخالفان ما اعتاده أهل البلاد.
وثانيها: أنه يطيل الصلاة، وقد يؤخرها.
وثالثها: أنه لا يساعد في رد من لجأ إلى الفرنسيين من المماليك إلى مواليهم.
ورابعها: أنه هو الذي جاء بالنصارى إلى هذه البلاد.

فقال الشيخ سيدي باب:
«أما أنت فسأجيبك. أما الأولى، فقد رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وأخبرني أن الضاد التي يقرأ بها أهل هذه البلاد ليست فصيحة، غير أني لم أعتمد على المرائي، فبحثت في المصادر والمراجع حتى تبين لي عدم فصاحتها، ثم بقيت أنتظر الرواية حتى شافهني بها أخي وصديقي محمد فال بن بابه.»
ثم قال في أحد كتبه في هذا الموضوع:
«وأما الرواية التي وعِد بها قبل، فهي ما شافهنا به أخونا الأديب العالم الثقة المحقق التقي الشيخ محمد فال بن بابه بن أحمد بيبه العلوي، حفظه الله وجزاه خيرا.»
ثم قال في شأن المماليك:
«أما المماليك، فلم أسع في ردهم؛ لأنهم لم يهربوا من مواطنهم وأهليهم إلا عن سوء معاملة ظاهرة عليهم.»
وقال في مسألة تأخير الصلاة:
«إني أشرع أول الوقت في التهيؤ لها، (وأنتم في صلاة ما انتظرتموها)، غير أني بطيء التهيؤ، كما أني أرى وجوب إقامة الأركان والتلاوة على حالهما، وأن التخفيف المأمور به أمر نسبي، بعيد عما شاع اليوم من الصلاة المفرطة في السرعة.»

ثم أجاب عن الرابعة بقوله:
«وأما دخول الفرنسيين، فلن يكون بي من التوفيق والحظ ما يجعلني أنا السبب في مجيئهم إلى هؤلاء المسلمين المغلوبين، المضطهدين، المعتدى عليهم يوميا في دينهم، وأنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم.» ثم قال بالحسانية: «ما نلحگه من متن العگد.»
وأضاف الشيخ سيدي باب موضحا موقفه:
«وكنت دوما أدعو الله سبحانه وتعالى أن يفرج عنا وعن المسلمين بلاء السيبة المزمن، ولو بمجيء أمة أخرى تبسط سلطانها على هذه الديار، لكني لم أدع الله أن تكون تلك الأمة مسلمة؛ لأن ذلك تقدير سابق من الله سبحانه، إذ لم تكن في ذلك الوقت قوة إسلامية قادرة على إنهاء السيبة في هذه الربوع.»

وتعد هذه المحاورة من أهم النصوص التي تكشف منهج الشيخ سيدي باب في الاجتهاد، كما تدل بوضوح على المكانة العلمية التي كان يحتلها محمد بن أواه عند شيخه، إذ ائتمنه على نقل ما كان يثار حوله من مآخذ، وحاوره فيها بكل صراحة ووضوح.

وأدرك شيوخه نبوغه منذ وقت مبكر، وأثنوا عليه بما يدل على عظيم رجائهم فيه، فقد أعجب العلامة الشاعر امحمد بن أحمد يوره بذكائه ونجابته منذ أول قدومه إليه، واستقبله بقوله:
يا مرحبا بالكامل بن الكامل :: والفاضل ابن الفاضل ابن الفاضل
من أصل جذع العلم دأب نجاره :: نقل العلوم ناقلا عن ناقل
وكفاك تبيينا لصدق مقالتي :: لم يتركن في العلم قولة قائل

فأجابه محمد بن أواه بقوله:
ما في الورى شبه لآل العاقل :: والحق يظهر للبيب العاقل
نقل المكارم صح عن أسلافهم :: نقلوا المكارم ناقلا عن ناقل
ولنا بهم جاد الزمان ولم يجد :: يوما كجودته بآل العاقل

ولما غادر محمد بن أواه شيخه في إجازة، استبطأ عودته، وكان لوحه يومئذ في «المطلق والمقيد»، فبعث إليه امحمد بن أحمد يوره هذين البيتين معبرا عن شوقه إليه:
تجلدت والمحبوب دلى بي اليدا :: وما عادة المشتاق أن يتجلدا
وقيدت دمعي ثم أطلقت بعضه :: فأنشأ يجري (مطلقا ومقيدا)
والمطلق: عرّفه الإمام تاج الدين السبكي بأنه اللفظ «الدال على الماهية بلا قيد» (أي الحقيقة الشائعة في جنسها من غير تعيين وحدود).
والمقيد: هو اللفظ الدال على ماهية معينة «بصفة زائدة» تقيد إطلاقها وتخرجها عن الشيوع إلى التعيين أو التخصيص.

وقد اشتهر هذان البيتان بين الرواة والفنانين، وظن كثير من الناس أنهما من شعر الغزل، بينما حقيقتهما أنهما قيلا شوقا إلى التلميذ النجيب محمد بن أواه.

وقد تخرج على يدي العلامة القاضي محمد بن أواه عدد كبير من العلماء والقضاة والفقهاء، فكان من كبار شيوخ العلم في عصره، وانتفع به طلاب المحاظر، ورواد معهد أبي تلميت الذي كان من العلماء البارزين الذين تولوا التدريس فيه.
ومن أشهر من درس عليه و أخذ عنه:
الطيب بن بلال ادگجملي.
محمد بن ابنُ ولد احميدن الشقروي.
محمد لحوار ولد آبك ادوبرم الأبييري.
محمد زين بن المزادف.
محمد المختار ولد محمذن ادوبرم الأبييري.
أبو المعالي ولد الشيخ محمد.
يسلم بن عثمان.

كما تخرج على يده عدد كبير من العلماء والفقهاء والقضاة الذين يطول ذكرهم،
وانتشر علمه عن طريق محظرته، وعن طريق تدريسه في معهد أبي تلميت، فكان أحد أعمدة التعليم الشرعي في زمانه.

وتدل الرسائل والوثائق المتبادلة بين العلامة محمد بن أواه وشيوخه ومعاصريه على علو مكانته، وعمق الثقة التي كان يحظى بها عند أهل العلم والقضاء.
فقد كتب إليه الشيخ محمد سالم بن ألما رسالة جعل فيها جميع ما يقبل النيابة من شؤون اليداليين بيده، ووصفه فيها بالأخ الصالح، بل بالابن البار، وهو تفويض يكشف عن عظيم ثقته به، ورفيع منزلته عنده.

وكان صديقا حميما للشيخ عبد الله ولد الشيخ سيدي باب، و‌وقف ‌مع أهل الشيخ سيديا موقف النصير المخلص، الذي يؤمن بصدق المحبة للعائلة والمساندة الأخوية لها، بل كان من بين أولئك القلائل الذين قدموا الغالي والنفيس من أجل أن تبقى العلاقات قوية ومتينة، والروابط قائمة ومستمرة.

كما كتب إليه الشيخ عبد الله بن الشيخ سيدي وصية عظيمة وصفه فيها بأنه:
«قاضي العشيرة، والعالم العامل، والساعي في مصالح الناس، وأهل للإكرام».
وكان تاريخ هذه الوصية 14 مارس 1954م.

وكتب له إسماعيل بن الشيخ سيدي: "إنه نائب عنا في كل شيء بيننا وبين من لم يمكنه لقاؤنا من الناس في كلام مفيد غاية.
يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب عام 1371هـ.

وكتب له الشيخ إسماعيل بن الشيخ سيدي يوم الأحد ثامن رجب عام 1373هـ الموافق 13ــ 04 ــ 1954م: أنه هو أكبر معين في جميع ما يقع بين أولاد ابيير وغيرهم من الخصومات في كلام جزل في وصية به مهمة.

كما كتب إليه عدد من القضاة والزعماء وثائق تفويض وتحكيم في الخصومات، اعترافا بعلمه وعدله ورجاحة نظره، ومن هؤلاء:
فالعلامة القاضي سيد محمد ولد داداه (الراجل)، أجازه في القضاء على نحو ما في تبصرة ابن فرحون لأربع ليال بقين من ذي القعدة سنة 1346ه.
كما كتب له توكيل جماعة أولاد أبييري عموما وخصوصا على جميع أمورها في أرض لبراكنه، وذلك لثلاث بقين من ذي الحجة سنة 1346ه.
كما كتب له كذلك أنه يفوضه في قطع النزاع بين من أتاه من مطلق الأبييرية ومن تعلق بها، وأن من رضي بحكمه لزمه قبوله، ولا يجوز له تعقبه أو مخالفته.

أما العلامة لمهاب بن الطالب اميجن، قاضي لبراكنه في ألاگ، والزعيم إهميمد بن سيد أحمد بن ببكر، رئيس أولاد أحمد، فقد أذنا له في فصل الخصومات في ناحيتهم إذا رضي بذلك أهل النزاع، وكتبا ذلك لتسع خلون من جمادى الآخرة سنة 1373ه الموافق 25 فبراير 1954م.

ومن أنفس الوثائق وأرفعها قدرا وصية الشيخ الجليل محمد سالم بن ألما لتلميذه محمد بن أواه، فهي وثيقة تجسد عمق العلاقة التي جمعتهما، وعظيم الثقة التي أولاها له شيخه.
فهي ليست مجرد إذن أو تفويض، وإنما هي تزكية رفيعة، وشهادة عدل من إمام عرف بالعلم والزهد والورع، وبالتحري في الرجال، فلا يمنح ثقته إلا لمن رأى فيه أهلية واستحقاقا.
ومما يدل على مكانة محمد بن أواه عند شيخه أن الشيخ محمد سالم بن ألما كلفه بشرح نظمه «المجتبى في النهي عن الغيبة والربا»، فشرحه شرحا وافيا، حتى قال عنه الشيخ أبّوبا بن ماه اليدالي في كتابه «القبس الثاقب في ما لابن ألمّا من المناقب»: «إنه شرح حافل بالعلوم».

وبلغ الشيخ محمد بن أواه في العلم منزلة كبيرة، واشتهر بين معاصريه بالتميز في الفقه والقضاء والإفتاء والنواازل، حتى لقب بعالم النوازل، لما عرف به من دقة النظر، وسعة الفهم، ورجاحة العقل.
وقد شهد له بذلك كبار العلماء والقضاة في عصره، ومنهم:
القاضي إسماعيل بن الشيخ سيدي.
القاضي محمذ بن محمد فال الأدهسي.
وغيرهما من أهل العلم والقضاء.

وكان معاصروه يرجعون إليه في حل النزاعات القضائية الصعبة، والنوازل الفقهية التي تحتاج إلى عمق في النظر وقوة في الترجيح.
وقال عنه هارون ولد الشيخ سيدي:
«نجح في معرفة القضاء وفي معرفة القواعد نجاحا باهرا، وفتح له في صناعة القضاء فتحا عظيما، وتيسر له فصل الخصوم تيسرا خارجا عن المعتاد.»

ترك العلامة القاضي محمد بن أواه آثارا علمية متعددة، تشهد بسعة علمه، وقوة نظره، وتمكنه في الفقه والقضاء واللغة، كما ترك مراسلات علمية ووثائق قضائية وإجازات علمية تكشف عن مكانته بين علماء عصره.
ومن أبرز آثاره:
«سراج الاعتذار عن السير في ظلام الاغترار».
شرحه لنظم شيخه العلامة محمد سالم بن المختار بن ألما، المسمى «المجتبى في النهي عن الغيبة والربا»، وهو من أشهر آثاره.
فتاوى كثيرة في النوازل الفقهية.
رسالة في القضاء.
كتاب في إحياء الموات.
أحكام قضائية متعددة.
كتاب في الاستلحاق.
أنظام في كثير من المسائل الفقهية.
كما خلف عددا من المراسلات العلمية، والوثائق القضائية، والإجازات، وهي كلها شواهد على غزارة علمه، وقوة شخصيته العلمية، وعلو منزلته بين علماء شنقيط.
وكانت له عناية خاصة بالقضاء والنوازل، حتى أصبح مرجعا في المسائل المشكلة.

كان العلامة محمد بن أواه وفيا لشيوخه وأهل العلم الذين أخذ عنهم، ومن مظاهر ذلك تعزيته المؤثرة في وفاة الشيخ أحمد أبي المعالي، فقد كان صديقه وشيخه ومن خاصته، وجمعت بينهما أواصر المحبة والعلم والوفاء.

كما بلغ محمد بن أواه مكانة رفيعة بين علماء عصره، فكان من أولئك الذين جمعوا بين العلم والعمل، وبين التدريس والقضاء، وبين التحقيق الفقهي وحسن تنزيل الأحكام على الوقائع.
وقد شهد له معاصروه بالبراعة في الفقه، والتمكن من القضاء، والقدرة على الفصل بين الخصوم.
كما كان عالما مربيا، وقاضيا عادلا، ومدرسا متمكنا، ترك وراءه جيلا من العلماء والفقهاء الذين حملوا علمه ونشروه، وبقيت آثاره ووثائقه شاهدة على حضوره العلمي المتميز.

توفي العلامة القاضي محمد بن أواه رحمه الله تعالى ليلة الأحد، 23 شعبان 1403ه، الموافق 04 يونيو 1983م.
فرحم الله العلامة القاضي محمد بن أواه الأبييري الأعمري، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء، وجعل ما خلفه من علم وقضاء وتربية وتعليم في ميزان حسناته.
رحم الله السلف الصالح، وبارك في الخلف.

كامل الود

أحمد ولد سيدي فال من أعيان مدينة لكصر أحمد ولد سيدي فال، فارس من أولاد عمني، وبطل ظامتْ (اصرند) بلا منازع. وفي أولاد عمني سبعة رجال يعرفون ب...