الخميس، 23 يوليو 2026

الربابيات أو (العِـگّـرْ) قصيدتان من أشهر قصائد فن "النقائض" وأكثرها إمتاعا وثراء، وهما بين عالمين علَمين من أعلام أهل هذه البلاد هما: الشيخ محمد عبدالله ولد أحمذيَه، والشيخ محمدو حامد ولد آلّا، تداولاهما يوم كانا في عز الشباب. وكان باعث مشاعرتهما، مشاعرة بين محمدو حامد ولد آلّا، وابن عمه حبيب الله ولد المصطفى الأعمرآشي، ذلك أن محمدو حامد، ذكر له حبيب الله في مكان أثير لديه، فقال: رأيتك يافتية كل آتٍ :: أرادكِ بالكلام تكلّميه كلامك يافُتيّة نظم در :: فأنى بالفخار تُفصليه كلامك يافتية رأس مال :: فأنى للأراذل تمنحيه أمرتك يافتية أمر خير :: بمعروفٍ ورشدٍ فافعليه فإن لم تسمعي بيتًا لماضٍ :: من العرب القديمة فاسمعيه (إذا وقع الذباب على طعام :: رفعت يدي ونفسي تشتهيه) فقامت بينهما مشاعرة، وفي شجون مطارحاتها، ذكر حبيب الله، أحد أجداد محمدو حامد ويدعى "إميجن" وأشار لانتشار هذا الاسم واقتصار تداوله على فئة الموالي (رغم أن ليس في حمولته الدلالية ما يوجهه لهذا الاستخدام؛ فتعني إميجن بالصنهاجية "الرسول") فقال من قصيدة له: ....ما تَسَمَّى "إميجنا" غير مولى.. فرد عليه ابن آلا ردا جاء فيه: جعل ابن الإماء جديَ مولى :: فرماني بدائه وتولى وتواصلت المشاعرة بينهما على هذا المنوال... ثم إن حبيب الله، التقى بمحمد عبدالله ولد أحمذيَه اليوسفي وهم أخواله، فسأله عن أخباره مع صاحبه، وعن آخر ما وصلت إليه المشاعرة بينهما؟ وكانت مشاعرتهما حينها، حديث الشباب من أترابهما، فقال له: كنت أقول ويقول، إلا أنه جاءني بشيء لم أكن أتوقعه ولا أحسب له حسابا فقد عيرني بأمهاتي منكم وأنشده البيت: جعل ابن الإماء... فقال له محمد عبد الله: وما أدراك أنه يقصد أمهاتك منا؟ فقال له: لأن ليس لي أمٌّ إلا منكم، أو أمهاتي الأعمراشيات وهن بنات عمه وما كان ليُعرّض بهن. فحينئذ دبت الحمية في نفس ولد أحمذيه وقال يعاتب ابن آلا قصيدته التي مطلعها: مَغنَى الرَّباب مُرِب جَوْن ربَابه :: أودَى به من بَعد بُعْد رَبابه وبعث بها إليه، فصادفته قد توجه إلى محظرة القاضي الشيخ محمذن فال ولد أحمدُّ فال(يَحيانَّه) التندغي الحِلِّي ليدرس عليه العلوم المُتمات. فأخذتها والدته ميمونه بنت العلامة حامد بن آمزغزن المرأة القوية المطاعة في أحياء جيرانها من الحسنيين، وعممت عليهم طلبا وأمرا بأن لا يبلغوه خبر القصيدة، فهي لا تريده أن يشتغل بجوابها عما ذهب لأجله من التحصيل. فلم يجرؤ أيٌّ منهم على إبلاغه لمكانتها الاجتماعية والدينية. ثم لما كان بعد نحو سنة عاد ابن آلا من المحظرة فعلم بخبر القصيدة ووجد نصها عند والدته، فأجاب في البحر والروي بقصيدته: ربع الرباب بواسِطِ الْألوا به :: آىٌ تكَوّن بعدما ألوى به وهي ثانية العاقرين. فلما تناهى أمرها إلى الشيخ الأكبر الشيخ محمدو بن أحمذيه أرسل إلى ابنه محمد عبد الله وقال له: لقد بلغني تدخلك بين ابن آلا وابن عمه ابن المصطفى الأعمراشيين، وما كان يحسن بك أن تتدخل بين ابني عمومة، وإني أنهاك عن الاستمرار في ذلك وآمُرُك أمرا صارما أن تنفض يديك وتغسلهما من جميع ما بين محمدو حامد ولد آلا وابن عمه حبيب الله ولد المصطفى. فلم يكن للشيخ محمد عبد الله بُدٌّ من طاعة والده، وقد تحسر لمنعه له من الجواب؛ فمكث شهورا دنفا طريح الفراش هما وغما وكمدا. وهذا نص القصيدتين: قصيدة الشيخ محمد عبد الله ولد أحمذيه: مَغنَى الرَّباب مُرِب جَوْن ربَابه :: أودَى به من بَعد بُعْد رَبابه قضَت الروائح والرياح رواحها :: وغدوها لجديده بذهابه ولرَسْمه صرْفُ الزمانِ بصرفه :: نحو البِلَى بذَهابه وإيّابه فتنَكّرتْ أعلامُه وتغيَّرتْ :: منه الرُّبا من بَعدما أربابه لا زال يألَفُه الغمام بمُسبِلٍ :: جَوْن الرباب مُلِثِّه مِرْبَابه تبدو عقائقُه كأنَّ وميضَها :: نَوْءُ المَهيض يَنوء في تَعْتابه إن يستَحلْ مَغنَى الرباب مَآلفاً :: لظِبائه ولهُوجِه وسَحابه فلكَم سُقيتُ بربعه دهر الصِّبا :: خمرَ الصِّبا ورَفَلتُ في أثْوابه أيامَ أهتَصرُ الغُصونَ من الهوى :: دانِي المَقاطِف جَانيًا للُبَابه أختالُ في حُلَل الشباب مظاهراً :: لبُرودِه وأجُرُّ من هُدَّابه ألهُو بأترابٍ أوَانسَ خُرَّدٍ :: وغطارفٍ من غِيدِه وشبابِه لا أختَشي مَضَضَ الصُّدود ولا النَّوى :: يرتاعُ روعِي من نَعِيب غُرابه والوصلُ دانٍ والزمانُ مُسَالمٌ :: ما إن يُخالطُ عَذْبُه بعَذَابه تلك المنازلُ لا يماثلها سوى :: قربِ الهُمَام أخِي المقام النّابِه غـوثِ الأنام إذا الأنامُ أصابهمْ :: عضُّ الزمان بظُفره وبنَابِه مَن عمّ وابلُ جُوده كلَّ الورى :: ممّن نآهُ ومَن أقام ببابه من لا تزالُ يمينُه كَهْفاً لدى :: كفِّ العِدا عمّن أوَى بجَنابه أو راحة لغِنَى العَديم متاحة :: مَهما العديم أوَى إلى أطنابه ترِبت إذا ترِب العُفاةُ وأترَبوا :: من فَيضِ يُمناهُ لدى إِتْرابه إن العفاةَ سُعاةُ ما في كفِّه :: والآنُ حولٌ كاملٌ لنِصابه فلو ابتَغى مما حوتْه يمينُه :: وَفراً يَدومُ لكان من طُلّابه هذا ومَدحُك لا يَفِي قلمٌ به :: يُلْقي مُجَاجَته ببطن كتابه يا خير مَن عَسَف العِتاق به المَلا :: خُوصًا ومَن حُطَّ الرِّحالُ ببابِه لا زلتَ مَنجىً للمُضَاف وملجَأً :: للمُعتَفي ومَناخَ خُوصِ رِكابه ما كان ضرَّكَ لو ثَنيتَ شَبَا الهِجا :: عنّا إلى مَن أمَّكُمْ بسِبابه أمثالُكمْ تأبَى السِّبابَ تكرُّماً :: لا سيما إن يخْلُ مِن أسبابه إنّا إذا أهْدى الكَريمُ لنا الثَّنَا :: خُضْنا به في الشعر لُجَّ عُبابِه وإذا الكريم بسَبِّه قد رامَنا :: فحُلُومُنا فَلَّالَةٌ لذُبَابه والبَدءُ منا إن رماهُ أخُو الهِجا :: بهِجاهُ كان الحِلْمُ ردَّ جَوابه فيصُون منطقه البليغ عن الأذى :: عند الأذى ولعلّه أدرى به فالْزَم هِجاءكَ أو فدَعهُ فإنما :: يَغدُو الهِجا شُؤمًا على أرْبابه ثم الصلاة مع السّلامِ لحِبِّه :: خيرِ الأنام وآلِه وصِحِابه قصيدة الشيخ محمدو حامد ولد آلا: ربع الرباب بواسِطِ الْألوا به :: آىٌ تًكَوّن بعد ما ألوى به آيٌ بها نَسخ الهوى بقُلوبنا :: وحيَ العَذول بنُصحِه وعِتابه ربْعٌ به صَعب الهوى من بعد ما :: كانت مَلاعبُه لرَوْض صِعابه وبه الفتى شرب الهوى من بعدما :: أمسى مَعينُ الوصل فضْلَ شَرابه خُضْنا به بحْرَ الهوى وخَدَتْ بنا :: نُجْبُ المُنَى بهِضابه وشِعابه بَينا نخوضُ بحورَه بسباحةٍ :: ونجُول بين رياضه برِكَابه مُتَرَفِّهينَ على أرائكِ لهوِه :: متَغمدين من الصِّبا بقِبَابه إذ بالنّوى نَعِب الغرابُ وإن رَغا :: جمَلٌ أجاب رُغاءَه بنُعَابه جعلوا العتاقَ على العِتاق وخدّروا :: كلّ الهَوادج من عَتاق ثِيابه فمَضَوا وغُودِر في الديار أخُو الهوى :: حَيرانَ مُشتَكِياً أليمَ مُصَابه فدَعِ الصَّبابَةَ والهوى أسَفاً على :: رَبعٍ تقادمَ عهدُه بشَبابه واذكُر قِلَادةَ جوهَرٍ منظُومَةً :: مِن غَوْص سيد عَصره ولُبَابه نظّام جوهرَةِ البيان يُمدُه :: بحْرانِ يأخُذ كلَّ ما قَذَفا به فسَما وظاهر في المكارم وارتَدى :: للمجد جِلْبابًا على جِلبابه قاد الندى بعِنانه فذَهابه :: بذَهابه وإيَابُه بإيَابه حتّى إذا استولَى على شَأو العُلَى :: وغدا مناطَ النجم من أترابه كشَفَ النقابَ عن المَناقِب فارْتَمت :: غرُّ العَجائب عند كَشف نِقَابه ألْقَى علىّ من المَديح بَراقِعًا :: مَتبُوعَةً بالسَّبِّ في أعْقابه مَنٌّ تعَقّبَه الحِساب ولَيتَه :: مَنٌّ أتى بعد انقِضاء حسابه وإذا رَآه أخُو اللُّوَاح لِظَنّه :: ماءً أراقَ شَرابَه لسَرابه ويكاد يَذهبُ بانبِعاث عِذابه :: في قلْب سامِعِه انتظارُ عَذابِه لكِنْ أذاه يَسُرُّنِي إذ في الأَذى :: قِدماً سُرورُ المَرْء مِن أحبابه أطْرَى وأطنَبَ في امتِداح ندِيِّه :: حِلماً وضَمّ الشعرَ في إطنابه أنى وتزكيَةُ الكريم لنَفسه :: دلّتْ مطابقَةً على إغضَابه أما التفاضل في الدراية ما ادّعى:: من كون ذاك الفضل في أحْسابه فصَوابُه لغْوٌ لدىّ لعلّه :: خبر أتى بالسّلْب معْ إيجابه يا راحِماً شكْوى المُضاف بُعيْد ما :: جلّت وضاق بِه الفَضا برُحابه فجعَلْتَ تُلزمُنى هِجاكَ مَسبّة :: كَيْمَا يَراك الخصمُ من أحزابه من غير نَظمٍ سابق من مُقتضِي :: ذمٍّ ولا مَدحٍ ولا مُتشابه ألزَمتمُ صَوغ الهجاء لمَن يرى :: صَوغَ الهِجا أقصَى مَراتِب عابه لكن يُرى بالطبع دون تَطَبُّعٍ :: خُلُق الحَليمِ بفعْله وجَوابِه هذا وجارحَة الأديبِ مصُونَةٌ :: عما يُفيد النّقصَ في آدابِه أحسنتَ حلمَك بالخِطاب وإنما :: حِلْم الفتى بالصّمْت لا بخطابه فالنطقُ أشأمُ ما يَسود به الفتى :: والصّمت أكْيَسُ للفتى بقِرابه وصلاةُ ربى دائمًا تترى على :: خيرِ الأنام وآلِه وصحابه كامل الود

 الربابيات أو (العِـگّـرْ)





قصيدتان من أشهر قصائد فن "النقائض" وأكثرها إمتاعا وثراء، وهما بين عالمين علَمين من أعلام أهل هذه البلاد هما:
الشيخ محمد عبدالله ولد أحمذيَه، والشيخ محمدو حامد ولد آلّا، تداولاهما يوم كانا في عز الشباب.

وكان باعث مشاعرتهما، مشاعرة بين محمدو حامد ولد آلّا، وابن عمه حبيب الله ولد المصطفى الأعمرآشي، ذلك أن محمدو حامد، ذكر له حبيب الله في مكان أثير لديه، فقال:
رأيتك يافتية كل آتٍ :: أرادكِ بالكلام تكلّميه
كلامك يافُتيّة نظم در :: فأنى بالفخار تُفصليه
كلامك يافتية رأس مال :: فأنى للأراذل تمنحيه
أمرتك يافتية أمر خير :: بمعروفٍ ورشدٍ فافعليه
فإن لم تسمعي بيتًا لماضٍ :: من العرب القديمة فاسمعيه
(إذا وقع الذباب على طعام :: رفعت يدي ونفسي تشتهيه)

فقامت بينهما مشاعرة، وفي شجون مطارحاتها، ذكر حبيب الله، أحد أجداد محمدو حامد ويدعى "إميجن" وأشار لانتشار هذا الاسم واقتصار تداوله على فئة الموالي (رغم أن ليس في حمولته الدلالية ما يوجهه لهذا الاستخدام؛ فتعني إميجن بالصنهاجية "الرسول") فقال من قصيدة له:
....ما تَسَمَّى "إميجنا" غير مولى..
فرد عليه ابن آلا ردا جاء فيه:
جعل ابن الإماء جديَ مولى :: فرماني بدائه وتولى

وتواصلت المشاعرة بينهما على هذا المنوال...
ثم إن حبيب الله، التقى بمحمد عبدالله ولد أحمذيَه اليوسفي وهم أخواله، فسأله عن أخباره مع صاحبه، وعن آخر ما وصلت إليه المشاعرة بينهما؟
وكانت مشاعرتهما حينها، حديث الشباب من أترابهما، فقال له: كنت أقول ويقول، إلا أنه جاءني بشيء لم أكن أتوقعه ولا أحسب له حسابا فقد عيرني بأمهاتي منكم وأنشده البيت: جعل ابن الإماء...
فقال له محمد عبد الله: وما أدراك أنه يقصد أمهاتك منا؟
فقال له: لأن ليس لي أمٌّ إلا منكم، أو أمهاتي الأعمراشيات وهن بنات عمه وما كان ليُعرّض بهن.
فحينئذ دبت الحمية في نفس ولد أحمذيه وقال يعاتب ابن آلا قصيدته التي مطلعها:
مَغنَى الرَّباب مُرِب جَوْن ربَابه :: أودَى به من بَعد بُعْد رَبابه
وبعث بها إليه، فصادفته قد توجه إلى محظرة القاضي الشيخ محمذن فال ولد أحمدُّ فال(يَحيانَّه) التندغي الحِلِّي ليدرس عليه العلوم المُتمات.
فأخذتها والدته ميمونه بنت العلامة حامد بن آمزغزن المرأة القوية المطاعة في أحياء جيرانها من الحسنيين، وعممت عليهم طلبا وأمرا بأن لا يبلغوه خبر القصيدة، فهي لا تريده أن يشتغل بجوابها عما ذهب لأجله من التحصيل.
فلم يجرؤ أيٌّ منهم على إبلاغه لمكانتها الاجتماعية والدينية.
ثم لما كان بعد نحو سنة عاد ابن آلا من المحظرة فعلم بخبر القصيدة ووجد نصها عند والدته، فأجاب في البحر والروي بقصيدته:
ربع الرباب بواسِطِ الْألوا به :: آىٌ تكَوّن بعدما ألوى به
وهي ثانية العاقرين.

فلما تناهى أمرها إلى الشيخ الأكبر الشيخ محمدو بن أحمذيه أرسل إلى ابنه محمد عبد الله وقال له: لقد بلغني تدخلك بين ابن آلا وابن عمه ابن المصطفى الأعمراشيين، وما كان يحسن بك أن تتدخل بين ابني عمومة، وإني أنهاك عن الاستمرار في ذلك وآمُرُك أمرا صارما أن تنفض يديك وتغسلهما من جميع ما بين محمدو حامد ولد آلا وابن عمه حبيب الله ولد المصطفى.
فلم يكن للشيخ محمد عبد الله بُدٌّ من طاعة والده، وقد تحسر لمنعه له من الجواب؛ فمكث شهورا دنفا طريح الفراش هما وغما وكمدا.

وهذا نص القصيدتين:
قصيدة الشيخ محمد عبد الله ولد أحمذيه:
مَغنَى الرَّباب مُرِب جَوْن ربَابه :: أودَى به من بَعد بُعْد رَبابه
قضَت الروائح والرياح رواحها :: وغدوها لجديده بذهابه
ولرَسْمه صرْفُ الزمانِ بصرفه :: نحو البِلَى بذَهابه وإيّابه
فتنَكّرتْ أعلامُه وتغيَّرتْ :: منه الرُّبا من بَعدما أربابه
لا زال يألَفُه الغمام بمُسبِلٍ :: جَوْن الرباب مُلِثِّه مِرْبَابه
تبدو عقائقُه كأنَّ وميضَها :: نَوْءُ المَهيض يَنوء في تَعْتابه
إن يستَحلْ مَغنَى الرباب مَآلفاً :: لظِبائه ولهُوجِه وسَحابه
فلكَم سُقيتُ بربعه دهر الصِّبا :: خمرَ الصِّبا ورَفَلتُ في أثْوابه
أيامَ أهتَصرُ الغُصونَ من الهوى :: دانِي المَقاطِف جَانيًا للُبَابه
أختالُ في حُلَل الشباب مظاهراً :: لبُرودِه وأجُرُّ من هُدَّابه
ألهُو بأترابٍ أوَانسَ خُرَّدٍ :: وغطارفٍ من غِيدِه وشبابِه
لا أختَشي مَضَضَ الصُّدود ولا النَّوى :: يرتاعُ روعِي من نَعِيب غُرابه
والوصلُ دانٍ والزمانُ مُسَالمٌ :: ما إن يُخالطُ عَذْبُه بعَذَابه
تلك المنازلُ لا يماثلها سوى :: قربِ الهُمَام أخِي المقام النّابِه
غـوثِ الأنام إذا الأنامُ أصابهمْ :: عضُّ الزمان بظُفره وبنَابِه
مَن عمّ وابلُ جُوده كلَّ الورى :: ممّن نآهُ ومَن أقام ببابه
من لا تزالُ يمينُه كَهْفاً لدى :: كفِّ العِدا عمّن أوَى بجَنابه
أو راحة لغِنَى العَديم متاحة :: مَهما العديم أوَى إلى أطنابه
ترِبت إذا ترِب العُفاةُ وأترَبوا :: من فَيضِ يُمناهُ لدى إِتْرابه
إن العفاةَ سُعاةُ ما في كفِّه :: والآنُ حولٌ كاملٌ لنِصابه
فلو ابتَغى مما حوتْه يمينُه :: وَفراً يَدومُ لكان من طُلّابه
هذا ومَدحُك لا يَفِي قلمٌ به :: يُلْقي مُجَاجَته ببطن كتابه
يا خير مَن عَسَف العِتاق به المَلا :: خُوصًا ومَن حُطَّ الرِّحالُ ببابِه
لا زلتَ مَنجىً للمُضَاف وملجَأً :: للمُعتَفي ومَناخَ خُوصِ رِكابه
ما كان ضرَّكَ لو ثَنيتَ شَبَا الهِجا :: عنّا إلى مَن أمَّكُمْ بسِبابه
أمثالُكمْ تأبَى السِّبابَ تكرُّماً :: لا سيما إن يخْلُ مِن أسبابه
إنّا إذا أهْدى الكَريمُ لنا الثَّنَا :: خُضْنا به في الشعر لُجَّ عُبابِه
وإذا الكريم بسَبِّه قد رامَنا :: فحُلُومُنا فَلَّالَةٌ لذُبَابه
والبَدءُ منا إن رماهُ أخُو الهِجا :: بهِجاهُ كان الحِلْمُ ردَّ جَوابه
فيصُون منطقه البليغ عن الأذى :: عند الأذى ولعلّه أدرى به
فالْزَم هِجاءكَ أو فدَعهُ فإنما :: يَغدُو الهِجا شُؤمًا على أرْبابه
ثم الصلاة مع السّلامِ لحِبِّه :: خيرِ الأنام وآلِه وصِحِابه

قصيدة الشيخ محمدو حامد ولد آلا:
ربع الرباب بواسِطِ الْألوا به :: آىٌ تًكَوّن بعد ما ألوى به
آيٌ بها نَسخ الهوى بقُلوبنا :: وحيَ العَذول بنُصحِه وعِتابه
ربْعٌ به صَعب الهوى من بعد ما :: كانت مَلاعبُه لرَوْض صِعابه
وبه الفتى شرب الهوى من بعدما :: أمسى مَعينُ الوصل فضْلَ شَرابه
خُضْنا به بحْرَ الهوى وخَدَتْ بنا :: نُجْبُ المُنَى بهِضابه وشِعابه
بَينا نخوضُ بحورَه بسباحةٍ :: ونجُول بين رياضه برِكَابه
مُتَرَفِّهينَ على أرائكِ لهوِه :: متَغمدين من الصِّبا بقِبَابه
إذ بالنّوى نَعِب الغرابُ وإن رَغا :: جمَلٌ أجاب رُغاءَه بنُعَابه
جعلوا العتاقَ على العِتاق وخدّروا :: كلّ الهَوادج من عَتاق ثِيابه
فمَضَوا وغُودِر في الديار أخُو الهوى :: حَيرانَ مُشتَكِياً أليمَ مُصَابه
فدَعِ الصَّبابَةَ والهوى أسَفاً على :: رَبعٍ تقادمَ عهدُه بشَبابه
واذكُر قِلَادةَ جوهَرٍ منظُومَةً :: مِن غَوْص سيد عَصره ولُبَابه
نظّام جوهرَةِ البيان يُمدُه :: بحْرانِ يأخُذ كلَّ ما قَذَفا به
فسَما وظاهر في المكارم وارتَدى :: للمجد جِلْبابًا على جِلبابه
قاد الندى بعِنانه فذَهابه :: بذَهابه وإيَابُه بإيَابه
حتّى إذا استولَى على شَأو العُلَى :: وغدا مناطَ النجم من أترابه
كشَفَ النقابَ عن المَناقِب فارْتَمت :: غرُّ العَجائب عند كَشف نِقَابه
ألْقَى علىّ من المَديح بَراقِعًا :: مَتبُوعَةً بالسَّبِّ في أعْقابه
مَنٌّ تعَقّبَه الحِساب ولَيتَه :: مَنٌّ أتى بعد انقِضاء حسابه
وإذا رَآه أخُو اللُّوَاح لِظَنّه :: ماءً أراقَ شَرابَه لسَرابه
ويكاد يَذهبُ بانبِعاث عِذابه :: في قلْب سامِعِه انتظارُ عَذابِه
لكِنْ أذاه يَسُرُّنِي إذ في الأَذى :: قِدماً سُرورُ المَرْء مِن أحبابه
أطْرَى وأطنَبَ في امتِداح ندِيِّه :: حِلماً وضَمّ الشعرَ في إطنابه
أنى وتزكيَةُ الكريم لنَفسه :: دلّتْ مطابقَةً على إغضَابه
أما التفاضل في الدراية ما ادّعى:: من كون ذاك الفضل في أحْسابه
فصَوابُه لغْوٌ لدىّ لعلّه :: خبر أتى بالسّلْب معْ إيجابه
يا راحِماً شكْوى المُضاف بُعيْد ما :: جلّت وضاق بِه الفَضا برُحابه
فجعَلْتَ تُلزمُنى هِجاكَ مَسبّة :: كَيْمَا يَراك الخصمُ من أحزابه
من غير نَظمٍ سابق من مُقتضِي :: ذمٍّ ولا مَدحٍ ولا مُتشابه
ألزَمتمُ صَوغ الهجاء لمَن يرى :: صَوغَ الهِجا أقصَى مَراتِب عابه
لكن يُرى بالطبع دون تَطَبُّعٍ :: خُلُق الحَليمِ بفعْله وجَوابِه
هذا وجارحَة الأديبِ مصُونَةٌ :: عما يُفيد النّقصَ في آدابِه
أحسنتَ حلمَك بالخِطاب وإنما :: حِلْم الفتى بالصّمْت لا بخطابه
فالنطقُ أشأمُ ما يَسود به الفتى :: والصّمت أكْيَسُ للفتى بقِرابه
وصلاةُ ربى دائمًا تترى على :: خيرِ الأنام وآلِه وصحابه

كامل الود


 محمدن ولد أبنُ المقداد
(دودُ سك)


هو الترجمان الأديب الحاتمي، "دودُ سك" محمدن ول ابن المقداد.
ووالده هو أيضا الترجمان المختار المسمى "ابن المقداد بن الشيخ عبد الله.
وكثيرا ما خلط المؤرخون بين الرجل ووالده فقد اشتهر الرجلان بلقب ابن المقداد .
فالوالد هو" ابن المقداد" المختار، يقول عنه سيد أحمد بن اسمُهُ الديماني فى كتابه الشهير "ذات ألواح ودسر" متحدثا عن أصل التسمية:
"المختار"ابن المقداد سماه والده السيخ عبد الله على رجل من أهل فاس يسمى (ابن المقداد)، وصل المنطقة بخزنة كتب مهداة من محمد بن عبد الرحمن حفيد مولاي إسماعيل إلى قوم من قبيلة بني ديمان مشيرا إلى أن هذا الفاسي كان يمتاز بالعلم والصلاح".
وهو أحد كبار علماء فاس، وصاحب كتاب (عيبة الشتيت في شرح مغني اللبيب).
وتزامن وصوله مع ولادة المختار سك بن الشيخ عبد الله بن المختار بن عبد الله، فسمي باسمه
وعرف الحاج المختار سك (ابن المقداد الوالد) بالكرم هو واخوته القضاة العدول القاضي عبد الله، وعينينا، وسليمان، وجده لأمه القاضي ورئيس المحكمة الاسلامية في اندر (همت محمد انجاي ان).
فكان محمدن (دودُ سك) سليل أسرة علم وقضاء وترجمة.

ولد (دودُ سك)، محمدن (ول ابنُ المقداد الابن) بمدينة سين- لوي فى 24 سبتمبر1867، وحين بلغ التاسعة أرسل إلي إيگيدي من أرض الگبلة بالجنوب الغربي الموريتاني تلقي العربية ومبادئ الدين ومكث هنالك أربع عشرة سنة تمكن خلالها من حفظ القرآن الكريم وتعلم العربية وأتقن اللهجة الحسانية وعرف أسرارها فأجاد قرض الشعر الحساني والفصيح ، وقد تعلق بأرض إيگيدي كثيرا فقال ذات شوق (في بحر السريع) متذكرا عهوده:
سلم على إيگيدي إن جئته :: وحيه مني على بعده
وقل له إني مقيم على :: ما يعلم الرحمن من وده

كان محمدن ول ابن المقداد يتمتع بشخصية فريدة من نوعها أبهرت أهل عصره وكان صاحب عهد ووفاء كما اشتهر بالكرم والسخاء والفضل فشهدت له بذلك ألسن الشعراء التي ألهمها كرمه.
وذات صدفة في مدينة روصو لقيه مجاده سيديا ولد هدار وقد ضاقت به السبل، فقال :
لِـنوبَ وانَ فالتلوادْ :: الْ لزاقْ أذاكْ الَّ شاقْ
وافذَ جَ ولْ ابنُ المقدادْ :: يلّال مفَكرْ لرزاقْ

كانت مدينة" سين لوي" السينغالية أو "اندر لبيظْ " باسمها المحلي مدينة جميلة معتدلة الهواء تقع حيث "مرج البحرين يلتقيان "، مطلة على المحيط الأطلسي ونهر السينغال.
كانت معتدلة الهواء ،جميلة الدور والشوارع منظمة الحدائق أتخذها الفرنسيون عاصمة لهم، وعاش بها البظان عصرا ذهبيا لايزال حاضرا فى الذاكرة.
وكانت دار ول ابن المقداد تقع في منطقة "سندونَ" في "اندر الأوسط" وتتكون من طابقين يصل بينهما سلم خشبي وكانت قلعة من قلاع الأدب والكرم والهول ومجالس "الفتيان" يقول عنها سيديا ول هدار وكان هو "مجّاد" ول ابن المقداد:
هاذِ الدار إلّ لا إخْلاتْ :: عادت فيهَ لفلوحَ
بيهَ لكَْدام أُلا اتباتْ:: ليله ماهِ مفتوحَ

وكانت بـ"اندر ساعة كبيرة بالساحة العمومية وكانت تدق عند تمام الساعة الثانية عشرة زوالا فيسمعها سكان "اندر" فيعلمون أن ساعة الظهيرة حلت مما يؤذن أيضا أن ساعة الغداء في دار ول ابن المقداد حانت فيهرع الناس إليها فترتجف السلالم الخشبية من الزحام، فيتحلقون حول جفان (مارو والحوت).
و يقول امحمد ول احمد يوره واصفا ذلك المشهد:
كنا إذا ضُربت وقت الزوال "مِـِدي":: لم يلتفت أحد منا على أحد
ترى السلالم فيها القوم طالعة :: ما بين مرتعش منها ومرتعد

ويقول العلامة الشاعر محمد فال ولد عينينا :
إِلى الفَتَى (دُودُ) يَا نِعمَ الفَتَى دُودُ :: أسنَى سَلامٍ كَمَا قَد يَعبَق العُود
تَحِيَّةٌ كَأَرِيجِ المسكِ موجِـبُه :: إنَّ الثَّناءَ على المَحمُود مَحمُود
كأنَّمَا جَنَّة الفِردَوس مَنزِلُنا :: لَدَيهِ كُلٌ منَ الخَيرَاتِ مَوجُود
إِن شِئتَ مَائدةً مدَّت إليكَ وإِن :: تَشَأ كِتَاباً فَكُلُ الكُتبِ مَمدُود
تَحجُو مَوَارِدَه والنَّاسُ وَاردةٌ :: كمَا حَوَى حَرَمُ الوُرَّاد مَورُود
وخَيرُه خَيرُ مَمدُودٍ لَه طَرفٌ :: إذ بَعضُ خير ذوي الخَيرَاتِ مَحدُود

وتصادف هول للفنان لعور ولد انگذي، مع أول زيارة للشاعر الفذ محمد ولد ابنو ول احميدن إلى دار ول ابن المقداد، كان فتى حدثا مغمورا لا يكاد يعرفه أحد قدم مع صديق له ، و كان ولد ابن المقداد يستلقي على أرجوحة توضع له في صالونه وعن يمينه الشاعرالأديب شمّادْ ولد أحمد يوره ، والأديب الوالد ولد القطب ، والولي ولد الشيخ يبّ ، وبعض كبار الأدباء وكان إمحمد ول أنكَذي " لعور"(افنگرِ) تيدينيتو استعدادا لإطلاق شوره الجديد (دزيت امبر)
كان امحمد أعور أصلع قوي الصوت شجيه يقول له أحد الشعراء :
من كان أصلع فليضرب ليطربنا :: و كان أعور فليشدو بما شاءَ
ياليتَ كلّ مغنٍ كان ذا صلع :: أوكانت العين عينا منه عوراءَ

ويقول فيه البيضاوي الجكني المعروف ب (باشا تَارُودانِتْ)
لَعَمرِي لقد خُضتُ القُرَى مِن كُناكِر :: وَجَاوزتُ أرضَ الصَّينِ بعد الجزائِرِ وبالمغرِبِ الأقصَى دِيارِى ومنشئِي :: وسامرت أربَابَ الغِنَا والمزامِرِ
فماسمِعَت أذنِي ولم يَرَ ناظِــرِي :: كذَا الأعور المشهُورِ عن كل شاعِرِ

وفي ذلك المجلس أخبر لعور الحضور أن لديه شورا جديدا يسمى "دزَّيتْ إمبرْ" لم يعزف من قبل وبدأ يشدو به فشحذ أداءه وصوته العذب ملكة الشعر من لمغنيين لكبار، فافتتح كبيرهم محمدن ولد ابن المقداد السجال بهذا الكاف:
إمْبِرْ إلِّ كالْ الْمَجّادْ :: بُوصَلْعَهْ بُوخَزْرهْ مِن زِرْ
ذَاكُو كِيفْ إمْبرْ إلَعَادْ :: إلِّ لاهِ ينْگالْ إمبرْ

بعد ها قال شماد ولد أحمد يورة :
النّاسْ إلَ گالِتْ بَاجْنَاسْ :: عَنّكْ تگدرْ تُحامِـرْ فُـرْ
ذاكْ ألاَّ كَولْ النّاسْ النّاسْ :: إتْمَشِّ لگوَارِبْ فِالْبِـرْ

وقال الوالد ولد القطب :
إمْخَمَّمْنِ فأمرْ الْغَيْدَاتْ :: عَوْدانِ نافدْ گدْ إشْبرْ
وألاَّ نِكْبِرْ والطَّافِلاتْ :: گذَّ گذَّ وحْـدَ تكْبـِرْ

فخاطب ولد ابنو ولد احميدن لعور من طرف المجلس وكأنه يستاثر به دون غيره گول:
شاعِرْ فالْهَولْ إمْعاكْ إتْلَ :: إيْعودْ إفزرْ أوْ عِتْ إفْـزِرْ ذ
اكْ الزِّرْ إمْنْ الهولْ إخْلَ *** ؤذاكْ الزّرْ إمنْ الهَوْلْ إعْمِرْ

التفتت إليه الأعين، وجلس ول ابن المقداد على أرجوحته كمن داهمه خطب قائلا: ذاك گافْ فيؤمن له شماد: نعم ذاكْ گافْ قطعا!

وجاء دور الولي ولد الشيخ يب الذي جعله حظه كمندوب يتصدي لهذا الزائر الجديد الشرس إلى عالم الإبداع فقال كمن يمتحن قدرات متسابق:
حَدْ إمگاطِعْنِ گاطِعْنِ :: لمْگاطِعْنِ گطّاعْ إجْدِرْ
مايِگدِرْ حَدْ إيْگاطِعْنِ :: أبْدَ مَا يِكَدِرْ مَا يِكَدِرْ
فقال ولد ابنو وقد أدرك ملمح الوالد في الگاف، فقال كمن يريد ان يحسم المباراة من أول جولة ملمحا لحادثة اجتماعية تخص الولي ولد الشيخ يب:
باعِدتْ الشَّلاتْ أُوذَ فاتْ :: مِنْ عَندْ إجْدرْ لِجْدر لِجْدرْ
وإيگدْ إتْبَاعِيدْ الشَّلاتْ *** يَصْلحْ وإيگدْ أفْطَنْ يِخْسرْ

فسكت الولي رافعا الراية البيضاء في وجه هذا المغمور الذرب، فأردف ولد ابنو كمن يعلن انتصاره على سدنة لغن أو كمن يذيع البيان الأول متربعا على عرش سلطانه:
نَعْرَفْ لِغْنَ كِنْتْ إبْلَمْلاسْ :: مانكبرْ عنُّو مانِسْغِرْ
أوُگلَّلْتْ انْدُورْ إنغِرْ النّاسْ :: گلِّتْ لِغْنَ للناسْ إتْغِرْ

وتوالت سهرات لعور ول انگذي، في دار أهل ابن المقداد يسقي القوم من هوله صافية لا للسلاف ولا للورد رياها، وذات سهرة غني (شور) يسمى (ابسينو)، فقال له سيديا ول هدار:
حالف حلفه ما تنجحد :: عني نختير ابسينو
أول لاهي يحلف زاد حد :: يكون اعل يقينو

وقال محمدن ول ابنُ المقداد
مخالگ حد اليوم حي :: يحلف عنو فمدينو
شاعر كيفت ول انگذي :: ما كفر عن يمينو

زقال القاضي اميي:
حد اليوم ابذل قوتو :: فجبير البيه اشطينو
ما تنشاف اعل امروتو :: أولا تنشاف اعل دينو

وثنّى عليه ول ابنو المقداد، بگافه الحاسم:
لعور حسّو يحد عام :: لول شاحنت افزينو
لعور راعيه اليوم، وامْـ :: شِحان افلعور عينو

وهومعنى المثل العربي: إنَّ الجوَادَ عَيْنُهُ فُرَارُهُ.
وقول المتنبي:
وتسعدني في غمرة بعد غمرة :: سبوح لها منها عليها شواهد

أي: أيها المجادل في حسن صوت الأعور، ها هو الأعور أمامك.

وفي رحلة لول أبنو المقداد مع المستكشف الفرنسي ابلانشو سنة 1900 إلى أطار، تم أسرهما فرسان من إديشلي، وتم جلبهما إلى زعيم القوم وتصادف ذلك مع حفل فني أنعشته إحدى الفنانات، وحين غنت نحية قال لها محمدن گولي:
وكتن ماريت ال يحجلِ :: واهل في الگبلَ بعدونِ
وجهتلكم ييديشلِي مولان باطل كمّونِ
فنزع القوم وثاقه فقال: لايُسلم ابن حرة زميله، فنزعوا الوثاق عن زميله الفرنسي.
وقد كان صاحب عهد و وفاء فتعلق بأهل آدرار كثيرا بعد تلك الحادثة حتى إن البعض قال بأن سبب وفاته "طلعة " أرسلها للأمير سيد أحمد ول أحمد العيده يحذره فيها من غدر المستعمر فوصلت الطلعة إلى المستعمر، فدعاه الفرنسيون لوليمة مسمومة كانت سبب موته.

وقد ربطته علاقة وطيدة بالأمير سيد أحمد ولد أحمد العيدة أيام كان الأخير أسيرا في اندر.
ومن سرعة بديهة الأمير سيد أحمد، أنه كان رفقة الترجمان الأديب محمدن ولد ابن المقداد (دودُ سك) فوق صالة أهل محمد لحبيب سائرين من (إندَرْ لبيظ) متجهين إلى (آگميني) فرأى الأمير على تخوم لسان البربرية (Langue de Barbarie) دخلة ذات نخيل فظنها وادا، فأنشأ:
إتشايير انخلْ هذا الوادْ
فيقول ولد ابن المقداد: سيد أحمد هاذِ دخلَه ماهِ واد
فيقول الأمير بسرعة بديهة عجيبة:
ول زادْ الدخلَ لعادْ
ماهُ وادْ إزيدْ التگفاد :: يسوَِ گد إلّ واقعْ فيه
ءُ هاذ لرياح إلّ تتراد :: زاد اعليه إمن إلّ إغليه
غيراصّ فم ابلد معهود :: ماهُ ذ لبلد عالم بيه
إيل ما كرّه فيه اعود :: ما لاهِ بعد إنسّي فيه

كما كان صديقا للأمير عبد الرحمن ولد اسويد أحمد (الدان)، وكان يساجله، وكان للدان رفيق أعور أخبر محمدن بأن الدان ربما مر على كورية يعرفها محمدن، فقال له ذات هول مداعبا بتورية بديعة:
گارظلي في العراد :: ذا الخلق إلّ نجبر
أكارظلي فيها زاد :: ذاك ا(لراجل لعور)، كلمة كلمتين

فأجابه الدان:
لا لوصت ابلوصه :: هذا زامل لكور
يعملني نُكَوصه :: أيعملني نصندر

فقال محمدن:
حكمك هك افوَكرك :: يالدّان، ؤهاذَ اندر
هذا ماه بحرك:: هذا لبحر لخظر.

وكان ول ابن المقداد من شدة كرمه يحضر بنفسه توزيع الطعام في الجفان وكان يأخذ لقمة كل جفنة ليتأكد من جودة الطعام وأصبح المثل الشعبي يقول "لقمة ول ابن المقداد".

وتدور المساجلات ويتعاقب الأمراء والأعيان والشعراء والمطربون على "الدار إلّ لاإخلاتْ" :
ويجيئ إبّفال ول محمادو ويقول إِبَّفالْ إطلع زينات يمدح بها محمدن ول ابن المقداد،أعجبتْ سيديا ول هدار فقال:
كَالْ ابَّفالْ إمنْ التمْجاد :: شِ زيْنْ إلْولْ ابنْ المقداد
وَ أَلاَّ هُوَّ نظمْ المرادْ :: يَلاَّلِ مزْيَنْ ذَ إلِّ گالْ
إبَّفالْ أُيَلاَّلِ زادْ :: مّصْدَقْ ذَ إلِّ كالْ إبَّفالْ
ويجد ابفال في دار ول ابن المقداد صوره للأمير أحمد سالم ول ابراهيم السالم فيكتب على ظهرها:
وصف أحمد سالم گال حدْ :: عنُّ شافُ ب اخلافُ
وصف أحمد سالم ما ايگدْ :: حـد إگولْ انُّ شـافُ

ويقول وابن المقداد وهو شيخ :
يكطعْ بيكْ إنتَ يالشيطانْ :: مَذالكْ عايدْ لِ وحْلَ
شدُّورْ إفْشيْبانِ سُودانْ :: ما يتْمَلَّكْ زَغْبَ كَحْلَ

كان إبن المقداد رحمه الله قامة أدبية فريدة من نوعها وكان بيته قلعة من قلاع الكرم والأدب فلم يبقى شاعر في عصره إلا و ترك له أبيات من الشعر أو كيفان من "لغن" يتردد صداها في كل مكان حاملة اسمه الذي صار مثلا للكرم والسخاء.

توفي رحمه الله سنة 1943، ودفن في مقبرة (انخل بَنبَتُور) حيث يرقد آباؤه وإخوته، ويقول عن ذات الموضع ذات زيارة:

نِبغِ عِتْ انشوف بَلّ :: وانشوفْ أكَرفات بَّل
وانشوفْ انبُيُوه تَلّ :: وأبْدِنْ و أبْجَهُوصْ
وانْخلْ بَنبَ تـُورْ ذلّ :: بالعزَه مخصوصْ
تشواشِ ما گط جانِ :: عنْ گدُ مَنگوصْ
واطرالِ تشواشْ ثانِ :: ماهُ ذاكْ إحوصْ

كامل الود

الخميس، 23 أبريل 2026

 سيدي أحمد ولد سيديا التندغي الشگاني
البطل المُغيَّب





في المغيّب أو المسكوت عنه في التاريخ، حيث تخفت الأسماء التي لم تُنصِفها السرديات الرسمية، يبرز اسم سيدي أحمد ولد الشيخ ولد سيديا التندغي الشگاني بوصفه واحدًا من أولئك الرجال الذين صنعوا الحدث وبُنِيّ فعلهم للمجهول.
شخصية جمعت بين روح المقاومة وصلابة الموقف، وبين الحضور الاجتماعي الوازن والفاعلية الاقتصادية، فكان نموذجا مركبا لرجل دولة لم يتح له أن يدون في صفحاتها كما ينبغي.

ولد سيدي أحمد في الأول من مايو سنة 1929 بمدينة سين لوي (گت اندر)، في السنغال، في بيئة متعددة المشارب الثقافية والاجتماعية، لأب هو الشيخ ولد سيديا الشگاني، وأمٍ ولفية هي "مور افّال" من نبيلات المدينة "امنات اندر".

لم يلبث أن عاد به والده إلى مرابع أهله بعد فطامه بقليل، حيث نشأ في كنف عمته "لميمة"، متشبعًا بقيم البادية وأعرافها، وقد كانت لقبيلته إشگانن
رحلة الشتاء وتنتهي عند السمسيات والبظيات جنوبا، ورحلة الصيف وتنتهي في تيارت الحسيان، وعادة ما يكون موسم الخريف قي منطقة انتيدبان. فترحل مع قومه في جميع ربوع آفطوط الساحلي.

درس في محظرة لمرابط المامي ولد أباب، متلقيًا علوم القرآن والفقه واللغة، وهي النواة التي صاغت وعيه المبكر وشخصيته المتزنة.
وفي سياقٍ تاريخي كانت فيه البلاد ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي، تشكّل وعيه السياسي على نحو مبكر، متأثرا بمحيطه الأسري والعشائري المناوئ للاستعمار، حيث عرفت قبيلته إشگانن بمواقفها الصلبة في مقاومة الهيمنة الفرنسية، وكانت من أشد المقاومين للاستعمار عسكريا وثقافيا، وانخراط كثير من شبابها في حركة النهضة، وفي تصويت السكان بـ لا في استفتاء تقرير حق المصير 1958(وَيْ ونون).

عاد سيدي أحمد إلى السنغال بعد أن طُلب للتجنيد، كان قوي البنية وعرف بين أقرانه بـ(متن اذراع)، وقد حدث أن تغيب أيام خدمته العسكرية، فأمر قائده الفرنسي أربعة جنود افارقة بضربه.. فأوسعهم ضربا بكل سهوله.. فأمر أربعة آخرين .. وهكذا... وفي المرة الرابعة ضربه أحد الأربعة فسقط أرضا.. فماكان من الفرنسي إلا أن أمر الجميع بالتوقف.. واعفاه من عقوبة الحبس.
وبعد أن خدم سنتين في الجيش الفرنسي بالسنغال، عاد إلى موريتانيا وبدأ مشوار حياته الاحتماعية والسياسية.

درس نظاميا عبر المراسلة في السنغال، وحصل على ديبلوم يعادل البكالوريا، وكان ضليعا في اللغة الفرنسية، شأنه شأن والده الشيخ، وعمه المصطفى اللذين درسا في المدارس الفرنسية.

ومع نهاية خمسينيات القرن الماضي، انخرط سيدي أحمد في صفوف الحركة الوطنية، فكان من أبرز النشطاء في حزب النهضة، ذلك التنظيم الذي رفع شعار الاستقلال الكامل ورفض كل أشكال التبعية.
لم يكن انخراطه في العمل السياسي شكليا، بل اتخذ طابعا نضاليا مباشرا؛ إذ شارك في عمليات مقاومة ضد الوجود الفرنسي، وتعرض للاعتقال أكثر من مرة، متنقلًا بين سجون نواكشوط وامبود.
وقد عرف بجرأته وإقدامه، حتى غدا اسمه مرتبطا بأعمال رمزية جسدت روح التحدي في وجه المستعمر.
ومع اقتراب فجر الاستقلال، دخلت البلاد مرحلة إعادة التشكل السياسي، حيث شهدت سنة 1961 ما عرف بالطاولة المستديرة، التي أفضت إلى توحيد القوى السياسية في إطار حزب الشعب.
شارك قادة النهضة في هذا المسار، وإن ظل التوتر قائما بين رؤى الاستقلال الكامل وبين استمرار النفوذ الفرنسي.
في هذا المؤتمر تمت المصادقة على دستور 1961م ودخل بوياگي ولد عابدين الحكومية كأول وزير للنقل والبريد والمواصلات.
عين بوياگي زميله سيدي أحمد ولد الشيخ ولد سيديا مديرا للنقل لما يعرف فيه من الصدق وبعد النظر والديناميكية، ومما يحسب للوزير ومدير نقله تأسيس الخطوط الجوية الموريتانية، ومحاولة كسر احتكار شركة لاكومب (Lacombe) الفرنسية للنقل البري في موريتانيا، لكن رؤيتهما المتقدمة للاستقلال الكامل اصطدمت بواقع معقد من التوازنات السياسية، فقدم بوياگي سنة 1963 استقالته واستقال معه مدير النقل سيدي أحمد ولد الشيخ ولد سيديا.

إلى جانب مساره السياسي، برز سيدي أحمد كوجه اجتماعي مرموق في نواكشوط، ومن أوائل من سكنوا حي لكصر، حيث كان منزله ملتقى للناس، ومأوى للوافدين، وعنوانا للكرم والمهابة، وقد جمع بين الحزم في الموقف واللين في المعشر، فحاز احترام محيطه وهيبته في آن واحد.

كما لم يكن بعيدًا عن مجالات الاقتصاد والإنتاج، إذ انخرط في الأعمال الحرة، واهتم بالزراعة في وقت كانت فيه المبادرات الفردية نادرة.
كا ن عمه المصطفى ولد سيديا، من أوائل رجال الأعمال الذين خدموا الوطن، من خلال مشاريع زراعية رائدة فكان له نخلٌ قرب أول محطة للوقود في نواكشوط قرب المسجد العتيق (ابن عباس) في موضع يعرف بانخيل ولد سيديا، كما كانت له مزرعة بها نخيل وأعناب، وتزرع فيها الفواكه من أصناف شتى في وادي (انْكِلّيدَه) شرقي نواكشوط شمال تن اسويلم، ونالت المزرعة أعجاب الرئيس المختار ولد داداه حين زارها صحبة وفد أوروبي ووقعت للمصطفي فيها قصة طريفة مع مريم داداه.

وقد حذا سيدي أحمد حذو عمه فاهتم بالزراعة في ملزم "الگيرع"، كما كان من أوائل من التفتوا إلى إمكانات الزراعة في شمامة، وتظهر سيرته في هذا المجال روح المبادرة والاستقلالية، رغم ما واجهه من عراقيل، بعضها ذو طابع سياسي.

وتكشف إحدى محطاته البارزة عن صلابته وإصراره؛ حين تعرّض لعملية احتيال في صفقة تجارية دولية، فاختار أن يلاحق حقه بنفسه، مسافرًا إلى سوريا، حيث استطاع بجهوده الخاصة استعادة جزء من أمواله، في واقعة تعكس قوة شخصيته وقدرته على فرض حضوره حتى خارج حدود وطنه.

ففي سنة 1976 دخل سيدي أحمد صفقة توريد مع تجار سوريين لتوريد باخرة من الخراف من موريتانيا إلى سوريا، وبعد العملية قطع السوريون المحتالون صلتهم به، فقرر الذهاب إلى سوريا لاسترجاع أمواله.
خاطب وزراة الخارجية لمساعدته لدي نظيرتها السورية فلم تستجب، وبعد وساطات عائلية وصل الأمر للوزير حمدي ولد مكناس الذي أسر للقوم بأن هناك أوامر عليا بعدم تسهيل أي إجراءات تتعلق بسيدي أحمد!

وبجهوده الخاصة وكان قوي العزيمة وصل سيدي أحمد إلى سوريا، وقابل وزير داخليتها مبرزا له الوثائق كلها المتعلقة بالصفقة وأسماء الأشخاص.
كان ذلك صباحا وفي المساء استدعاه الوزير ووجد لديه الأشخاص مقييدين.
توصل مع عشائرهم لحل وسط استعاد به بعض أمواله، لكن السؤال الأهم لديه كان: كيف تم القبض على الأشخاص بهذه السرعة؟
أجابه الوزير: لدينا نظام أمني هرمي نستطيع من خلاله إحضار أي شخص من خلال العشيرة والبلد والفصيلة، وكأنه يشبه نظام الهياكل في حكم هيدالة.

وعلى الصعيد الاجتماعي و الثقافي، كان سيدي أحمد صاحب ذائقة أدبية رفيعة، متمكنًا من الشعر بشقيه العربي والحساني، ومرتبطًا بعلاقات وثيقة مع رموز الفن والأدب، وله علاقات وطيدة مع أسرتي أهل انگذي وأهل الميداح.
وقد خلدت بعض المواقف الطريفة حضوره في هذا المجال، لتدل على مكانته وتأثيره، فذات هول للفنان محمد عبد الرحمن ولد انگذي (حمّه) رحمه الله، غصّ الحفل بالمدعوين فلم يجد سيدي أحمد سبيلا للولوج، فكتب گافا في ورقة وأعطاه لمن يوصله للفنان حمّه:
لاريت أمنادم متعكرد :: گافُ في اللّامة، وازكٌيّ
شُكٌاني بُراص امشكرد :: مستخظر لِمّو كورية
حين قرأ حمّه الگاف أوقف الهول وقال: خلّو سيد أحمد ذاك ولد الشيخ ولد سيديا، يدخل جاي.

تزوج سيدي أحمد تزوج ابنتَ بنت عبد الفتاح من أهل سيد المژدف (تندغة)، وتزوج بعدها اخديجة بنت ببكر من لعلب (أولاد امحمد)، تزوج بعدها من زينب وَنْ ابنة إبراهيم ون أول مديرا لهيئة البريد والموصلات.

كان رجلا ذا أنفة ومروءة راجح العقل قوي البنية، وطنيا قوميا، سمى أحد أبنائه على صديقه الزعيم بوياگي ولد عابدين، وآخر سماه باسم الزعيم جمال عبد الناصر.

كان واسع الاطلاع وله استشرافاته دقيقة لدرجة أن أغلب معارفه كانوا يسشيرونه في أمورهم من المحيط الاجتماعي ومن خارجه
ويقول بعض لِداته إن كافة الاستشرافات التي أخبر بها تجاريا وسياسيا شاهدوها بعد رحيله، منها مايتعلق بالعمل على ملكية ارض نواكشوط
والاندماج في السياسة والتمدرس وغير ذلك.

وتوفي رحمه الله يوم الجمعة 16 شوال 1402هجرية، الموافق: 6 أغسطس 1982ميلادية، بعد حياة حافلة بالعطاء، تاركا وراءه أثرا عميقا في ذاكرة من عرفوه، وإن لم يحظ بما يستحقه من توثيق وإنصاف.
يقول صديقه الفنان الكبير الحضرامي ولد الميداح:
ياربي ترحم يالرحيم :: ول الشيخ الماكيفو حد
والطف بالناس فذى الحريم :: ياربي عاكب سيد أحمد

وقد رثاه كوكبة من العلماء والشعراء، ويقول العلامة القاضي أحمد شيخنا ولد أمات من قصيدة في رثائه:
ولهٌ أصاب القلب لم يتوله :: مهلا له رحمى لمن يتوله
لخسوف بدر غاب عن أبصارنا :: فتحركت اكبادنا جزعا له
يابدر إن عيوننا ونفوسنا :: نضاخة من برح ذكرك وُلَّه
يا من إذا هتف المنادي مسمعا :: والرعب يأخذ في القلوب محله
كنت الغياث لخائف ولطامع :: فالكل تحميه وتحمل كَله
يا حصننا عند الخطوب وقطبنا :: يامن حويت المجد أجمع كله
إن افتقادك في الزمان لعثرة :: ما كان يكبو مثلها فعلن له

إن سيرة سيدي أحمد ولد الشيخ ولد سيديا التندغي الشگاني ليست مجرد حكاية فرد، بل هي جزء من ذاكرة وطن، ومن مرحلة تأسيسية لم تُكتب بعد بكل تفاصيلها. وهي تطرح سؤالا ملحا: كيف تسقط مثل هذه الشخصيات من سجل التاريخ؟ أهو الإهمال، أم الانتقاء، أم ضيق الرواية الرسمية؟
أياً يكن الجواب، فإن إعادة الاعتبار لهذه القامات ليست ترفا معرفيا، بل واجب أخلاقي وتاريخي، فالأمم التي لا تنصف رجالها، تفرّط في جزء من ذاكرتها، وتخاطر بتكرار نسيانها. لقد آن الأوان لأن تعاد كتابة هذه السيرة كما ينبغي، لا بوصفها مجرد ذكرى، بل باعتبارها درسا في الوطنية، والكرامة، والإصرار على الفعل.

كامل الود

الاثنين، 6 أبريل 2026

 الأنشاد


ذات درس تحدّث الإمام الأكبر بداه ولد البصيري برّد الله مضجعه عن الهول، وزين الحس، وجواز هول الرجل للرجل دون آلة بلا خلاف، وقال:
"نعرف النّشادَه زينين احسوستهم يأتون للحواضر والمحاظر فينشدون وليس بالضرورة أن يكونوا من إيگاون"
وفهمت من كلامه أن الإنشاد كان مهنة يمارسها إيگاون، كما يمارسها الفتيان إل زينين احسوستهم والمجاذيب وأكثر ما يكون إنشادهم في مدح النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن كبار المنشدين ماء العينين بن أحمد الجد الحسني اليوسفي، وكان معروفا بنداوة الصوت وعذوبته، يقول فيه الشيخ أحمدو ولد أحمذي:
إنَّ ماءَ العيونِ أجراهُ منَّا :: بغِناه الحسينِ "ماءُ العيون"
ما رَأينَا مُغنِّياً قطّ أجرى :: قبلَ "ماءِ العيونِ" ماءَ العيونِ
ومنهم لبيظ، يقول فيه لمرابط امحمد ولد أحمد يوره:
قلّلَ الأبيضُ المغنى اغتماضى :: بسواد من شدوه وبياض
وحياء في وجهه وطباع :: كنسيم الجنوب يين الرياض
وقياس المغردين عليه :: كقياس السديس بابن المخاض
وكان من المنشدين عصر يسمى (أعويليات) نسبة لقائدهم عالي ولد محمد ولد عبدالله ولد يعقوب رحمة الله على الجميع.
وكان الفتى دَهّانْ ولد أحمد فال ولد أحمد خرشي البركي رحمه الله، فتى مهيبا وسيما غنيا و سيدا في قومه، حباه الله صوتا نديا يأسر اللب، وظفه في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من لوازم مدحه أن يغني قبله شور (لمْچَگرِي بُ عينْ امتِينَ).
ومن گفان هذا الشور -والشيء بالشيء يذكر- قول الشاعر الفذ محمد ولد أبنو ولد احميدن للفنانة عيشَه منت محمد اعلِ:
مَگط افْسَالفِ الدّهرِ :: يَعيْشَ سَمْعُ وذنَيْنَ
ؤلاشافُ-كيفتْ لمْچَگرِ :: بُ عينْ امتينَ- عينِينَ
ومنها قول احميد اجّالَه لتكيبر منت أعمر امبارك، وقيل للشيخ ولد مكين لتكيبر في شور "لمه گالو مانك شينه":
تكيبر مانك شَنشاحَه :: فالهول، ؤ رَداتكْ زينَ
والهولْ الْخاطِيكْ ألاحَـ :: وَالينَ ولا علينَ
من گفان هذا الشور التي أبدعت النعمة منت اشويخ في أدائها:
يالنعمة فالهول أفْديتِ :: شَعْرَتْ ترُّوز الحگتينَ
أعلَ حالْ اغْروز وجيتِ :: شنعودُُ لُ ماَ جَيْتينَ
ويقول الوالد ولد الخليفة للنعمة:
نهولتينَ جملَه فابلدْ :: ودَصّرتِي فالهول اعلينَ
حد اسغر منّ، واعلَ حدْ :: أكبرْ مِنَّ دصَرتينَ
ويقول باب ولد هدار للنعمة:
معناهَ عن ذَ مْنْ الشعار :: لمجگْري بوعين امتينَ
كان إغنّيها في التحرار :: ألا كان إخزي بينَ
وقيل فيه:
مشهودْ أنّ گبلْ اتنگرِي :: فالناس ابْرگتْ عَينينَ
وامنينْ الْ گلتِ لمچگرِي :: بُ عينْ امتِينَ- چگرينَ
وفد الفتى دَهّانْ ولد أحمد فال ولد أحمد خرشي، على سيبويه شنقيط شيخ مشايخنا العلامة يحظيه ولد عبد الودود، فسأله لمرابط يحظيه قائلا: "انتَ شَتْعَدَّل"؟
فرد: أنا نشّادْ، أمداح للمصطفى صلى الله عليه وسلم
فقال يحظيه: أمدحْ لي
فبدأ الفتى دهان يرددُ لازمة الشور (لمْچَگرِي بُ عينْ امتِينَ)..
فقال له أحد الحضور، هذا ليس بمديح النبي صلى الله عليه وسلم!
فقال لمرابط يحظيه: (ومصلحه كملح وبصل)، أوقال: (مُصلحُه كهو).
أعجب لمرابط يحظيه بالفتى دهان، وتوطدت علاقتهما وفيه يقول العلامة أوفي بن يحظيه رحم الله الجميع:
غناء ابن أحمد خرشِ يطربُ ذا اللّبِ :: ويُدني مريدَ الربِ من حضرة الرّبِ
ويذكره العهد القديم بشدوه :: ولا سيما إن قال وهنا: (ألا هُبِّي)

كامل الود

الخميس، 1 مايو 2025

 /

ومن باب المداعبة، والشيء بالشيء يذكر
كان الشريف عبد القادر رجلا صالحا، وكان يفرض على الناس (فِفتنًا) يهدونه له، والفِفتن قطعة نقدية كانت من الفئات المتداولة في المنتبذ القصي، يقال إنها مأخوذة من العدد الإنجليزي(fifteen) لأنها كانت تمثل خمسة عشر جزءا من الفرنك.
ومع صدور الأوقية سنة 1973 ظل الففتن حاضرا فيها وكان يمثل 1/5

وكان الشريف عبد القادر رجلا طويل القامة حسن الصورة، ينشد دائما بصوته النديِّ هذا المقطع من (صلاة ربي) للشيخ محمد اليدالي:
آياتُ طه :: ليست تُباهى
لا تناهى :: على الدوام
قلبي لديه:: شوقي إليه
يزكو عليه :: أزكى السلام
ماالدهر لاحت :: ذكى وفاحت
صبا وناحت :: وُرق الحمام

وكان صديقا للشاعر الفذ محمد ولد أبنو ولد احميدَن رحم الله الجميع، فطلب منه تزكية تجعل الناس يسارعون بتأدية (فِفتنه) حتى لا يتأخر، فقال له:
عبد القـادرْ ذَ وَكتْنُو :: ضَعيفْ امنَيْنْ إجيكمْ
لا يَحصرْ فيكمْ فِفِتْنُو :: ؤُ هوَ لاَ يحصَرْ فيكمْ

تمُّو لَجَاكمْ ذَ اشريفْ :: الظريفْ إلِّ باطْ كيفْ
الشرْفَه دايرْ شِي اخفِيفْ :: وانتومَ لايقْ بيكمْ
فايْديكمْ عسُّو من اكريفْ :: أيْديكمْ بالفيْديكـمْ

وربما طالب بعضهم بإعطائه الفِفتنْ الواجب ويندب أن يضاعف:
عبد القادر ذَ لا جْبَ. :: لا بدالُ من دوبلُ
و الهديَه لُ واجبَ. :: والدُّوبلْ لُ مندوب لُ

وحين صعد الجعل بعد ذلك ليصل إلى عشرين أوقية، طرق الشريف مجلسا فيه العلامة گراي ولد أحمد يوره ومحمدو ولد متالي، رحمة الله على الجميع، و هما في إندر فقدما له هدية و أتحفاه من شعرهما بهاتين القطعتين:
قال گراي:
أثاب إله العرش خير ثوابه :: من اكرم هذا الندب مهما ثوى به
واعطاه جلبا للثواب هدية :: إليه فمن خير اجتلاب الثواب هي
هديته عشرون نقدا فصاعدا :: ومن زاد نال الفوز عند مآبه
شريف ظريف طيب الأصل ماجد :: ضعيف وقد شطت صروف النوى به
ولازال من يهدي له في سعادة :: ووقي من عض الزمان بنابه
ومافيه من عيب يرى غير أنه :: يقلل من طعامه وشرابه
على المصطفى اسنى السلامين مابدت :: نجوم السما مع آله وصحابه

وقال ومحمدو ول متالي:
يامحسنا من عاجز أو قادر :: عجل هديته لعبد القادر
وأعنه عند وروده وصدوره :: أهلا به من وارد أو صادر
تلك الهدية لاتحد فمن يشأ :: يسلك طريقة حاتم أو مادر
جودوا بها لشريفكم وضعيفكم :: حتى يرى ذا العجز مثل القادر
لازال باذلها له في نعمة :: تترى عليه من الكريم القادر

كامل الود

الأربعاء، 19 مارس 2025

 الشيخ أحمد بن سیدامّین الشقروى


يقول العلامة المؤرخ المختار ولد حامد:
والشيخ أحمدُ ذو الأنوار مَن قُسِمَتْ :: أوقاتهُ بين أفكارٍ وأذكارِ
مُحيِي الطريقِ طريق الزهدِ سالكِها :: على طريقِ أبي ذَرٍّ وعَمَّار
إلى يدٍ في الندى طالت، فنائلُها :: ضافٍ على ضيفه جارٍ على الجار
إلى وقارٍ إلى علمٍ إلى كرمٍ :: إلى بوارِق أنوارٍ وأسرار

هو الشيخ أبو العباس أحمد "اموه" بن سِیدامیں بن أحمد بن ألمين بن الفالي أغربط بن ألفغ أحمد بن الفاضل (الفالي) بن يدمهم بن يعقوب الجامع لأغلب الأسر الشقروية وهو (أي يعقوب) بن أحمد بن أبي بكر(أبوبك)بن مهنض أمغر بن مهنض آش بن علي يَمْعَيَيش (أي علي السالم) بن الحاج عبدالرحمن الشقروي الجد الأعلى للشقرويين، والذي من اسمه اشتق باللسان الصنهاجي اسم العشيرة (إداشقره).
وعبد الرحمن هذا هو ابن علي بن محمد المعروف بالشريف أبي بزوله بن يحي القلقمي.

ولد الشيخ أحمد بن سیدامّین سنة سنة 1295 هجرية – 1877م، بمنطقة لعگل، وتلقى العلم على ذويه وتعلم في بيئته، ثم رحل عن محیط أهله خشية أن يوثر قربهم على تحصيله المعرفي والدراسي، فسافر صحبة قریبه وابن عمه أحمد سالم بن حبیب متجهين إلى محظرة الكلاء والصفراء في منطقة لبراكنة، وكان ذلك في أواخر العقد الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، ولاندري بالتحديد كم قضى في تلك المحظرة إلا أنه غادرها بعد ذلك نحو الشمال ميمما وجهه شطر حضره آل الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل القلقمي، وقد تزامن سفره مع دخول المستعمر الفرنسي إلى جنوب المنتبذ القصي في بداية العقد الثالث من القرن الرابع عشر، فهل كان دافعه الهجرة عن البلاد التي أصبحت تحت وطأة المستعمر الكافر؟، أم تلبية لنداء الجهاد الذي أطلقه الشيخ ماء العينين؟، أم كانت بدافع التلمذة وتسليم النفس لترويضها و تدرجها في مقامات الإحسان في تلك الحضرة التي كانت يومها وجهة للمريدين القادمين من شتى بقاع الأرض؟
مهما يكن السبب فقد ألقى العصا واستقر به المقام في حضرة الشيخ حسنَّ بن الشيخ ماء العينين الذي الذى تتلمذ عليه وبايعه حيث كان من أعظم تلامذته مكانة وقدرا وأكثرهم شهرة وصيتا و ذكرا وقد كانت مدة إقامته عنده في حدود خمس عشرة سنة إلى أن قدمه وأجازه في الطريقة القادرية بفرعها الفاضلي.

يروى أنه رأى مرة شيخه الشيخ حسنّ يقبل يد والده الشيخ ماء العينين، فقال الشيخ أحمد ولد سیدامّین بالحسانية: (الشيخ ماء العينين أثرُ ابَّيْگَة إلِّ حب شيخيانَ أيدُ).

ومن قصص الشيخ أحمد العجيبة مع الشيخ حسنّ ما حدث به الشيخ عطاه الله بن الحسين الجكني أن الشيخ أحمد كان يسير مرة مع شيخه الشيخ حسنّ في آدرار فضرب حجر رجل الشيخ حسنّ فسال الدم من رجل مريده الشيخ أحمد.

عاد الشيخ أحمد الى منطقة رقاب العقل مما يلي آدكور حيث مسقط رأسه ومضارب أهله و قومه وبالتحديد إلى عگلة (تنگادوم) التي أسس بها زاويته التي كانت قبلة للمريدين ووجهة للزائرين ومأوى للضعاف والمعتفين.
وشهدت طريقته انتشارا واسعا في تلك الربوع وغيرها، وتتلمذ عليه العديد من العلماء الربانيين والقراء المهرة المتمرسين، حتى إن بعض العلماء سئل عن بعض مشيخة الطرق في زمنه فقال فيه: أما ابن سيدامين فاكثر شهوده مبرزون: " يعنى بذلك أن أكثر تلامذته ومريديه علماء.

و من هؤلاء على سبيل ذكر البعض لا الحصر:
- الشيخ محمد عبد الرحمن بن فتى الشقروى
- الشيخ محمدو حامد بن آلا الحسني.
- الشيخ محمدو النانَه ولد المعلى الحسني
- الشيخ أبی بن حيمود الجكنى، الذي كان يلقب يحظيه الأصغر لبعد غور مشرعه في علم النحو، وهو أحد أنبه من تصدر على يحطيه بن عبد الودود.
- الشيخ محمدو بن حيمود الجكنى أخو سابقه
- بالدين بن عبد الرحمن الجكنى وكان ممن تصدر على يحطيه بن عبد الودود
- الشيخ أحمدو بن الأفضل الحسنى
- الشیخ أحمد شئث بن محمد خليفه الأبييري
- الشيخ حامد بن محمدي الشقروي
- الشيخ الحارث بن ألمیں الشقروى
-الشيخ سيدي بن يُوبَّاه التاگنيتي
وغيرهم..

*****
كتب عن الشيخ أحمد بن سیدامّین الشقروى، تلميذه ومريده علامة عصره ووحيد دهره محدث قطره، ترجمان القرآن، المحقق المحدث الفقيه اللغوي النحوي المدرس، الشيخ محمد عبد الرحمن بن أبي بكر بن فتًى الشقروي ما نصه:

"كان هذا الرجل آية من آيات الله تعالى تمشي على وجه الأرض كأنت كل شعرة منه تنطق أنا ولي الله، ما رأى الناس مثله، ولا رأى هو مثل نفسه.
ما رأيتُ منذ أبرزتني الأقدار، إلى هذه الدار، أعرَف منه بالله ولا بنفسه، وماهو إلا كما قيل: انسلخ جاكير من نفسه انسلاخ الحية من جلدها.
فهو البحر المتدفق، والبرق العرفاني المتألق، تتضاءل الجبابرة لصولته، وترفضّ الجموع لجولته، ينحدر من ألفاظه الجمان إن لفظ، ويحيى الهشيم بلحظته إن لحظ، تلوح على وجهه لوائح العاشقين، وتنجذب الأسرار لما عليه من ملاحة الصادقين، لم تر عيناي أقل منه تصنعا، ولا أحسن تقلعا، ولا أسلس عنانا، ولا أصدق لسانا، عذب الأخلاق سهلها، أتى من هذا الطريق بالعجب العجاب، ونثر كنانة الحقائق للأصحاب، نشر من الطريقة ما انطوى، وشرِب الصادق من مريديه من بحره حتى ارتوى
حلفَ الزمانُ ليأتينَ بمثله :: حنِثت يمينكَ يا زمانُ فكفّر
فهو الجدير بقول ابن دريد:
إن كنت أبصرتُ لهم مِنْ بعدهم :: مِثْلاً فأغضيتُ على وَخْز السَّفا
وأنا أقول:
إن كنت أبصرتُ له في عصره مثلا.. إلى آخره...
وما أجدره بقول الشاعر:
بقيتَ بقاء الدهر يا كَهفَ أهِله :: وهذا دعاءٌ للَبرِيَّة شاملُ
لم أرَ قط أحبّ منه إلى الروح امتزج حب الشريعة بدمه ولحمه، واصطاد قلوب الصادقين بسهمه، فسبحان من خصه عن الأقران، بالغاية القصوى من التواضع والعرفان، ورزقه التنقل من سائر الطباع، والتنزل لجميع الأجناس والأنواع، يتصابى لكل صبي، ويتواضع لكل صفي، ويستفيد من كل نبيه، ويتفقه من كل فقيه
ليس على الله بمستنكَر :: أن يجمع العالم في مفرد
أفعاله جارية على وفق المراد، وحركاته مطبوعة على السداد، لا يودّ الجليس أنه ترك ما فعل أو فعل ما ترك
شجو حساده وغيظ عداه :: أن يرى مبصر ويسمع واع
وإذا تكلم ودّ السامع أنه لم يسكت، فهو قرة العين، ومنية القلب، ونزهة المجلس، مجلوب على حب المساكين، وتفريق المال في وجوه البر.
غَمْرُ الرِّدَاءِ إذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكاً :: غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقَابُ المَالِ
وهو الجدير بقول الشاعر:
إِنَّ السَّماحَةَ وَالمُروءَةَ وَالنَّدى :: في قُبَّةٍ ضُرِبَت عَلى ابنِ الحَشرَجِ
ملامِتي المشرب لا يظهر خيرا ولايضمر شرا، يضع الهناء مواضع النقب، وإذا نزل به ضيف أنشد لسان حاله:
والله يعلم أنني ما سرني :: شيءٌ كطارقة الضيوف النُزل
وما أجدره بقول الشاعر:
ما مات من كرم الزَّمان فإنَّه :: يحيا لدى يحيى بن عبد الله
وتنشرح به الصدور ويعم بطلعته السرور وهو الجدير بقوله:
ثلاثةٌ تشرقُ الدنيا ببهجتهم :: شمسُ الضحى وأبو إسحاق والقَمَرُ
وأنا أقول: وأبو العباس والقمر
صارم العزم عالي الهمة:
لَهُ هِمَمٌ لا مُنتَهى لِكِبارِها :: وَهِمَّتُهُ الصُغرى أَجَلُّ مِنَ الدَهر
وأما المعارف فهو فيها البحر الذي لا ينزف، والنجم الثاقب الذي لا يدرك، أمواجه أبدا مضطربة، وثمراته من كل جان مقتربة، ينظر إلى أصحابه شزرا فيمتلئون نورا ومعرفة وعلما، ولم يخبرك مثل مجرب، ولا ينبئك مثل خبير،
يجذب العامي من حضيض الفسق إلى أوجه المعارف بهمته وتنخرق العوائد ويدنو الشاسع بإذن الله تعالى بعزمته، منهض الحال جاذب المقال، فهو الكامل المرشد العارف المهذب الجهبذ المقرب
فماذا أقول في رجل جمع الله تعالى له بين نونِ الشريعة وضَبِّ الحقيقة
بين مراقبة الحق وملاحظة الخلق والأعمال البدنية والآداب القلبية والوظائف الجسمانية والمطالعات الروحانية إن نطق سحر، وإن طرق بهر فحديثه السحر الحلال، ومشربه العذب الزلال، يرد المريد بكلمة أونظرة إلى عالم الشهادة والحس، بعد كمال الانجذاب إلى حضرة القدس، إلى التحقق بالعلوم اللدنية، والمواهب السنية، والفيوضات الربانية، والإلهامات الصادقة، والكشوفات الخارقة، ومطالعة الجمال، وملاحظة الجلال، والانغماس في الأبحر العرفانية، والانجياش إلى الحضرة اللاهوتية، والجولات في العوالم الملكوتية، بالحكم الجبروتية، فالحمد لله الذي نظمنا في سلك رفقائه، وجعلنا من جلسائه:
وكنت جليس قعقاع بن شور :: ولا يشقى بقعقاع جليسُ
فبينما أنا مشرف على القنوط، متردد بين صعود وهبوط، إذ أصابتني والحمد لله لامعة من أنواره، ونغية من بحاره، فتمايلت فرحا وطربا، ولم أذكر لنفسي عند ذلك أربا، وأنشد لسان حالي:
لك الدهر طوع والأنام عبيد :: فعش كل يوم من أيامك عيد
وقوله:
بَدَا لَكَ سِرٌ طالَ عَنكَ اكتِتَامُهُ :: وَلاَحَ صَبَاحٌ كُنتَ أنتَ ظَلامهُ
وليس بعجيب فالنفحات الإلهية غير مقيدة بزمان ولا شخص ولا مكان سيما وقد ألهمت ولله الحمد صحبة هذا العارف الأنور، والكبريت الأحمر، والجامع الأزهر، والمسك الأذفر، من يحيى بنظراته موات القلوب، وتنخرق ببركاته حجب الغيوب
وما عليَّ إذا ما قُلتُ مُعتَقَدي ·:: دَعِ الجَهولَ يَظُنُّ الحَقَ عُدوانا
واللهِ واللهِ واللهِ العظيم ومن :: أقامه حجة للدين برهانا
إن الذي قلتُ بعض من مناقبه :: ما زدتُ، إلا لعلي زدتُ نقصانا

وما لقائي إياه أوانَ قدومه من البلاد الفاسية إلا كما قال الإمام ابن العربي في لقائه للإمام الغزالي فإنه قال على ما نقله الرهوني في باب الشهادات عن قانون التأويل له: "ورد علينا "ذانشمند" يعني الغزالي فنزل برباط أبي سعيد بإزاء المدرسة النظامية، معرضا عن الدنيا مقبلا على الله تعالى، فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له أنت ضالتنا التي كنا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر عن الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم، ولو رآه علي بن العباس لما قال:
إذا ما مدحتَ امرءاً غائباً :: فلا تغل في مدحه واقصد
فإنك إن تَغْلُ تَغْلُ الظنون فيه إلى الأمد الأبعد
فيصغر من حيث عظمته :: بفضل المغيب على المشهد
قلت والحال كالحال، فوالله لقد نوّه بشيخنا قبل قدومه من فاس أكابر الصلحاء ومع ذلك لقد وجدته أبعد من ذلك مرمى، ولم تزل محاسنه تتزايد في قلبي إلى وقتي هذا، وإلا ما هو إلا كما قال أبو زيد في وصف الأسد إنه شاهد منه ما لا يزال يتردد ويتجدد ذكره في قلبه، والله ثم والله ما التمست له مخرجا حسنا قط إلا وجدته فوق ذلك بمراحل، وعلمت أنه لا يحيط بكنه اللجة من بالساحل، ولا يغرنك ما يزعمه بعض العصريين ممن جعل الله بين يديه سدا ومن خلفه سدا عن مشاهدة أنواره ومطالعة أسراره، فإن ابن العربي لم يقلد أحدا في شيخه الغزالي والطرطوسي وابن المنير وابن حمدون قاضي قرطبة على جلالتهم، فكذلك أنا لا أقلد فلانا ولا فلانا في أمره ولا في شيء من أمر ديني فكيف بشيء لم يشما له رائحة زعما أن الثناء على الصلحاء غلو فقد أخطآ وقد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع وحاصل ذلك أن الغلو مجاوزة الحد، ومن المعلوم أن الحد هنا الحد الشرعي ولم يمنع الشرع أن يخص الله تعالى من شاء بما شاء ويظهر عليه من شاء ويخفيه عمن شاء، ولا عبرة بكون هذا لم يسلمه فلان ولا فلان فإن الله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وأحمد الله على ما أطلعني عليه من فخامة أمر هذا الولي، وجسامة خطب هذا الصفي ثم أقول بعد ذلك
فمحسنوا الظن مصيبون ولو :: لم يتصف موصوفهم بما رأووا
ومن أساء الظن قد أساءَ :: ولو بسوء من بظن جاءَ
وأقول أيضا:
قالَ المُنَجِّمُ وَالطَبيبُ كِلاهُما :: لا تُحشَرُ الأَجسادُ قُلتُ إِلَيكُما
إِن صَحَّ قَولُكُما فَلَستُ بِخاسِرٍ :: أَو صَحَّ قَولي فَالخُسارُ عَلَيكُما
وأقول سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله،
فما هو إلا درة فاتت الغواصين في أبحر المعارف، وسرٌ استبهَم على كل كامل عارف، وأولى الضوابط به عندي ما نقله الشعراني عن محيي الدين بن عربي في أبي السعود بن الشبل فإنه نقل عنه أنه قال فيه:
"وقد اطلعت على مقامات كثير من الرجال فما عرفت لهذا الرجل قرارا".
وقد سمعت بعض العارفين يقولون مثل هذا في شيخنا."
انتهي

*****
و يقول العلامة المؤرخ المختار ولد حامدٌ في زيارته لحضرة الشيخ أحمد بن سيد امين لدى تنگادوم
الحمد لله رب العالمين على :: إلىً عليّ بها منّ الكريم علا
من القدوم على ذات القدوم ألا :: إن القدوم على ذات القدوم إلَى

ويقول الشيخ محمدو النانَه ولد المعلى رحمه الله:
كنا إذا مسنا من دهرنا نكدُ :: وكاد يقضي علينا الهم والكمدُ
وكدرت صحبةُ الأجلاف عيشتنا :: ولم نعج بدواء للذي نجد
زرنا الولىَّ ابن سيدَ آمينَ أحمدَنا :: شيخَ الشيوخ الذي مامثله أحدُ
فألقحَ العقم من أفهامنا وشفي :: أدواءنا منه عقل مبرم حَصِدُ
وشيمة كفتيت المسك نافحة :: تنحل عن يدها المبسوطةِ العُقَد
وهمة علقت بالله عروتها :: على القوى المتين الحق تعتمد
فَعَّالة ما يشاء الله نافذة :: جذابة كل آتٍ دونه البُعُد
والعارفَ ابن أبي بكر سليلَ فتًُى :: وكان نعم الفتى في كل ما يرد
من أجل ذاك ترانا رائحين له :: ومغتدين بنا ترمى له الجُدَدُ
ولو وجدنا مساغا ما لغصتنا :: لدن سواه لكنا نحوه نَفِدُ
فإن في النفس شيئا هو بالغُه :: دون الورى لم تصل منهم إليه يد
فالله طهرنا مما يُعَوِّقُنَا :: فلا انتقاد ولا بغض ولا حسد
إلا اعتقادا وحبا بالغا ورضى :: بقسمة الله جلّ الواحد الصمد
هذا الفرات وهذا النيل مازخرا :: إلا رَمَى باللآلِى منهما الزبد
وقد وردتهما والنفس حائمة :: وغلة القلب والأحشاء تتقد
لينقعاها بسجل من نميرهما :: يندى به القلبُ والأحشاءُ والكبد
فإنما يشتهي السقيَ الذي اضطربت :: منه الجوانح لا الريان والصَّرَدُ
وذاكما ابن المُعَلَّى مايريبكما :: مِنهُ سوى أنه ليث العِدَى الحردُ
يا أيها الأولياء العارفون قِفُوا :: لنا فما منكمُ إلا لَهُ مَدد
ومِكنَة عند ذي العرش استقل بها :: ورتبة دونها الجوزاءُ والأسد
حاشاكمُ أن تبتوا حبل صاحبكم :: فالصحب أسبابهم موصولة جُدد
لا سيما من تعاطتهُ شؤونهمُ :: ومن ترامت به الأهوال والشِّدد
في الذب عن حرمات الأولياء وفي :: نصر الموالي لهم والناس قد حَسَدُوا
حتى استقلت على ساقٍ طريقتهم :: فلم يضر عَدَدٌ جمٌّ ولا عُدَدُ
فالناس ما بين تلميذٍ قد انسلخت :: من الإرادة منه الروح والجسد
وبين معتقد صِرفٍ يكافح عن :: ذاك الجناب إذ الأبطال تجتلد
فالحمدُ لِلهِ رب العالمين على :: نصر المليك الذي يُوفِي بما يَعِدُ
هذا ومن كان في ريب يخالجه :: فليسألِ الناسَ إنَّ الناس قد شهدوا
هل للعدى منبر إلا نصحت لكم :: عليه حتى انجلى العُوار والرمد
ولا أمُنُّ عليكم إذ نصحت لكم :: ولم أغشَّ كمن غَشُّوا ومَن جحدوا
لكن أردت خلوصا في محبتكم :: من القذَى إذ تراخى بيننا الأمَد
حَيَّا السلامُ وجوهاً تنظرون بها :: إلى القلوب فيبدو الغي والرشدُ

و يقول الشيخ محمدو حامد بن آلاّ
ياليت شعريَ هل تبدو لناظرتي :: ذات القدوم و يبدو نجدها العالي
إني إليها لمشتاق و لست بما :: يُسْلِي الأحبة عنها اليوم بالسالي
و الله يعلم أن لولا أبو حسن :: لما تطرّق منها طارق بالي

يقول فيه الشيخ محمدو حامد بن آلا أيضا:
فمبلغ علمي بالتحقق أنه :: على الله دلال تدلك صحبته

ويقول الشاعر الفذ محمد ولد أبنُ ولد احميدن الشقروي رحمه الله:
أعَاذِلَتَيَّ لومكما دَعَاني :: فَإني لَستُ مِثلَ بني فلانِ
حَلَبتُ الدَّهرَ شَطرَيهِ فَآنًا :: أمَرَّ عَلَىَّ وأحلَولَى بِآنِ
وَمارَستُ الزَّمَانَ فَكَانَ هَينًا :: عَلَىَّ لِقَا مُلِمَّاتِ الزَّمانِ
فَلَم أكُ لِلخُطُوبِ ِإذَا ادلَهَمَّت :: كَئِيبَ البَالِ عَضَّاضَ البَنَانِ
وَلَم يَخفَق جَنَاني مِن وَعِيدٍ :: وَلَو آلَى عَلَيهِ الخَافِقَانِ
ولَم أفرَح لِسَّرَاءَ اعتَرَتني :: فَتَيلِكَ شِيمَةُ اللَّحزِ الجَبَانِ
وِإن لُو يِنتُ لِنتُ وكَنتُ صَعبًا :: وِإن خُوشِنتُ لَستُ بِهَيَّبَانِ
وَكَم مِن مُخبِرٍ عني بِسُوءٍ :: -ولَيسَ لَهُ بِمُمتَحِنٍ- لَحَاني
فأقلعَ بِامتِحَاني عَنهُ إني :: رِضَا مَن كَانَ يَلحَاني امتِحَاني
وأولاني إلهِى أن هَدَاني :: لِلإِيمَانِ المُثَبِّتِ لِلجَنَانِ
وَأولاني التَّفَصِّى مِن يُدِىٍّ :: مِنَ التَّقلِيدِ كُنتِ بِهِنَّ عَانِ
تَراني بِالبَرَاهِينِ اعتِصَامِى :: إذَا مَا طارِقُ الشُّبَهِ أَعتَرَاني
وَلِى شَيخٌ يَذُبُّ الشَّرَّ عني :: فَمِمَّا كُنتُ مُختَشِياً حَمَاني
بِيُمنِ تَعَلُّقٍ مني إلَيهِ :: تَأَلَّقَ بَرقُ إِيمَاني اليَمَاني
وَبيني وَالمَخوِفَ جَعَلتُ حِرزاً :: لَهُ في كُلِّ مَيدَانٍ يُدَاني
وَمَا أمَّت يَدُ الحَدَثَانِ إِلاَّ :: ثَنى عَنِّى يَدَ الجَدَثَانِ ثَانِ
ولا عَجَب فَشيخُ القُطرِ شيخي :: مَدَى الأزمَانِ في العِرفَانِ فَانِ

ويقول محمد ولد أبنُ أيضا:
رَبعُ أسمَاءَ ِإذ هِي الأُنسُ آلا :: مُقفِرَ الآيِ لا يُرُدُّ سُؤَالا
وأرَاحَ الرَّحِيلُ عَازِبَ هَمِّى :: حِينَ شَدُّوا إِلَى الرَّحِيلِ الرِّحَالا
حُقَّ لِلدَّمعِ أن يَكُون مُذَالاً :: ولِطفلِ المَهدِ المَشِيبُ قَذَالا
أصبَحَت سُنَّةُ النبي مُعَفَّاةً يَجُرُّ الهَوَى بِهَا الأَذيَالا
أصبَحَت صُحبَةُ الهُداةِ إِلَى اللهِ وذِكُرُ الإِلهِ جَهراً ضَلاَلا
أصبَحَ الأَولِيَاءُ عِندَ أُولِى العِلمِ أُولِى السَّجنِ في الحَضِيضِ مَحَالا
والشُّيُوخُ الرَّاقُونَ أعلَى مَقَامَاتِ التَّرَقِى يُرمَون قِيلاً وقَالا
وَيُسبُّونَهُم وهُم في المُصَلَّى :: في اللِّيَالِي المُظلِمَاتِ امتِثَالا
ويَعِيبُونَ أحذَهُم لِلهَدَايَا :: وَيقُولُونَ يَجمَعُونَ المَالا
جَهِلُوا أخذَ المُصطفي "المنحَمِنّا" :: لِلهَدِيَّاتِ يَمنةً وشِمَالا
أيُحُبُّ النبي مَالاً وقَد عَفَّف لِزُهدٍ عَنِ النُّضَارِ جِبَالا
كُلُّ مَا شَاهَدُوا وهُمُ جَاهِلُوهُ :: أنكَرُوُهُ وعَيَّروُا الجُهَّالا
يُنكِرُونَ الفَتحَ الإلهِىَّ والذَّوقَ اللَّدني والشُّهودُ اعتدَالا
حَسِبُوا أن لَن يُعَطِىَ الله مَا لَم :: يُعطِهُم غَيرَهُم فَحَازُوا النَّكَالا
جَمَعُوا غِيبَةً وعُجباً وجَهلاً :: ألِفُوا هَذِهِ الثَّلاَثِ خِصَالا
حَكَّمُوا العَامَةَ التي أكسَبَت بَعضَ مَن أغرَوا بالاعتِزَالِ اعتِزَالا
لاَ تَلُومَنَّهم فَالإنكَارُ يُبقِي :: في نُهَى شَارِبِيهِ دَاءً عُضَالا
إِنَّهُم عَن قَبُولِهِم مُعجِزَاتِ الأَنبِيَا بِاعتِقَادِهم لَكُسَالَى
ما دَرَوا أنَّ أعبُدَ اللهِ مِنهُم :: مَن يَبَرَّ الإلَهُ إِن هُو آلَى
أيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الإنكَارَ صَعبٌ :: فَأطِيعُوا فِيهِ الإلهَ تَعالَى
إِنَّمَا يُنكِرُ البَصِيرُ بِغيضَاتِ الفُنُونِ المُفَتِّحُ الأقفَالا
بَعدَ إتقانِهِ لِسَبعِينَ فَنًّا :: لَم يَدَع في عَوِيصِهَا إشكالا
فِعلَ مَن مَالَ دِينُهُ أصلاً أو مَن :: كَانَ في الدِّينِ مُستَقِيماً فَمَالا
لَيسَ إلا فالمُستَقِيمُ بَرىءٌ :: حُقَّ لِلحَقِّ وَاضِحاً أَن يُقَالا
ومَنِ المُنكِرِينَ مَن قَالَ هَذَا :: ضَيعَ الدِّينَ بالذي فِيهِ قَالا
وَمحلُّ الأنكَارِ إِن قِيلَ هَذَا :: كَانَ أهلاً لَهُ وعَزَّ مَنَالا
أن يَرَى الفِعلَ في المُحَرَّمِ نَصًّا :: لَم يَجِد فِيهِ لِلحَلاَلِ إحتِمَالا
أو يَرَى القَولَ صَادَمَ الذِّكرَ أو صَادَمَ لِلمُصطفي الأمِينِ مَقَالا
لَم تَفُق لَو تَأمَّلَ المُنكِرُ الأثقَالَ لَكِن لَم يَنظُرِ الأَنقَالا
دَعوَةُ العَالِمِ الحَلاَلَ حَرَاماً :: دَعوَةَ الجَاهِلِ الحَرَامَ حَلاَلا
أيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مَن قَالَ في الشَّيـخِ مَقَالاً لم يَقصُدِ الإِجلالا
حَشَّ مِنَّا حَرباً فَنَحنُ عِيَالُ الشَّيـخِ نَبأى بِأن نَكُونَ عِيَالا
مَن أتَانَا مُجَادِلاً فِيهِ ألقَمنَاهُ صَخراً لَم يُبقِ فِيهِ جِدَالا
وإذَا جَاءَ سَائِلاً صَافي القَلبِ أَجَبنا بِالحَقِّ مِنهُ السُّؤالا
جَنِّبُوا القَولَ فِيهِ لا تَجلِبُوا مَا :: لَم تُطِيقُوا دَفعاً لَهُ حِينَ صَالا
مَن يَقُل فِيهِ قُلتُ فِيهِ وسَدَّدتُ إِلَيهِ مِنَ الهِجَاءِ النِّبَالا
وإذَا مَا أبَى عَنِ الكَفِّ عَنهُ :: قَد أبَى أن أكُفَّ عَنهُ القِتَالا
فَهوَ الشَّيخُ أَحمَدُ المُتَحَلِّى :: بِاتِّبَاعِ الرُّسُولِ صَحواً وحَالا
بَارَكَ اللهُ في الذي حَازَ مِن فَضلٍ وأرقَاهُ والبَقَاءَ أطَالا
وَحَباهُ مِن قُرَّةِ العَينِ مَا يُرضِيهِ حَالاَ مُبَارَكاً ومَالا
وحَبَاهُ الرِّضَا وَصلَّى عَلَى مَن :: حَازَ عَن كُمِّل الأنَامِ الكَمَالا

ويقول محمد ولد أبنُ أيضا:
لَعِبَت بَعدَ ما انقَضَى الرَّيعَانُ :: مِن شَبَابي بِحِلمِىِّ الأظعَانِ
هَجَرَتني أمَامُ فَأَختُلِبَ العَقلُ وذَادَ التَّصبُّرَ الهِجرَانُ
وَعَدتني فَمَا وَفَت وَبَدالِي :: أنَّ عُقبَى عِدَاتِهَا الرَّوغَانُ
ثُمَّ قَالَت ألَمتَ إِذ رُمتَ إنجَازَ وُعُودٍ مِن قَبلُ دَأباً تُخَانُ
لاَ تَلُم في الإخلاَفِ إِنَّ الغَواني :: دَأبُهُنَّ الإِخلاَفُ واللَّيَّانُ
فتَلَظَّت جُدَا النَّدَامَةِ في قَلبي :: وقُلتُ ارتَمَى بي الخُسرَانُ
غَيرَ أني والحَمدُ للَّهِ بالإِيمَانِ مُستَمسِكٌ وذَاكَ أمَانُ
جَازِمٌ أنَّ الأنبَيَاءَ الطًّهَارَى :: مُستَحِيلُ عَلَيهِمُ الكِتمَانُ
بَلَّغُوا كُلَّ مَا به أُمِرُوا ما :: كتَمُوهُ ومَا نَسُوا مَا خَانُوا
لَستُ أحجُو وِردِى -وإن جلَّ عِندِى- :: قَاصِراً عن إدرَاكِهِ القُرَآنُ
وَبشيخي أستَمسَكتُ أحمَدَ قُطبِ الأَرضِ مَن شَأنُه الإِلَهِىُّ شَانُ
مَن لَيَالِى قُدُومِهِ لِلأمَاني :: والمَسَرَّاتِ والهَنَا عُنوَانُ
مَن تَناءى عَنَّا بِهِ الهَمُّ والغمُ وشِيفَت عَن ذِى النُّهَى الأَدرَانُ
لِيَدَيهِ عَلَى العُفَاةِ والأَضيافِ وأهلِي جِوَارِهِ هَطلاَنُ
أيُّهَا الرَّائمُ التَّصَدِّيَ لِلشيخِ أيَقظَانٌ أنتَ أم وَسنَانُ
رُمتَ غَرفَ البَحرِ المُحِيطِ ولَمسَ الشمسِ والهُونَ حَيثُ كَانَ امتِحَانُ
اتّئِد وَانِيًّا فشيخي وَنَى عَن :: أولَيَاتِ الهِمَّاتِ مِنهُ الزَّمَانُ
لَم تَكُن مِن رِجَالِ مَيدَانِ ذَاكَ الشيخِ يُعيِبكَ ذَلِكَ المَيدانُ
إِنَّمَا رُمتَ رَامَهُ قَبلُ أقَوامٌ ولَمَّا انثَنَوا خَزَايَا استَكَانُوا
ثُمَّ دَانُوا واستعصَمُوا بِجوَارِ الشيخِ مِمَّا يَأتِي بِه الحدثَانُ
وَتوَانَوا عَن شَاوِهِ وتَوَلَّوا :: وتَخَلَّوا عَنِ الذي فِيهِ كَانُوا
إِن تَمَارَى في فَضلِهِ الغُمرُ فَالشمسُ تَمَارَى في ضَوئِهَا العُميَانُ
مَا استَخَفَّت وقارَهُ رِيحُ طَيشٍ :: لاَ يُبَالِى مَرَّ الصَّبَا ثَهلاَنُ
نَالَ مَانَالَ فَهوَ وَارِثُ مَن نَالَت بِهِ مُنتَهى العُلاَ عَدنَانُ

مما يقول محمد بن أبنُ في زياراته للشيخ أحمد بن سيدامين

آن يالشيخ أحمل سيد :: آمين انزورك منبعيد
ؤفاثرك بالمدح الا أنشيد :: وامعلگ تيدنيتِ
متيقن فضلك ما انزيد :: لا يمكن ما دنيتِ
تصلح و آخرتِ ذاك فيد :: الله آن بنِّيتِ
شور الل ؤ شورك درت ذاك :: و احسن من ش ظنيت
فالله ؤ فيك ألا إياك :: تتعدل لي منيتِ

يالشيخ أحمد ما فت فت :: ألحگنِ ظرك إلى نشلت
ألحگ سابگ ما فت مت :: لا تغلب جرمانيتِ
روحانيتِ نختير عدت :: تغلبها روحانيتِ
/
وللشيخ محمد عبد الرحمن بن فتًى في الشيخ أحمد بن سيدامين:
سلطان تقوى القلوب اليوم سيدنا :: أبو الفتوح ولي الوقت "أحمد"نا
أستاذنا ومرقينا ومرشدنا :: ودعدنا في نوادينا ومهددنا
فابلغنه سلاما طيبا عطرا :: مع التحية والإكرام من لدنا
وأن من زادنا منه الزيادة أن :: زدناه عهدا على ما كان يعهدنا
وقولنا الحق إنا مغرمون به :: وقولنا ذاك في أهل الدنا ددنا
فما لنا أهلٌ الا ما تخيره :: أهلا ومعهده الميمون معهدنا

وله فيه أيضا وقد سمع أحد واردة المنهل ليلا يقول لرفيقه من هو ابن سيدآمين هذا فإننا لا نعرفه؟:
لك العذر يا من ليس يعرف شيخنا :: فإن رجال الغيب لا يعرفونه
فتى غاب في الله المقدس سره :: وأعرض أعلام المقامات دونه
نعم علم الأعلون أن حاز منزلا :: ولكنهم من بعده يجهلونه !

توفی الشیخ أحمد بن سیدامّین رحمه الله في اليوم الثاني من شهر جمادی الأولى سنة 1363 للهجرة – 1944م، ببلدة (الطبيبات) على بعد حوالى 30 كيلو مترا جنوب شرقی مدينة الركيز عن عمر بلغ ثمانا وستين سنة.
قال الشیخ أحمد بن الأفضل الحسنى مؤرخا لوفاته بحساب نقاط الجمل.
الشیخ أحمد اخو الكمال :: والمجد و السؤدد والأفضال
دعاه شوق ربنا حین أتی :: لليلتين من جمادی خلتا
أعني به جمادى الأولى فاعرف :: والعمر (صح) في جمیل (شرف).

ويقول العلامة الشيخ محمد عبد الرحمن بن أبي بكر بن فتًى في رثاء شيخه الشيخ أحمد بن سيدآمين:
يا شامتا بولي الوقت من وهبا :: كبرى المواهب عند الله فاحتجبا
من قد تزكت به الأنوار فانجذبت :: إليه إذ كان للرحمن منجذبا
ومن تقمص أثواب العبادة في :: درع الرضا المحض إن ناب الخطوب نبا
عبد هو العبد لا يرمى بداهية :: إلا وأمعن في التمكين واقتربا
ومن تردى رداء البذل لا رغبا :: فيما لدى الناس من نفع ولا رهبا
ومن تسربل ثوب العز في حلل :: من التواضع حتى عُدّ في الغربا
ومن تحلى بأخلاق مهذبة :: مثل الجمان ترى من أمرها عجبا
فابرز اللؤلؤ المكنون في صدف :: من المزاح لأرباب النهي الأدبا
الشيخ أحمد من تزري مجالسه :: بالمسك إن فاح والجريال إن شربا
لا تفرحنَ فإن الموت بغيته :: إذ هو حِب إلى محبوبه ذهبا
وما مضى الشيخ حتى صار أكثرنا :: بين المحب ومن والى ومن صحبا
وما مضى الشيخ حتى بان أن له :: قدرا إذا ما أباه الحاسدون ربا
وما مضى الشيخ حتى شوهدت عبر :: منه وأظهر من تمكينه العجبا
وما مضى الشيخ حتى أرسلت كتب :: من المدائن تقفو نحوه الكتبا
وما مضى الشيخ حتى أعملت فكر :: في مدحه واستجادت ذكره الخطبا
وما مضى الشيخ حتى سالت أودية :: من بحره الأعظم المروي لمن شربا
وما مضى الشيخ حتى صار منتسبا :: إليه كل همام معرق نسیا
وما مضى الشيخ حتى ازدان مجلسه :: بالسادة النقباء الغر والنجبا
وما مضى الشيخ إلا بعدما شهدت :: له الأكابر في النادي ومن قربا
وما مضى الشيخ حتى عم أجمعنا :: بالبذل وازدان بالتقوى من انتسيا
فقلّد الدر والياقوت تابعه :: من العباد وأولى الغير ما طلبا
فلا تظننَ إثر الشيخ مقطعا :: ولا تخالنَ أمر الذاهبين هبا
كم من إمام هدى حُمت منيته :: وعاش مذهبه بين الورى حقبا
فلا تظننَ أن الله خاذله :: لأجل شيء على الأحياء قد كتبنا
إن الولي لمعتز بخالقه :: وإن توسط بطن الأرض مغتربا
قد يغمد العضبَ - لا للزهد - صاحبه :: ويدفن الكنز من في الكنز قد رغبا
هذا وقد ترك الآثار شاهدة :: والكتب والذكر والأتباع والعقبا
اصبر قليلا ففي أتباعه عبد :: قد أحرزوا العلم والعرفان والأدبا
بذا جرت عادة الأيام وانسحبت :: والله يجري علينا اليوم ما انسحبا
فلا أضاع له سعيا ولا برحت :: تعتاده رحمات فوق ما طلبا
بجاه أحمد صلى الله بارئنا :: عليه ما لاح دُري وما غربا

كامل الود
 

الربابيات أو (العِـگّـرْ) قصيدتان من أشهر قصائد فن "النقائض" وأكثرها إمتاعا وثراء، وهما بين عالمين علَمين من أعلام أهل هذه البلاد هما: الشيخ محمد عبدالله ولد أحمذيَه، والشيخ محمدو حامد ولد آلّا، تداولاهما يوم كانا في عز الشباب. وكان باعث مشاعرتهما، مشاعرة بين محمدو حامد ولد آلّا، وابن عمه حبيب الله ولد المصطفى الأعمرآشي، ذلك أن محمدو حامد، ذكر له حبيب الله في مكان أثير لديه، فقال: رأيتك يافتية كل آتٍ :: أرادكِ بالكلام تكلّميه كلامك يافُتيّة نظم در :: فأنى بالفخار تُفصليه كلامك يافتية رأس مال :: فأنى للأراذل تمنحيه أمرتك يافتية أمر خير :: بمعروفٍ ورشدٍ فافعليه فإن لم تسمعي بيتًا لماضٍ :: من العرب القديمة فاسمعيه (إذا وقع الذباب على طعام :: رفعت يدي ونفسي تشتهيه) فقامت بينهما مشاعرة، وفي شجون مطارحاتها، ذكر حبيب الله، أحد أجداد محمدو حامد ويدعى "إميجن" وأشار لانتشار هذا الاسم واقتصار تداوله على فئة الموالي (رغم أن ليس في حمولته الدلالية ما يوجهه لهذا الاستخدام؛ فتعني إميجن بالصنهاجية "الرسول") فقال من قصيدة له: ....ما تَسَمَّى "إميجنا" غير مولى.. فرد عليه ابن آلا ردا جاء فيه: جعل ابن الإماء جديَ مولى :: فرماني بدائه وتولى وتواصلت المشاعرة بينهما على هذا المنوال... ثم إن حبيب الله، التقى بمحمد عبدالله ولد أحمذيَه اليوسفي وهم أخواله، فسأله عن أخباره مع صاحبه، وعن آخر ما وصلت إليه المشاعرة بينهما؟ وكانت مشاعرتهما حينها، حديث الشباب من أترابهما، فقال له: كنت أقول ويقول، إلا أنه جاءني بشيء لم أكن أتوقعه ولا أحسب له حسابا فقد عيرني بأمهاتي منكم وأنشده البيت: جعل ابن الإماء... فقال له محمد عبد الله: وما أدراك أنه يقصد أمهاتك منا؟ فقال له: لأن ليس لي أمٌّ إلا منكم، أو أمهاتي الأعمراشيات وهن بنات عمه وما كان ليُعرّض بهن. فحينئذ دبت الحمية في نفس ولد أحمذيه وقال يعاتب ابن آلا قصيدته التي مطلعها: مَغنَى الرَّباب مُرِب جَوْن ربَابه :: أودَى به من بَعد بُعْد رَبابه وبعث بها إليه، فصادفته قد توجه إلى محظرة القاضي الشيخ محمذن فال ولد أحمدُّ فال(يَحيانَّه) التندغي الحِلِّي ليدرس عليه العلوم المُتمات. فأخذتها والدته ميمونه بنت العلامة حامد بن آمزغزن المرأة القوية المطاعة في أحياء جيرانها من الحسنيين، وعممت عليهم طلبا وأمرا بأن لا يبلغوه خبر القصيدة، فهي لا تريده أن يشتغل بجوابها عما ذهب لأجله من التحصيل. فلم يجرؤ أيٌّ منهم على إبلاغه لمكانتها الاجتماعية والدينية. ثم لما كان بعد نحو سنة عاد ابن آلا من المحظرة فعلم بخبر القصيدة ووجد نصها عند والدته، فأجاب في البحر والروي بقصيدته: ربع الرباب بواسِطِ الْألوا به :: آىٌ تكَوّن بعدما ألوى به وهي ثانية العاقرين. فلما تناهى أمرها إلى الشيخ الأكبر الشيخ محمدو بن أحمذيه أرسل إلى ابنه محمد عبد الله وقال له: لقد بلغني تدخلك بين ابن آلا وابن عمه ابن المصطفى الأعمراشيين، وما كان يحسن بك أن تتدخل بين ابني عمومة، وإني أنهاك عن الاستمرار في ذلك وآمُرُك أمرا صارما أن تنفض يديك وتغسلهما من جميع ما بين محمدو حامد ولد آلا وابن عمه حبيب الله ولد المصطفى. فلم يكن للشيخ محمد عبد الله بُدٌّ من طاعة والده، وقد تحسر لمنعه له من الجواب؛ فمكث شهورا دنفا طريح الفراش هما وغما وكمدا. وهذا نص القصيدتين: قصيدة الشيخ محمد عبد الله ولد أحمذيه: مَغنَى الرَّباب مُرِب جَوْن ربَابه :: أودَى به من بَعد بُعْد رَبابه قضَت الروائح والرياح رواحها :: وغدوها لجديده بذهابه ولرَسْمه صرْفُ الزمانِ بصرفه :: نحو البِلَى بذَهابه وإيّابه فتنَكّرتْ أعلامُه وتغيَّرتْ :: منه الرُّبا من بَعدما أربابه لا زال يألَفُه الغمام بمُسبِلٍ :: جَوْن الرباب مُلِثِّه مِرْبَابه تبدو عقائقُه كأنَّ وميضَها :: نَوْءُ المَهيض يَنوء في تَعْتابه إن يستَحلْ مَغنَى الرباب مَآلفاً :: لظِبائه ولهُوجِه وسَحابه فلكَم سُقيتُ بربعه دهر الصِّبا :: خمرَ الصِّبا ورَفَلتُ في أثْوابه أيامَ أهتَصرُ الغُصونَ من الهوى :: دانِي المَقاطِف جَانيًا للُبَابه أختالُ في حُلَل الشباب مظاهراً :: لبُرودِه وأجُرُّ من هُدَّابه ألهُو بأترابٍ أوَانسَ خُرَّدٍ :: وغطارفٍ من غِيدِه وشبابِه لا أختَشي مَضَضَ الصُّدود ولا النَّوى :: يرتاعُ روعِي من نَعِيب غُرابه والوصلُ دانٍ والزمانُ مُسَالمٌ :: ما إن يُخالطُ عَذْبُه بعَذَابه تلك المنازلُ لا يماثلها سوى :: قربِ الهُمَام أخِي المقام النّابِه غـوثِ الأنام إذا الأنامُ أصابهمْ :: عضُّ الزمان بظُفره وبنَابِه مَن عمّ وابلُ جُوده كلَّ الورى :: ممّن نآهُ ومَن أقام ببابه من لا تزالُ يمينُه كَهْفاً لدى :: كفِّ العِدا عمّن أوَى بجَنابه أو راحة لغِنَى العَديم متاحة :: مَهما العديم أوَى إلى أطنابه ترِبت إذا ترِب العُفاةُ وأترَبوا :: من فَيضِ يُمناهُ لدى إِتْرابه إن العفاةَ سُعاةُ ما في كفِّه :: والآنُ حولٌ كاملٌ لنِصابه فلو ابتَغى مما حوتْه يمينُه :: وَفراً يَدومُ لكان من طُلّابه هذا ومَدحُك لا يَفِي قلمٌ به :: يُلْقي مُجَاجَته ببطن كتابه يا خير مَن عَسَف العِتاق به المَلا :: خُوصًا ومَن حُطَّ الرِّحالُ ببابِه لا زلتَ مَنجىً للمُضَاف وملجَأً :: للمُعتَفي ومَناخَ خُوصِ رِكابه ما كان ضرَّكَ لو ثَنيتَ شَبَا الهِجا :: عنّا إلى مَن أمَّكُمْ بسِبابه أمثالُكمْ تأبَى السِّبابَ تكرُّماً :: لا سيما إن يخْلُ مِن أسبابه إنّا إذا أهْدى الكَريمُ لنا الثَّنَا :: خُضْنا به في الشعر لُجَّ عُبابِه وإذا الكريم بسَبِّه قد رامَنا :: فحُلُومُنا فَلَّالَةٌ لذُبَابه والبَدءُ منا إن رماهُ أخُو الهِجا :: بهِجاهُ كان الحِلْمُ ردَّ جَوابه فيصُون منطقه البليغ عن الأذى :: عند الأذى ولعلّه أدرى به فالْزَم هِجاءكَ أو فدَعهُ فإنما :: يَغدُو الهِجا شُؤمًا على أرْبابه ثم الصلاة مع السّلامِ لحِبِّه :: خيرِ الأنام وآلِه وصِحِابه قصيدة الشيخ محمدو حامد ولد آلا: ربع الرباب بواسِطِ الْألوا به :: آىٌ تًكَوّن بعد ما ألوى به آيٌ بها نَسخ الهوى بقُلوبنا :: وحيَ العَذول بنُصحِه وعِتابه ربْعٌ به صَعب الهوى من بعد ما :: كانت مَلاعبُه لرَوْض صِعابه وبه الفتى شرب الهوى من بعدما :: أمسى مَعينُ الوصل فضْلَ شَرابه خُضْنا به بحْرَ الهوى وخَدَتْ بنا :: نُجْبُ المُنَى بهِضابه وشِعابه بَينا نخوضُ بحورَه بسباحةٍ :: ونجُول بين رياضه برِكَابه مُتَرَفِّهينَ على أرائكِ لهوِه :: متَغمدين من الصِّبا بقِبَابه إذ بالنّوى نَعِب الغرابُ وإن رَغا :: جمَلٌ أجاب رُغاءَه بنُعَابه جعلوا العتاقَ على العِتاق وخدّروا :: كلّ الهَوادج من عَتاق ثِيابه فمَضَوا وغُودِر في الديار أخُو الهوى :: حَيرانَ مُشتَكِياً أليمَ مُصَابه فدَعِ الصَّبابَةَ والهوى أسَفاً على :: رَبعٍ تقادمَ عهدُه بشَبابه واذكُر قِلَادةَ جوهَرٍ منظُومَةً :: مِن غَوْص سيد عَصره ولُبَابه نظّام جوهرَةِ البيان يُمدُه :: بحْرانِ يأخُذ كلَّ ما قَذَفا به فسَما وظاهر في المكارم وارتَدى :: للمجد جِلْبابًا على جِلبابه قاد الندى بعِنانه فذَهابه :: بذَهابه وإيَابُه بإيَابه حتّى إذا استولَى على شَأو العُلَى :: وغدا مناطَ النجم من أترابه كشَفَ النقابَ عن المَناقِب فارْتَمت :: غرُّ العَجائب عند كَشف نِقَابه ألْقَى علىّ من المَديح بَراقِعًا :: مَتبُوعَةً بالسَّبِّ في أعْقابه مَنٌّ تعَقّبَه الحِساب ولَيتَه :: مَنٌّ أتى بعد انقِضاء حسابه وإذا رَآه أخُو اللُّوَاح لِظَنّه :: ماءً أراقَ شَرابَه لسَرابه ويكاد يَذهبُ بانبِعاث عِذابه :: في قلْب سامِعِه انتظارُ عَذابِه لكِنْ أذاه يَسُرُّنِي إذ في الأَذى :: قِدماً سُرورُ المَرْء مِن أحبابه أطْرَى وأطنَبَ في امتِداح ندِيِّه :: حِلماً وضَمّ الشعرَ في إطنابه أنى وتزكيَةُ الكريم لنَفسه :: دلّتْ مطابقَةً على إغضَابه أما التفاضل في الدراية ما ادّعى:: من كون ذاك الفضل في أحْسابه فصَوابُه لغْوٌ لدىّ لعلّه :: خبر أتى بالسّلْب معْ إيجابه يا راحِماً شكْوى المُضاف بُعيْد ما :: جلّت وضاق بِه الفَضا برُحابه فجعَلْتَ تُلزمُنى هِجاكَ مَسبّة :: كَيْمَا يَراك الخصمُ من أحزابه من غير نَظمٍ سابق من مُقتضِي :: ذمٍّ ولا مَدحٍ ولا مُتشابه ألزَمتمُ صَوغ الهجاء لمَن يرى :: صَوغَ الهِجا أقصَى مَراتِب عابه لكن يُرى بالطبع دون تَطَبُّعٍ :: خُلُق الحَليمِ بفعْله وجَوابِه هذا وجارحَة الأديبِ مصُونَةٌ :: عما يُفيد النّقصَ في آدابِه أحسنتَ حلمَك بالخِطاب وإنما :: حِلْم الفتى بالصّمْت لا بخطابه فالنطقُ أشأمُ ما يَسود به الفتى :: والصّمت أكْيَسُ للفتى بقِرابه وصلاةُ ربى دائمًا تترى على :: خيرِ الأنام وآلِه وصحابه كامل الود

  الربابيات أو (العِـگّـرْ) قصيدتان من أشهر قصائد فن "النقائض" وأكثرها إمتاعا وثراء، وهما بين عالمين علَمين من أعلام أهل هذه البلا...