الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

 بين يدي (ماڪال طوبى)



كانت السيدة "مريم محمد بُوصٌو" امرأة صالحة، و "تلميذة" للولي الصالح العلامة أحمد للعاقل الديماني، تزوره وتهدي إليه، وذات مرة "زارته" أن يطلب لها الله بأن ترزق بطفل ذكر.
توفي أحمد للعاقل، ودفن في "امبمبَ".
ودار الزمن دورته، ورزقت مريم بوصو طفلا، وسمّته أحمد، فقيل لها من هو أحمد ؟
فقالت أحمد امبمبَ، أي أحمد دفين امبمب، فغلب على الطفل الاسم، أحمد بمبَ.

أبوه، محمد بن حبيب الله، ينحدر من أسرة تكرورية، وقيل من موديات الشرفاء، انحدرت من فوتا، وانقسمت، فذهب جزء إلى جلف، هو سلف الشيخ، وانحدر الآخرون إلى المنتبذ القصي، وهم أهل "مودي نا اللّ".

ولد الشيخ أحمدو بمب، الملقب "بخديم الرسول" سنة 1854م فى مدينة امباكي باوول السينغالية.
لما بلغ سن التعليم، سلّمه أبوه، لخاله محمد محمد بوصو، ثم سلّمه الخال لخاله تفسيرو امباكي اندمب، شقيق جدة الشيخ، وكان يمكث عنده في "امباكي" في الصيف، وفي الخريف يكون في "جلف".
وتوفي تفسيرو وقد بلغ الشبخ "لتجدّن" .. فأكمل على والده، وكانو عند قرية "سالم".
ثم درس العربية على قاضي أمير القرية "مجخت كل"، وكان عالما بارعا في العربية والشعر، وكان يعرض عليه محاولاته الأولى.
وفي قرية "انجانج"، درس على عالم من أولاد ديمان، يسمّى محمد بن محمد الكريم الفاضلي، ويلقّب محمد اليدالي، وأخذ عنه علم البيان وعلم المنطق.
وكان أبوه عالما، وكان يطارحه، ونظم ورقات الإمام السنوسي، "أم البراهين"، وتلقاها والده بالقبول، ثم نظم "الأخضري" و "بداية الهداية" للإمام الغزالي.
وبعد ما تبحّر في كل العلوم، وتضلّع من كل الفنون، وأربى على معاصريه، وبعدما رأى والده ما فيه من العلم والمعرفة، وبعدما تفرّس فيه الولاية والصلاح، ولاّه جلّ أوقات التدريس، وفوّض إليه تعليم بعض الطلبة.

ولما رأى المستعمر الفرنسي رغبة الخلق فيه، وانثيالهم عليه، توجّسوا منه خيفة، فبدأوا يرسلون الجواسيس والعيون، ليكونوا على بيّنة من أمره.

وقد أبلغهم الجواسيس أن الشيخ يدعو للجهاد، وأنه يعد لإنشاء امبراطورية إسلامية، على غرار الشيوخ المتقدمين .. مثل الإمام ناصر الدين، والحاج عمر الفوتي وغيرهما.
وأنه في جمع العدّة والعدد لمهاجمتهم، واستئصال جذورهم .. فتم استدعائه من طرف الفرنسيين.

وبعد ما وصلوا إلى مدينة سان لوي، "اندر"، مركز السلطة ومحل التحكيم، وبعد رفع وخفض وختم وفض، استقر قرارهم على تغريبه، وأجمعوا على نفيه إلى "الجزر الكونغولية".
فلبث الشيخ في المنفى ثماني حجج إلا قليلا، من 1895 إلى 1902م. واضطروا إلى إرجاعه إلى بلاده، ورفعوا الحكم عنه.

إلا أنهم ما لبثو أن حكموا عليه ثانيا بالنفي إلى موريتانيا، فمكث فيها أربع سنوات من م 1903 إلى عام 1907.
ففي يوم الاثنين 19 ربيع الاول 1321 الموافق 15 يونيو 1903 تم استدعاؤه من طرف السلطات الفرنسية إلى "اندر"، فنفي إلى "دگانه"، فتوجه إليها على متن سفينة.
ومكث خمس ليال بدگانه، ثم أرسل الشيخ سيديَ بابَ، مستشاره "شيخُنا ولد داداه"، يطلبه، وقال للفرنسيين إن هذا الشيخ لا يخشى من جهته سوء.
فقالوا: أتضمنه لنا.
فقال: أضمنه.
فسار مع شيخُنا حتى وصلوا إلى بابَ، وهو إذ ذاك مقيم على تخوم إيگيدي.
وكان مخيّم باب لايستقر في مكان واحد، بل يجوب منتجعات الگبلة طلبا للكلأ، وهو أمر لم يعتده الشيخ أحمدو بمب، فشق عليه، فأستأذنهم للرجوع، فأبوا، حرصا على مصاحبته، وللعلة الأولى، وهي وصاة الحكومة.
إلا أن الشيخ صمّم، وهم يعلمون صدقه، فأذنوا له، فباسطهم بالبيت القديم مع تحوير قليل:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا :: ولكن لاخيار مع (الحشيش)
مشيرا لتنسمهم مواطن الكلأ.
وقد لقي الحفاوة من بني ديمان، ومنهم أبناء بيدح عبدالله، وإخوته عند بئر "الصرصارة" وفيهم يقول:
حمدي وشكري لمن كلي به صارا :: له رضى دون سخط عند صرصارا
له ثنائي ورضواني بلا سخط :: مذ قاد لي من بني ديمان أنصارا
لله كلي لدى آبار مكرمة :: منها ارتحلنا وفيها جم من زارا
إن الذين إلى صرصار قد قصدوا :: زيارتي فارقوا دارين أوزارا

وكانت فترته فى المنتبذ القصي ثرية، حيث تواصل مع العلماء والأعيان، فأتاه الناس من كل حدب، ومدحه الشعراء، وتواصل مع علماء بني ديمان، وعلماء إدابلحسن، وأسرة أهل الشيخ سيديا، وعلماء الزوايا.
ومدحه الشيخ سيديّ بابَ بقصائد وقطع، منها قوله ..
الشيخ أحمدُ نعمة أولاها :: هذى الخلائق كلها مولاها
وقوله
إنما الشيخ نعمة أنعم الله بها آية من الآيات

ومدحه العلامة الشاعر محمد الأمين ولد الشيخ المعلوم البصادي، بقوله:
إِليــكَ وإِلا فالنجـائبُ فـي تعـب :: خــديمَ الـذي حلَّـى بحُلّتـه كَعَـب
علـوتَ الـورى كعبـا وحَجّوك كعبةً :: فمـن كـل وادٍ ينسـلون ومـن حدب
فللحج ميقـــاتٌ وحجّــك دائمٌ :: وليـس إلـى شـهري جُمادَى ولا رجب
قطعتُ إليكَ البحر والبحر أنتَ هُو :: وقاطع بحر نحو بحر من العجب
وَجُبتُ من المومات ما اعتيد قطعُه :: ودونـك مومـات النجـائب لم تجب

استحسن الشيخ أحمدو بمبَ الأبيات وقال: سبحان الله، رب رجل بألف، سبحان من ألهمك هذا.
وعندما قال:
قطعتُ إليك البحر والبحر أنتَ هُو :: وقاطع بحر نحو بحر من العجب
قال الشيخ أحمدو بمبَ: وأنت ثالث البحور.

وزاره بابَ ولد حمدي الحاجي، وظل وبات معه في قبة واحدة، وقال باب إنه مكّن الشيخ الزائر من السر، وربما يكون سر الطريقة الشاذلية، لأن بابا بن حمدي كان شاذليا.

ومما يروى، أن زيارة الشيخ أحمدو بمب لبابَ ولد حمدي، كانت في يوم قائظ، فمذق له بابَ لبنا جيدا بماء بارد وسكر، وكان هذا في زمن تضييق الشيخ على نفسه
فقال له: اشرب.
قال: ماكنت أشرب مثل هذا
قال: لماذا ؟ أيضرك من جهة الطب، أم تركته لله مجاهدا لنفسك؟
فقال: نعم، تركته لله.
قال اشرب إذنولم يزل به حتى شرب.
بعد ذلك سئل باب، لِمَ أكرهت الشيخ على الشرب، وماكان يفعل ؟!
قال: لأنه لايريد إلا مخالفة نفسه وإيلامها في الله، حتى صارت تلك عادته، فلم أر شيئا أشد عليه من خرق عادته هذه لله، فعاملته بها، ولكن يبارك له فيها، فإنه يصير بعد أقوى مما كان.

وبعد ذلك بفترة، جاء أحمد ولد باب ولد حمدي إلى الشيخ أحمدو بمب في "انجاريم"، ففرح به الشيخ غاية، وطفق يبالغ في إكرامه، إطعاما وإسقاء ..
فلما وصل من الأشربة إلى "أتاي" .. علم رفيق أحمد، ويدعى "كادي" أنه سيكون أمر جلل، لأن أحمد لايشرب الشاي، ولا يقدر على مخالفة الشيخ، لهيبته، ولحق الضيافة.
فلما همّ الشيخ بمدّ الكأس لأحمد،قال "كادي": إن أحمد لا يشرب "أتاي" ..
فقال الشيخ: يا أحمد، ما بالك؟ أيضرك من جهة الطب، أم تركته لله مجاهدا لنفسك؟
فقال أحمد: نعم تركته لله.
قال: اشرب إذن.
فلما شرب أحمد، ضحك الشيخ، وقال هذه بتلك، فإن والدك فعل بي ما فعلت بك.

وأثناء وجوده مع آل الشيخ سيديا، وجه مهندس التوغل الفرنسي "كزافييه كبولاني" سؤاله المعروف:
عن حكم جهاد المسلمين للنصارى في هذا الزمان هل هو جائز أم لا؟
لأن النصارى لا يتعرضون لهم في دينهم مع قوتهم وضعف المسلمين؟.
وقد أجابه الشيخ باب ولد الشيخ سيدي بما أجابه، وسلم الجواب الشيخ سعد بوه، وقال الشيخ باب حين سلم الشيخ سعد بوه ماكتبه:
إن هذا التسليم يا ناظريه :: أحسن الشيخ فيه سعد أبيه
بان فى نثره الصواب وأما :: نظمه فالبيان قد بان فيه
حاسديه رويدكم قد تعبتم :: قصروا عن مداه يا حاسديه
من يكن من بنى النبي انتسابا :: واتباعا فإنه من بنيه
وانتقاص تشبيه غير شبيه :: فى العلا كلها بغير شبيه

وعرض الشيخان الجواب على الشيخ أحمدو بمب يريدان تسليمه فكتب ما نصه:
"ما كتبه الشيخان متوجه إلي الأولياء والعلماء الذين يكابدون غيرهم، وأما كاتب هذه الحروف جعله الله تعالي باب السعادة والبشارة والمعروف فلم يتوجه إليه شيء من هذا لأنه فرغ من فتن الدنيا والآخرة عام (كسش)، فلولا فراغه من فتن الدنيا والآخرة لأتى بجواب ثالث ولكنه صار ممن قيل فيهم "بل أحياء عند ربهم يرزقون".
كتبه قائله أحمد بن محمد بن حبيب الله عصمه الله تعالي وكان له وتولاه ".

في ليلة المولد 12 ربيع الاول 1325 الموافق 25 ابريل 1907. قرّر الفرنسيون إرجاعه الى وطنه، ونقلوه إلى قرية منعزلة اسمها "جييين"، ومنعوه من مقابلة أكثر من ستة أشخاص يوميا.
ولم ينتهوا منه، بل أقاموه أخيرا إقامة جبرية في مدينة "جربل"، إلى أن أسلم الروح لبارئها سنة 1927.

يقول العلامة المختار ولد المحبوبي اليدالي رحمه الله مؤرخا لوفاته:
وعام (وم) صار نحو القبر :: ذو المكرمات والتقى والصبر
والعلم والحلم والاتباع :: والاطلاع مع طول الباع
عنيتُ أحمد الخديم الأسنى :: نال من الله خصالا حسنى
فُتح من غيب إليه بابُ :: وحُمّلت من مدحه الركاب
وزاره الملوك والقضاة :: ورجعوا ولهمُ مرضاة
كم من جلائلَ له أعطاها :: يحسده حاتمُ لو رآها

كامل الود

الأحد، 2 أغسطس 2026

العلامة النوازلي القاضي محمد بن أواه الأبييري الأعمري



يعد العلامة القاضي محمد بن أواه الأبييري الأعمري من كبار علماء شنقيط في القرن الرابع عشر الهجري، ومن أبرز القضاة والمدرسين الذين جمعوا بين رسوخ العلم، وسعة الرواية، وحسن القضاء، وكثرة التلامذة.

ولد نحو سنة 1314ه/1896م في ضواحي بوتلميت، في بيئة علمية متميزة، ونشأ محبا للعلم، فبدأ طلبه في سن مبكرة.
استهل تعليمه بحفظ القرآن الكريم، فقرأه على خاله همد فال بن ببكر بن محمذن بوبه، ثم أخذ الفقه عن ابن عمه محمود بن ابن عمر.
وبعد ذلك ارتحل بين المحاظر الموريتانية شرقا وغربا، متنقلا بين حلقات العلماء، ينهل من علومهم، حتى جمع الفقه، واللغة، وأصول الفقه، والمنطق، والتفسير، والقضاء، وغيرها من فنون العلم، فغدا من العلماء الربانيين، واشتهر بالتدريس، والإفتاء، والقضاء.

وقد تتلمذ الشيخ محمد بن أواه، على عدد كبير من كبار علماء عصره، من أبرزهم:
همد فال بن ببكر بن محمذن بوبه، وقرأ عليه القرآن الكريم.
محمود بن ابن عمر، وأخذ عنه الفقه.
العلامة المجدد الشيخ سيديباب بن الشيخ سيدي، وقرأ عليه تفسير بعض سور القرآن الكريم، وانتفع به انتفاعا كبيرا.
العلامة يحظيه ولد عبد الودود، وقرأ عليه «الإضاءة» و«لامية الأفعال».
عبد الله العتيق بن ذي الخلال اليعقوبي، الذي أخذ عنه علوم القرآن الكريم، وشعر الجاهليين، وأجازه في اللغة.
العلامة محمد سالم بن المختار بن ألما، وقرأ عليه القواعد الفقهية وغيرها، وكلفه بشرح نظمه «المجتبى في النهي عن الغيبة والربا»، فصنف له شرحا حافلا بالعلوم، أثنى عليه الشيخ أبوبا بن ماهي اليدالي في كتابه «القبس الثاقب في ما لابن ألمّا من المناقب».
العلامة حامدٌ بن محمذن بن محنض بابه، ودرس عليه علم المنطق، ومن ذلك السلم والطيبية وغيرهما.
العلامة الشاعر امحمد بن أحمد يورَه، ودرس عليه علم أصول الفقه، و«جمع الجوامع» لتاج الدين السبكي وغيره، وكان معجبا به لما رأى فيه من علامات النجابة والفتوة.
الشيخ سيد بن التاه بن محمذن بن أحمد بن العاقل الديماني.
الشيخ البشير بن عبد الله بن محمدن فال بن امباريگي بن الفالي اليدمسي، ومكث معه زمنا طويلا.
الشيخ محمذ فال بن محمد مولود، المشهور بالدّدو من أهل المبارك، ولازمه مدة طويلة يدرس عليه الفقه.
الشيخ أواه ولد الطالب إبراهيم التاگاطي، وأقام عنده زمنا طويلا يراجع الفقه ويدرسه ويتدارسه مع غيره.
الشيخ القاضي سيد محمد ولد داداه (الراجل)، الذي أجازه في القضاء على نحو ما في تبصرة ابن فرحون، لأربع ليال بقين من ذي القعدة سنة 1346ه، كما كتب له توكيلا عاما عن جماعة أولاد أبييري في جميع شؤونهم بأرض لبراكنه، وذلك لثلاث بقين من ذي الحجة سنة 1346ه.
الشيخ محمد محمود بن عبد الله بن محمودا، قاضي أولاد بنعمر الحسنيين، وقرأ عليه العاصمية في القضاء، ولامية الزقاق، وأتقن عنده علوم ما يقع بين الخصوم، ثم أجازه في القضاء على نحو ما في تبصرة ابن فرحون، في ثالث ذي الحجة سنة 1346ه.
الشيخ أحمد ولد احمذي، وأكمل عليه تفسير القرآن الكريم.
الشيخ أحمد أبو المعالي بن الشيخ أحمد الحضرمي التاكاطي.
الشيخ سيد بن المختار أم الديماني.
الشيخ إبراهيم بن أمانة الله اللمتوني.
وقد تلقى على هؤلاء العلماء، وغيرهم، مختلف العلوم والفنون، وتبحر على أيديهم حتى صار من كبار العلماء الربانيين، واشتهر بسعة العلم، وقوة الفهم، ورسوخ القدم في الفقه والقضاء.

وممن كانت له علاقة به على حداثة سنه آنذاك، العلامة المجدد الشيخ سيدي باب بن الشيخ سيدي، وهي علاقة وثيقة ومتينة، قامت على التلقي العلمي، والتقدير المتبادل، وحسن الصلة.
وقد قرأ عليه تفسير بعض سور القرآن الكريم، وانتفع بعلمه انتفاعا كبيرا، وظلت هذه العلاقة شاهدة على ما كان يحظى به محمد بن أواه من مكانة عند شيخه.
ولما عاد محمد بن أواه من إحدى رحلاته العلمية التي قادته إلى عدد من مناطق البلاد، سأله الشيخ سيدي باب:
-ماذا تقول فينا الزوايا؟
فأجابه بأن بعض زوايا تلك البلاد يأخذون عليه أربع مسائل:
أولها: قراءته لحرف الضاد بمخرج وصفة يخالفان ما اعتاده أهل البلاد.
وثانيها: أنه يطيل الصلاة، وقد يؤخرها.
وثالثها: أنه لا يساعد في رد من لجأ إلى الفرنسيين من المماليك إلى مواليهم.
ورابعها: أنه هو الذي جاء بالنصارى إلى هذه البلاد.

فقال الشيخ سيدي باب:
«أما أنت فسأجيبك. أما الأولى، فقد رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وأخبرني أن الضاد التي يقرأ بها أهل هذه البلاد ليست فصيحة، غير أني لم أعتمد على المرائي، فبحثت في المصادر والمراجع حتى تبين لي عدم فصاحتها، ثم بقيت أنتظر الرواية حتى شافهني بها أخي وصديقي محمد فال بن بابه.»
ثم قال في أحد كتبه في هذا الموضوع:
«وأما الرواية التي وعِد بها قبل، فهي ما شافهنا به أخونا الأديب العالم الثقة المحقق التقي الشيخ محمد فال بن بابه بن أحمد بيبه العلوي، حفظه الله وجزاه خيرا.»
ثم قال في شأن المماليك:
«أما المماليك، فلم أسع في ردهم؛ لأنهم لم يهربوا من مواطنهم وأهليهم إلا عن سوء معاملة ظاهرة عليهم.»
وقال في مسألة تأخير الصلاة:
«إني أشرع أول الوقت في التهيؤ لها، (وأنتم في صلاة ما انتظرتموها)، غير أني بطيء التهيؤ، كما أني أرى وجوب إقامة الأركان والتلاوة على حالهما، وأن التخفيف المأمور به أمر نسبي، بعيد عما شاع اليوم من الصلاة المفرطة في السرعة.»

ثم أجاب عن الرابعة بقوله:
«وأما دخول الفرنسيين، فلن يكون بي من التوفيق والحظ ما يجعلني أنا السبب في مجيئهم إلى هؤلاء المسلمين المغلوبين، المضطهدين، المعتدى عليهم يوميا في دينهم، وأنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم.» ثم قال بالحسانية: «ما نلحگه من متن العگد.»
وأضاف الشيخ سيدي باب موضحا موقفه:
«وكنت دوما أدعو الله سبحانه وتعالى أن يفرج عنا وعن المسلمين بلاء السيبة المزمن، ولو بمجيء أمة أخرى تبسط سلطانها على هذه الديار، لكني لم أدع الله أن تكون تلك الأمة مسلمة؛ لأن ذلك تقدير سابق من الله سبحانه، إذ لم تكن في ذلك الوقت قوة إسلامية قادرة على إنهاء السيبة في هذه الربوع.»

وتعد هذه المحاورة من أهم النصوص التي تكشف منهج الشيخ سيدي باب في الاجتهاد، كما تدل بوضوح على المكانة العلمية التي كان يحتلها محمد بن أواه عند شيخه، إذ ائتمنه على نقل ما كان يثار حوله من مآخذ، وحاوره فيها بكل صراحة ووضوح.

وأدرك شيوخه نبوغه منذ وقت مبكر، وأثنوا عليه بما يدل على عظيم رجائهم فيه، فقد أعجب العلامة الشاعر امحمد بن أحمد يوره بذكائه ونجابته منذ أول قدومه إليه، واستقبله بقوله:
يا مرحبا بالكامل بن الكامل :: والفاضل ابن الفاضل ابن الفاضل
من أصل جذع العلم دأب نجاره :: نقل العلوم ناقلا عن ناقل
وكفاك تبيينا لصدق مقالتي :: لم يتركن في العلم قولة قائل

فأجابه محمد بن أواه بقوله:
ما في الورى شبه لآل العاقل :: والحق يظهر للبيب العاقل
نقل المكارم صح عن أسلافهم :: نقلوا المكارم ناقلا عن ناقل
ولنا بهم جاد الزمان ولم يجد :: يوما كجودته بآل العاقل

ولما غادر محمد بن أواه شيخه في إجازة، استبطأ عودته، وكان لوحه يومئذ في «المطلق والمقيد»، فبعث إليه امحمد بن أحمد يوره هذين البيتين معبرا عن شوقه إليه:
تجلدت والمحبوب دلى بي اليدا :: وما عادة المشتاق أن يتجلدا
وقيدت دمعي ثم أطلقت بعضه :: فأنشأ يجري (مطلقا ومقيدا)
والمطلق: عرّفه الإمام تاج الدين السبكي بأنه اللفظ «الدال على الماهية بلا قيد» (أي الحقيقة الشائعة في جنسها من غير تعيين وحدود).
والمقيد: هو اللفظ الدال على ماهية معينة «بصفة زائدة» تقيد إطلاقها وتخرجها عن الشيوع إلى التعيين أو التخصيص.

وقد اشتهر هذان البيتان بين الرواة والفنانين، وظن كثير من الناس أنهما من شعر الغزل، بينما حقيقتهما أنهما قيلا شوقا إلى التلميذ النجيب محمد بن أواه.

وقد تخرج على يدي العلامة القاضي محمد بن أواه عدد كبير من العلماء والقضاة والفقهاء، فكان من كبار شيوخ العلم في عصره، وانتفع به طلاب المحاظر، ورواد معهد أبي تلميت الذي كان من العلماء البارزين الذين تولوا التدريس فيه.
ومن أشهر من درس عليه و أخذ عنه:
الطيب بن بلال ادگجملي.
محمد بن ابنُ ولد احميدن الشقروي.
محمد لحوار ولد آبك ادوبرم الأبييري.
محمد زين بن المزادف.
محمد المختار ولد محمذن ادوبرم الأبييري.
أبو المعالي ولد الشيخ محمد.
يسلم بن عثمان.

كما تخرج على يده عدد كبير من العلماء والفقهاء والقضاة الذين يطول ذكرهم،
وانتشر علمه عن طريق محظرته، وعن طريق تدريسه في معهد أبي تلميت، فكان أحد أعمدة التعليم الشرعي في زمانه.

وتدل الرسائل والوثائق المتبادلة بين العلامة محمد بن أواه وشيوخه ومعاصريه على علو مكانته، وعمق الثقة التي كان يحظى بها عند أهل العلم والقضاء.
فقد كتب إليه الشيخ محمد سالم بن ألما رسالة جعل فيها جميع ما يقبل النيابة من شؤون اليداليين بيده، ووصفه فيها بالأخ الصالح، بل بالابن البار، وهو تفويض يكشف عن عظيم ثقته به، ورفيع منزلته عنده.

وكان صديقا حميما للشيخ عبد الله ولد الشيخ سيدي باب، و‌وقف ‌مع أهل الشيخ سيديا موقف النصير المخلص، الذي يؤمن بصدق المحبة للعائلة والمساندة الأخوية لها، بل كان من بين أولئك القلائل الذين قدموا الغالي والنفيس من أجل أن تبقى العلاقات قوية ومتينة، والروابط قائمة ومستمرة.

كما كتب إليه الشيخ عبد الله بن الشيخ سيدي وصية عظيمة وصفه فيها بأنه:
«قاضي العشيرة، والعالم العامل، والساعي في مصالح الناس، وأهل للإكرام».
وكان تاريخ هذه الوصية 14 مارس 1954م.

وكتب له إسماعيل بن الشيخ سيدي: "إنه نائب عنا في كل شيء بيننا وبين من لم يمكنه لقاؤنا من الناس في كلام مفيد غاية.
يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب عام 1371هـ.

وكتب له الشيخ إسماعيل بن الشيخ سيدي يوم الأحد ثامن رجب عام 1373هـ الموافق 13ــ 04 ــ 1954م: أنه هو أكبر معين في جميع ما يقع بين أولاد ابيير وغيرهم من الخصومات في كلام جزل في وصية به مهمة.

كما كتب إليه عدد من القضاة والزعماء وثائق تفويض وتحكيم في الخصومات، اعترافا بعلمه وعدله ورجاحة نظره، ومن هؤلاء:
فالعلامة القاضي سيد محمد ولد داداه (الراجل)، أجازه في القضاء على نحو ما في تبصرة ابن فرحون لأربع ليال بقين من ذي القعدة سنة 1346ه.
كما كتب له توكيل جماعة أولاد أبييري عموما وخصوصا على جميع أمورها في أرض لبراكنه، وذلك لثلاث بقين من ذي الحجة سنة 1346ه.
كما كتب له كذلك أنه يفوضه في قطع النزاع بين من أتاه من مطلق الأبييرية ومن تعلق بها، وأن من رضي بحكمه لزمه قبوله، ولا يجوز له تعقبه أو مخالفته.

أما العلامة لمهاب بن الطالب اميجن، قاضي لبراكنه في ألاگ، والزعيم إهميمد بن سيد أحمد بن ببكر، رئيس أولاد أحمد، فقد أذنا له في فصل الخصومات في ناحيتهم إذا رضي بذلك أهل النزاع، وكتبا ذلك لتسع خلون من جمادى الآخرة سنة 1373ه الموافق 25 فبراير 1954م.

ومن أنفس الوثائق وأرفعها قدرا وصية الشيخ الجليل محمد سالم بن ألما لتلميذه محمد بن أواه، فهي وثيقة تجسد عمق العلاقة التي جمعتهما، وعظيم الثقة التي أولاها له شيخه.
فهي ليست مجرد إذن أو تفويض، وإنما هي تزكية رفيعة، وشهادة عدل من إمام عرف بالعلم والزهد والورع، وبالتحري في الرجال، فلا يمنح ثقته إلا لمن رأى فيه أهلية واستحقاقا.
ومما يدل على مكانة محمد بن أواه عند شيخه أن الشيخ محمد سالم بن ألما كلفه بشرح نظمه «المجتبى في النهي عن الغيبة والربا»، فشرحه شرحا وافيا، حتى قال عنه الشيخ أبّوبا بن ماه اليدالي في كتابه «القبس الثاقب في ما لابن ألمّا من المناقب»: «إنه شرح حافل بالعلوم».

وبلغ الشيخ محمد بن أواه في العلم منزلة كبيرة، واشتهر بين معاصريه بالتميز في الفقه والقضاء والإفتاء والنواازل، حتى لقب بعالم النوازل، لما عرف به من دقة النظر، وسعة الفهم، ورجاحة العقل.
وقد شهد له بذلك كبار العلماء والقضاة في عصره، ومنهم:
القاضي إسماعيل بن الشيخ سيدي.
القاضي محمذ بن محمد فال الأدهسي.
وغيرهما من أهل العلم والقضاء.

وكان معاصروه يرجعون إليه في حل النزاعات القضائية الصعبة، والنوازل الفقهية التي تحتاج إلى عمق في النظر وقوة في الترجيح.
وقال عنه هارون ولد الشيخ سيدي:
«نجح في معرفة القضاء وفي معرفة القواعد نجاحا باهرا، وفتح له في صناعة القضاء فتحا عظيما، وتيسر له فصل الخصوم تيسرا خارجا عن المعتاد.»

ترك العلامة القاضي محمد بن أواه آثارا علمية متعددة، تشهد بسعة علمه، وقوة نظره، وتمكنه في الفقه والقضاء واللغة، كما ترك مراسلات علمية ووثائق قضائية وإجازات علمية تكشف عن مكانته بين علماء عصره.
ومن أبرز آثاره:
«سراج الاعتذار عن السير في ظلام الاغترار».
شرحه لنظم شيخه العلامة محمد سالم بن المختار بن ألما، المسمى «المجتبى في النهي عن الغيبة والربا»، وهو من أشهر آثاره.
فتاوى كثيرة في النوازل الفقهية.
رسالة في القضاء.
كتاب في إحياء الموات.
أحكام قضائية متعددة.
كتاب في الاستلحاق.
أنظام في كثير من المسائل الفقهية.
كما خلف عددا من المراسلات العلمية، والوثائق القضائية، والإجازات، وهي كلها شواهد على غزارة علمه، وقوة شخصيته العلمية، وعلو منزلته بين علماء شنقيط.
وكانت له عناية خاصة بالقضاء والنوازل، حتى أصبح مرجعا في المسائل المشكلة.

كان العلامة محمد بن أواه وفيا لشيوخه وأهل العلم الذين أخذ عنهم، ومن مظاهر ذلك تعزيته المؤثرة في وفاة الشيخ أحمد أبي المعالي، فقد كان صديقه وشيخه ومن خاصته، وجمعت بينهما أواصر المحبة والعلم والوفاء.

كما بلغ محمد بن أواه مكانة رفيعة بين علماء عصره، فكان من أولئك الذين جمعوا بين العلم والعمل، وبين التدريس والقضاء، وبين التحقيق الفقهي وحسن تنزيل الأحكام على الوقائع.
وقد شهد له معاصروه بالبراعة في الفقه، والتمكن من القضاء، والقدرة على الفصل بين الخصوم.
كما كان عالما مربيا، وقاضيا عادلا، ومدرسا متمكنا، ترك وراءه جيلا من العلماء والفقهاء الذين حملوا علمه ونشروه، وبقيت آثاره ووثائقه شاهدة على حضوره العلمي المتميز.

توفي العلامة القاضي محمد بن أواه رحمه الله تعالى ليلة الأحد، 23 شعبان 1403ه، الموافق 04 يونيو 1983م.
فرحم الله العلامة القاضي محمد بن أواه الأبييري الأعمري، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء، وجعل ما خلفه من علم وقضاء وتربية وتعليم في ميزان حسناته.
رحم الله السلف الصالح، وبارك في الخلف.

كامل الود

الخميس، 23 يوليو 2026

الربابيات أو (العِـگّـرْ) قصيدتان من أشهر قصائد فن "النقائض" وأكثرها إمتاعا وثراء، وهما بين عالمين علَمين من أعلام أهل هذه البلاد هما: الشيخ محمد عبدالله ولد أحمذيَه، والشيخ محمدو حامد ولد آلّا، تداولاهما يوم كانا في عز الشباب. وكان باعث مشاعرتهما، مشاعرة بين محمدو حامد ولد آلّا، وابن عمه حبيب الله ولد المصطفى الأعمرآشي، ذلك أن محمدو حامد، ذكر له حبيب الله في مكان أثير لديه، فقال: رأيتك يافتية كل آتٍ :: أرادكِ بالكلام تكلّميه كلامك يافُتيّة نظم در :: فأنى بالفخار تُفصليه كلامك يافتية رأس مال :: فأنى للأراذل تمنحيه أمرتك يافتية أمر خير :: بمعروفٍ ورشدٍ فافعليه فإن لم تسمعي بيتًا لماضٍ :: من العرب القديمة فاسمعيه (إذا وقع الذباب على طعام :: رفعت يدي ونفسي تشتهيه) فقامت بينهما مشاعرة، وفي شجون مطارحاتها، ذكر حبيب الله، أحد أجداد محمدو حامد ويدعى "إميجن" وأشار لانتشار هذا الاسم واقتصار تداوله على فئة الموالي (رغم أن ليس في حمولته الدلالية ما يوجهه لهذا الاستخدام؛ فتعني إميجن بالصنهاجية "الرسول") فقال من قصيدة له: ....ما تَسَمَّى "إميجنا" غير مولى.. فرد عليه ابن آلا ردا جاء فيه: جعل ابن الإماء جديَ مولى :: فرماني بدائه وتولى وتواصلت المشاعرة بينهما على هذا المنوال... ثم إن حبيب الله، التقى بمحمد عبدالله ولد أحمذيَه اليوسفي وهم أخواله، فسأله عن أخباره مع صاحبه، وعن آخر ما وصلت إليه المشاعرة بينهما؟ وكانت مشاعرتهما حينها، حديث الشباب من أترابهما، فقال له: كنت أقول ويقول، إلا أنه جاءني بشيء لم أكن أتوقعه ولا أحسب له حسابا فقد عيرني بأمهاتي منكم وأنشده البيت: جعل ابن الإماء... فقال له محمد عبد الله: وما أدراك أنه يقصد أمهاتك منا؟ فقال له: لأن ليس لي أمٌّ إلا منكم، أو أمهاتي الأعمراشيات وهن بنات عمه وما كان ليُعرّض بهن. فحينئذ دبت الحمية في نفس ولد أحمذيه وقال يعاتب ابن آلا قصيدته التي مطلعها: مَغنَى الرَّباب مُرِب جَوْن ربَابه :: أودَى به من بَعد بُعْد رَبابه وبعث بها إليه، فصادفته قد توجه إلى محظرة القاضي الشيخ محمذن فال ولد أحمدُّ فال(يَحيانَّه) التندغي الحِلِّي ليدرس عليه العلوم المُتمات. فأخذتها والدته ميمونه بنت العلامة حامد بن آمزغزن المرأة القوية المطاعة في أحياء جيرانها من الحسنيين، وعممت عليهم طلبا وأمرا بأن لا يبلغوه خبر القصيدة، فهي لا تريده أن يشتغل بجوابها عما ذهب لأجله من التحصيل. فلم يجرؤ أيٌّ منهم على إبلاغه لمكانتها الاجتماعية والدينية. ثم لما كان بعد نحو سنة عاد ابن آلا من المحظرة فعلم بخبر القصيدة ووجد نصها عند والدته، فأجاب في البحر والروي بقصيدته: ربع الرباب بواسِطِ الْألوا به :: آىٌ تكَوّن بعدما ألوى به وهي ثانية العاقرين. فلما تناهى أمرها إلى الشيخ الأكبر الشيخ محمدو بن أحمذيه أرسل إلى ابنه محمد عبد الله وقال له: لقد بلغني تدخلك بين ابن آلا وابن عمه ابن المصطفى الأعمراشيين، وما كان يحسن بك أن تتدخل بين ابني عمومة، وإني أنهاك عن الاستمرار في ذلك وآمُرُك أمرا صارما أن تنفض يديك وتغسلهما من جميع ما بين محمدو حامد ولد آلا وابن عمه حبيب الله ولد المصطفى. فلم يكن للشيخ محمد عبد الله بُدٌّ من طاعة والده، وقد تحسر لمنعه له من الجواب؛ فمكث شهورا دنفا طريح الفراش هما وغما وكمدا. وهذا نص القصيدتين: قصيدة الشيخ محمد عبد الله ولد أحمذيه: مَغنَى الرَّباب مُرِب جَوْن ربَابه :: أودَى به من بَعد بُعْد رَبابه قضَت الروائح والرياح رواحها :: وغدوها لجديده بذهابه ولرَسْمه صرْفُ الزمانِ بصرفه :: نحو البِلَى بذَهابه وإيّابه فتنَكّرتْ أعلامُه وتغيَّرتْ :: منه الرُّبا من بَعدما أربابه لا زال يألَفُه الغمام بمُسبِلٍ :: جَوْن الرباب مُلِثِّه مِرْبَابه تبدو عقائقُه كأنَّ وميضَها :: نَوْءُ المَهيض يَنوء في تَعْتابه إن يستَحلْ مَغنَى الرباب مَآلفاً :: لظِبائه ولهُوجِه وسَحابه فلكَم سُقيتُ بربعه دهر الصِّبا :: خمرَ الصِّبا ورَفَلتُ في أثْوابه أيامَ أهتَصرُ الغُصونَ من الهوى :: دانِي المَقاطِف جَانيًا للُبَابه أختالُ في حُلَل الشباب مظاهراً :: لبُرودِه وأجُرُّ من هُدَّابه ألهُو بأترابٍ أوَانسَ خُرَّدٍ :: وغطارفٍ من غِيدِه وشبابِه لا أختَشي مَضَضَ الصُّدود ولا النَّوى :: يرتاعُ روعِي من نَعِيب غُرابه والوصلُ دانٍ والزمانُ مُسَالمٌ :: ما إن يُخالطُ عَذْبُه بعَذَابه تلك المنازلُ لا يماثلها سوى :: قربِ الهُمَام أخِي المقام النّابِه غـوثِ الأنام إذا الأنامُ أصابهمْ :: عضُّ الزمان بظُفره وبنَابِه مَن عمّ وابلُ جُوده كلَّ الورى :: ممّن نآهُ ومَن أقام ببابه من لا تزالُ يمينُه كَهْفاً لدى :: كفِّ العِدا عمّن أوَى بجَنابه أو راحة لغِنَى العَديم متاحة :: مَهما العديم أوَى إلى أطنابه ترِبت إذا ترِب العُفاةُ وأترَبوا :: من فَيضِ يُمناهُ لدى إِتْرابه إن العفاةَ سُعاةُ ما في كفِّه :: والآنُ حولٌ كاملٌ لنِصابه فلو ابتَغى مما حوتْه يمينُه :: وَفراً يَدومُ لكان من طُلّابه هذا ومَدحُك لا يَفِي قلمٌ به :: يُلْقي مُجَاجَته ببطن كتابه يا خير مَن عَسَف العِتاق به المَلا :: خُوصًا ومَن حُطَّ الرِّحالُ ببابِه لا زلتَ مَنجىً للمُضَاف وملجَأً :: للمُعتَفي ومَناخَ خُوصِ رِكابه ما كان ضرَّكَ لو ثَنيتَ شَبَا الهِجا :: عنّا إلى مَن أمَّكُمْ بسِبابه أمثالُكمْ تأبَى السِّبابَ تكرُّماً :: لا سيما إن يخْلُ مِن أسبابه إنّا إذا أهْدى الكَريمُ لنا الثَّنَا :: خُضْنا به في الشعر لُجَّ عُبابِه وإذا الكريم بسَبِّه قد رامَنا :: فحُلُومُنا فَلَّالَةٌ لذُبَابه والبَدءُ منا إن رماهُ أخُو الهِجا :: بهِجاهُ كان الحِلْمُ ردَّ جَوابه فيصُون منطقه البليغ عن الأذى :: عند الأذى ولعلّه أدرى به فالْزَم هِجاءكَ أو فدَعهُ فإنما :: يَغدُو الهِجا شُؤمًا على أرْبابه ثم الصلاة مع السّلامِ لحِبِّه :: خيرِ الأنام وآلِه وصِحِابه قصيدة الشيخ محمدو حامد ولد آلا: ربع الرباب بواسِطِ الْألوا به :: آىٌ تًكَوّن بعد ما ألوى به آيٌ بها نَسخ الهوى بقُلوبنا :: وحيَ العَذول بنُصحِه وعِتابه ربْعٌ به صَعب الهوى من بعد ما :: كانت مَلاعبُه لرَوْض صِعابه وبه الفتى شرب الهوى من بعدما :: أمسى مَعينُ الوصل فضْلَ شَرابه خُضْنا به بحْرَ الهوى وخَدَتْ بنا :: نُجْبُ المُنَى بهِضابه وشِعابه بَينا نخوضُ بحورَه بسباحةٍ :: ونجُول بين رياضه برِكَابه مُتَرَفِّهينَ على أرائكِ لهوِه :: متَغمدين من الصِّبا بقِبَابه إذ بالنّوى نَعِب الغرابُ وإن رَغا :: جمَلٌ أجاب رُغاءَه بنُعَابه جعلوا العتاقَ على العِتاق وخدّروا :: كلّ الهَوادج من عَتاق ثِيابه فمَضَوا وغُودِر في الديار أخُو الهوى :: حَيرانَ مُشتَكِياً أليمَ مُصَابه فدَعِ الصَّبابَةَ والهوى أسَفاً على :: رَبعٍ تقادمَ عهدُه بشَبابه واذكُر قِلَادةَ جوهَرٍ منظُومَةً :: مِن غَوْص سيد عَصره ولُبَابه نظّام جوهرَةِ البيان يُمدُه :: بحْرانِ يأخُذ كلَّ ما قَذَفا به فسَما وظاهر في المكارم وارتَدى :: للمجد جِلْبابًا على جِلبابه قاد الندى بعِنانه فذَهابه :: بذَهابه وإيَابُه بإيَابه حتّى إذا استولَى على شَأو العُلَى :: وغدا مناطَ النجم من أترابه كشَفَ النقابَ عن المَناقِب فارْتَمت :: غرُّ العَجائب عند كَشف نِقَابه ألْقَى علىّ من المَديح بَراقِعًا :: مَتبُوعَةً بالسَّبِّ في أعْقابه مَنٌّ تعَقّبَه الحِساب ولَيتَه :: مَنٌّ أتى بعد انقِضاء حسابه وإذا رَآه أخُو اللُّوَاح لِظَنّه :: ماءً أراقَ شَرابَه لسَرابه ويكاد يَذهبُ بانبِعاث عِذابه :: في قلْب سامِعِه انتظارُ عَذابِه لكِنْ أذاه يَسُرُّنِي إذ في الأَذى :: قِدماً سُرورُ المَرْء مِن أحبابه أطْرَى وأطنَبَ في امتِداح ندِيِّه :: حِلماً وضَمّ الشعرَ في إطنابه أنى وتزكيَةُ الكريم لنَفسه :: دلّتْ مطابقَةً على إغضَابه أما التفاضل في الدراية ما ادّعى:: من كون ذاك الفضل في أحْسابه فصَوابُه لغْوٌ لدىّ لعلّه :: خبر أتى بالسّلْب معْ إيجابه يا راحِماً شكْوى المُضاف بُعيْد ما :: جلّت وضاق بِه الفَضا برُحابه فجعَلْتَ تُلزمُنى هِجاكَ مَسبّة :: كَيْمَا يَراك الخصمُ من أحزابه من غير نَظمٍ سابق من مُقتضِي :: ذمٍّ ولا مَدحٍ ولا مُتشابه ألزَمتمُ صَوغ الهجاء لمَن يرى :: صَوغَ الهِجا أقصَى مَراتِب عابه لكن يُرى بالطبع دون تَطَبُّعٍ :: خُلُق الحَليمِ بفعْله وجَوابِه هذا وجارحَة الأديبِ مصُونَةٌ :: عما يُفيد النّقصَ في آدابِه أحسنتَ حلمَك بالخِطاب وإنما :: حِلْم الفتى بالصّمْت لا بخطابه فالنطقُ أشأمُ ما يَسود به الفتى :: والصّمت أكْيَسُ للفتى بقِرابه وصلاةُ ربى دائمًا تترى على :: خيرِ الأنام وآلِه وصحابه كامل الود

 الربابيات أو (العِـگّـرْ)





قصيدتان من أشهر قصائد فن "النقائض" وأكثرها إمتاعا وثراء، وهما بين عالمين علَمين من أعلام أهل هذه البلاد هما:
الشيخ محمد عبدالله ولد أحمذيَه، والشيخ محمدو حامد ولد آلّا، تداولاهما يوم كانا في عز الشباب.

وكان باعث مشاعرتهما، مشاعرة بين محمدو حامد ولد آلّا، وابن عمه حبيب الله ولد المصطفى الأعمرآشي، ذلك أن محمدو حامد، ذكر له حبيب الله في مكان أثير لديه، فقال:
رأيتك يافتية كل آتٍ :: أرادكِ بالكلام تكلّميه
كلامك يافُتيّة نظم در :: فأنى بالفخار تُفصليه
كلامك يافتية رأس مال :: فأنى للأراذل تمنحيه
أمرتك يافتية أمر خير :: بمعروفٍ ورشدٍ فافعليه
فإن لم تسمعي بيتًا لماضٍ :: من العرب القديمة فاسمعيه
(إذا وقع الذباب على طعام :: رفعت يدي ونفسي تشتهيه)

فقامت بينهما مشاعرة، وفي شجون مطارحاتها، ذكر حبيب الله، أحد أجداد محمدو حامد ويدعى "إميجن" وأشار لانتشار هذا الاسم واقتصار تداوله على فئة الموالي (رغم أن ليس في حمولته الدلالية ما يوجهه لهذا الاستخدام؛ فتعني إميجن بالصنهاجية "الرسول") فقال من قصيدة له:
....ما تَسَمَّى "إميجنا" غير مولى..
فرد عليه ابن آلا ردا جاء فيه:
جعل ابن الإماء جديَ مولى :: فرماني بدائه وتولى

وتواصلت المشاعرة بينهما على هذا المنوال...
ثم إن حبيب الله، التقى بمحمد عبدالله ولد أحمذيَه اليوسفي وهم أخواله، فسأله عن أخباره مع صاحبه، وعن آخر ما وصلت إليه المشاعرة بينهما؟
وكانت مشاعرتهما حينها، حديث الشباب من أترابهما، فقال له: كنت أقول ويقول، إلا أنه جاءني بشيء لم أكن أتوقعه ولا أحسب له حسابا فقد عيرني بأمهاتي منكم وأنشده البيت: جعل ابن الإماء...
فقال له محمد عبد الله: وما أدراك أنه يقصد أمهاتك منا؟
فقال له: لأن ليس لي أمٌّ إلا منكم، أو أمهاتي الأعمراشيات وهن بنات عمه وما كان ليُعرّض بهن.
فحينئذ دبت الحمية في نفس ولد أحمذيه وقال يعاتب ابن آلا قصيدته التي مطلعها:
مَغنَى الرَّباب مُرِب جَوْن ربَابه :: أودَى به من بَعد بُعْد رَبابه
وبعث بها إليه، فصادفته قد توجه إلى محظرة القاضي الشيخ محمذن فال ولد أحمدُّ فال(يَحيانَّه) التندغي الحِلِّي ليدرس عليه العلوم المُتمات.
فأخذتها والدته ميمونه بنت العلامة حامد بن آمزغزن المرأة القوية المطاعة في أحياء جيرانها من الحسنيين، وعممت عليهم طلبا وأمرا بأن لا يبلغوه خبر القصيدة، فهي لا تريده أن يشتغل بجوابها عما ذهب لأجله من التحصيل.
فلم يجرؤ أيٌّ منهم على إبلاغه لمكانتها الاجتماعية والدينية.
ثم لما كان بعد نحو سنة عاد ابن آلا من المحظرة فعلم بخبر القصيدة ووجد نصها عند والدته، فأجاب في البحر والروي بقصيدته:
ربع الرباب بواسِطِ الْألوا به :: آىٌ تكَوّن بعدما ألوى به
وهي ثانية العاقرين.

فلما تناهى أمرها إلى الشيخ الأكبر الشيخ محمدو بن أحمذيه أرسل إلى ابنه محمد عبد الله وقال له: لقد بلغني تدخلك بين ابن آلا وابن عمه ابن المصطفى الأعمراشيين، وما كان يحسن بك أن تتدخل بين ابني عمومة، وإني أنهاك عن الاستمرار في ذلك وآمُرُك أمرا صارما أن تنفض يديك وتغسلهما من جميع ما بين محمدو حامد ولد آلا وابن عمه حبيب الله ولد المصطفى.
فلم يكن للشيخ محمد عبد الله بُدٌّ من طاعة والده، وقد تحسر لمنعه له من الجواب؛ فمكث شهورا دنفا طريح الفراش هما وغما وكمدا.

وهذا نص القصيدتين:
قصيدة الشيخ محمد عبد الله ولد أحمذيه:
مَغنَى الرَّباب مُرِب جَوْن ربَابه :: أودَى به من بَعد بُعْد رَبابه
قضَت الروائح والرياح رواحها :: وغدوها لجديده بذهابه
ولرَسْمه صرْفُ الزمانِ بصرفه :: نحو البِلَى بذَهابه وإيّابه
فتنَكّرتْ أعلامُه وتغيَّرتْ :: منه الرُّبا من بَعدما أربابه
لا زال يألَفُه الغمام بمُسبِلٍ :: جَوْن الرباب مُلِثِّه مِرْبَابه
تبدو عقائقُه كأنَّ وميضَها :: نَوْءُ المَهيض يَنوء في تَعْتابه
إن يستَحلْ مَغنَى الرباب مَآلفاً :: لظِبائه ولهُوجِه وسَحابه
فلكَم سُقيتُ بربعه دهر الصِّبا :: خمرَ الصِّبا ورَفَلتُ في أثْوابه
أيامَ أهتَصرُ الغُصونَ من الهوى :: دانِي المَقاطِف جَانيًا للُبَابه
أختالُ في حُلَل الشباب مظاهراً :: لبُرودِه وأجُرُّ من هُدَّابه
ألهُو بأترابٍ أوَانسَ خُرَّدٍ :: وغطارفٍ من غِيدِه وشبابِه
لا أختَشي مَضَضَ الصُّدود ولا النَّوى :: يرتاعُ روعِي من نَعِيب غُرابه
والوصلُ دانٍ والزمانُ مُسَالمٌ :: ما إن يُخالطُ عَذْبُه بعَذَابه
تلك المنازلُ لا يماثلها سوى :: قربِ الهُمَام أخِي المقام النّابِه
غـوثِ الأنام إذا الأنامُ أصابهمْ :: عضُّ الزمان بظُفره وبنَابِه
مَن عمّ وابلُ جُوده كلَّ الورى :: ممّن نآهُ ومَن أقام ببابه
من لا تزالُ يمينُه كَهْفاً لدى :: كفِّ العِدا عمّن أوَى بجَنابه
أو راحة لغِنَى العَديم متاحة :: مَهما العديم أوَى إلى أطنابه
ترِبت إذا ترِب العُفاةُ وأترَبوا :: من فَيضِ يُمناهُ لدى إِتْرابه
إن العفاةَ سُعاةُ ما في كفِّه :: والآنُ حولٌ كاملٌ لنِصابه
فلو ابتَغى مما حوتْه يمينُه :: وَفراً يَدومُ لكان من طُلّابه
هذا ومَدحُك لا يَفِي قلمٌ به :: يُلْقي مُجَاجَته ببطن كتابه
يا خير مَن عَسَف العِتاق به المَلا :: خُوصًا ومَن حُطَّ الرِّحالُ ببابِه
لا زلتَ مَنجىً للمُضَاف وملجَأً :: للمُعتَفي ومَناخَ خُوصِ رِكابه
ما كان ضرَّكَ لو ثَنيتَ شَبَا الهِجا :: عنّا إلى مَن أمَّكُمْ بسِبابه
أمثالُكمْ تأبَى السِّبابَ تكرُّماً :: لا سيما إن يخْلُ مِن أسبابه
إنّا إذا أهْدى الكَريمُ لنا الثَّنَا :: خُضْنا به في الشعر لُجَّ عُبابِه
وإذا الكريم بسَبِّه قد رامَنا :: فحُلُومُنا فَلَّالَةٌ لذُبَابه
والبَدءُ منا إن رماهُ أخُو الهِجا :: بهِجاهُ كان الحِلْمُ ردَّ جَوابه
فيصُون منطقه البليغ عن الأذى :: عند الأذى ولعلّه أدرى به
فالْزَم هِجاءكَ أو فدَعهُ فإنما :: يَغدُو الهِجا شُؤمًا على أرْبابه
ثم الصلاة مع السّلامِ لحِبِّه :: خيرِ الأنام وآلِه وصِحِابه

قصيدة الشيخ محمدو حامد ولد آلا:
ربع الرباب بواسِطِ الْألوا به :: آىٌ تًكَوّن بعد ما ألوى به
آيٌ بها نَسخ الهوى بقُلوبنا :: وحيَ العَذول بنُصحِه وعِتابه
ربْعٌ به صَعب الهوى من بعد ما :: كانت مَلاعبُه لرَوْض صِعابه
وبه الفتى شرب الهوى من بعدما :: أمسى مَعينُ الوصل فضْلَ شَرابه
خُضْنا به بحْرَ الهوى وخَدَتْ بنا :: نُجْبُ المُنَى بهِضابه وشِعابه
بَينا نخوضُ بحورَه بسباحةٍ :: ونجُول بين رياضه برِكَابه
مُتَرَفِّهينَ على أرائكِ لهوِه :: متَغمدين من الصِّبا بقِبَابه
إذ بالنّوى نَعِب الغرابُ وإن رَغا :: جمَلٌ أجاب رُغاءَه بنُعَابه
جعلوا العتاقَ على العِتاق وخدّروا :: كلّ الهَوادج من عَتاق ثِيابه
فمَضَوا وغُودِر في الديار أخُو الهوى :: حَيرانَ مُشتَكِياً أليمَ مُصَابه
فدَعِ الصَّبابَةَ والهوى أسَفاً على :: رَبعٍ تقادمَ عهدُه بشَبابه
واذكُر قِلَادةَ جوهَرٍ منظُومَةً :: مِن غَوْص سيد عَصره ولُبَابه
نظّام جوهرَةِ البيان يُمدُه :: بحْرانِ يأخُذ كلَّ ما قَذَفا به
فسَما وظاهر في المكارم وارتَدى :: للمجد جِلْبابًا على جِلبابه
قاد الندى بعِنانه فذَهابه :: بذَهابه وإيَابُه بإيَابه
حتّى إذا استولَى على شَأو العُلَى :: وغدا مناطَ النجم من أترابه
كشَفَ النقابَ عن المَناقِب فارْتَمت :: غرُّ العَجائب عند كَشف نِقَابه
ألْقَى علىّ من المَديح بَراقِعًا :: مَتبُوعَةً بالسَّبِّ في أعْقابه
مَنٌّ تعَقّبَه الحِساب ولَيتَه :: مَنٌّ أتى بعد انقِضاء حسابه
وإذا رَآه أخُو اللُّوَاح لِظَنّه :: ماءً أراقَ شَرابَه لسَرابه
ويكاد يَذهبُ بانبِعاث عِذابه :: في قلْب سامِعِه انتظارُ عَذابِه
لكِنْ أذاه يَسُرُّنِي إذ في الأَذى :: قِدماً سُرورُ المَرْء مِن أحبابه
أطْرَى وأطنَبَ في امتِداح ندِيِّه :: حِلماً وضَمّ الشعرَ في إطنابه
أنى وتزكيَةُ الكريم لنَفسه :: دلّتْ مطابقَةً على إغضَابه
أما التفاضل في الدراية ما ادّعى:: من كون ذاك الفضل في أحْسابه
فصَوابُه لغْوٌ لدىّ لعلّه :: خبر أتى بالسّلْب معْ إيجابه
يا راحِماً شكْوى المُضاف بُعيْد ما :: جلّت وضاق بِه الفَضا برُحابه
فجعَلْتَ تُلزمُنى هِجاكَ مَسبّة :: كَيْمَا يَراك الخصمُ من أحزابه
من غير نَظمٍ سابق من مُقتضِي :: ذمٍّ ولا مَدحٍ ولا مُتشابه
ألزَمتمُ صَوغ الهجاء لمَن يرى :: صَوغَ الهِجا أقصَى مَراتِب عابه
لكن يُرى بالطبع دون تَطَبُّعٍ :: خُلُق الحَليمِ بفعْله وجَوابِه
هذا وجارحَة الأديبِ مصُونَةٌ :: عما يُفيد النّقصَ في آدابِه
أحسنتَ حلمَك بالخِطاب وإنما :: حِلْم الفتى بالصّمْت لا بخطابه
فالنطقُ أشأمُ ما يَسود به الفتى :: والصّمت أكْيَسُ للفتى بقِرابه
وصلاةُ ربى دائمًا تترى على :: خيرِ الأنام وآلِه وصحابه

كامل الود


 محمدن ولد أبنُ المقداد
(دودُ سك)


هو الترجمان الأديب الحاتمي، "دودُ سك" محمدن ول ابن المقداد.
ووالده هو أيضا الترجمان المختار المسمى "ابن المقداد بن الشيخ عبد الله.
وكثيرا ما خلط المؤرخون بين الرجل ووالده فقد اشتهر الرجلان بلقب ابن المقداد .
فالوالد هو" ابن المقداد" المختار، يقول عنه سيد أحمد بن اسمُهُ الديماني فى كتابه الشهير "ذات ألواح ودسر" متحدثا عن أصل التسمية:
"المختار"ابن المقداد سماه والده السيخ عبد الله على رجل من أهل فاس يسمى (ابن المقداد)، وصل المنطقة بخزنة كتب مهداة من محمد بن عبد الرحمن حفيد مولاي إسماعيل إلى قوم من قبيلة بني ديمان مشيرا إلى أن هذا الفاسي كان يمتاز بالعلم والصلاح".
وهو أحد كبار علماء فاس، وصاحب كتاب (عيبة الشتيت في شرح مغني اللبيب).
وتزامن وصوله مع ولادة المختار سك بن الشيخ عبد الله بن المختار بن عبد الله، فسمي باسمه
وعرف الحاج المختار سك (ابن المقداد الوالد) بالكرم هو واخوته القضاة العدول القاضي عبد الله، وعينينا، وسليمان، وجده لأمه القاضي ورئيس المحكمة الاسلامية في اندر (همت محمد انجاي ان).
فكان محمدن (دودُ سك) سليل أسرة علم وقضاء وترجمة.

ولد (دودُ سك)، محمدن (ول ابنُ المقداد الابن) بمدينة سين- لوي فى 24 سبتمبر1867، وحين بلغ التاسعة أرسل إلي إيگيدي من أرض الگبلة بالجنوب الغربي الموريتاني تلقي العربية ومبادئ الدين ومكث هنالك أربع عشرة سنة تمكن خلالها من حفظ القرآن الكريم وتعلم العربية وأتقن اللهجة الحسانية وعرف أسرارها فأجاد قرض الشعر الحساني والفصيح ، وقد تعلق بأرض إيگيدي كثيرا فقال ذات شوق (في بحر السريع) متذكرا عهوده:
سلم على إيگيدي إن جئته :: وحيه مني على بعده
وقل له إني مقيم على :: ما يعلم الرحمن من وده

كان محمدن ول ابن المقداد يتمتع بشخصية فريدة من نوعها أبهرت أهل عصره وكان صاحب عهد ووفاء كما اشتهر بالكرم والسخاء والفضل فشهدت له بذلك ألسن الشعراء التي ألهمها كرمه.
وذات صدفة في مدينة روصو لقيه مجاده سيديا ولد هدار وقد ضاقت به السبل، فقال :
لِـنوبَ وانَ فالتلوادْ :: الْ لزاقْ أذاكْ الَّ شاقْ
وافذَ جَ ولْ ابنُ المقدادْ :: يلّال مفَكرْ لرزاقْ

كانت مدينة" سين لوي" السينغالية أو "اندر لبيظْ " باسمها المحلي مدينة جميلة معتدلة الهواء تقع حيث "مرج البحرين يلتقيان "، مطلة على المحيط الأطلسي ونهر السينغال.
كانت معتدلة الهواء ،جميلة الدور والشوارع منظمة الحدائق أتخذها الفرنسيون عاصمة لهم، وعاش بها البظان عصرا ذهبيا لايزال حاضرا فى الذاكرة.
وكانت دار ول ابن المقداد تقع في منطقة "سندونَ" في "اندر الأوسط" وتتكون من طابقين يصل بينهما سلم خشبي وكانت قلعة من قلاع الأدب والكرم والهول ومجالس "الفتيان" يقول عنها سيديا ول هدار وكان هو "مجّاد" ول ابن المقداد:
هاذِ الدار إلّ لا إخْلاتْ :: عادت فيهَ لفلوحَ
بيهَ لكَْدام أُلا اتباتْ:: ليله ماهِ مفتوحَ

وكانت بـ"اندر ساعة كبيرة بالساحة العمومية وكانت تدق عند تمام الساعة الثانية عشرة زوالا فيسمعها سكان "اندر" فيعلمون أن ساعة الظهيرة حلت مما يؤذن أيضا أن ساعة الغداء في دار ول ابن المقداد حانت فيهرع الناس إليها فترتجف السلالم الخشبية من الزحام، فيتحلقون حول جفان (مارو والحوت).
و يقول امحمد ول احمد يوره واصفا ذلك المشهد:
كنا إذا ضُربت وقت الزوال "مِـِدي":: لم يلتفت أحد منا على أحد
ترى السلالم فيها القوم طالعة :: ما بين مرتعش منها ومرتعد

ويقول العلامة الشاعر محمد فال ولد عينينا :
إِلى الفَتَى (دُودُ) يَا نِعمَ الفَتَى دُودُ :: أسنَى سَلامٍ كَمَا قَد يَعبَق العُود
تَحِيَّةٌ كَأَرِيجِ المسكِ موجِـبُه :: إنَّ الثَّناءَ على المَحمُود مَحمُود
كأنَّمَا جَنَّة الفِردَوس مَنزِلُنا :: لَدَيهِ كُلٌ منَ الخَيرَاتِ مَوجُود
إِن شِئتَ مَائدةً مدَّت إليكَ وإِن :: تَشَأ كِتَاباً فَكُلُ الكُتبِ مَمدُود
تَحجُو مَوَارِدَه والنَّاسُ وَاردةٌ :: كمَا حَوَى حَرَمُ الوُرَّاد مَورُود
وخَيرُه خَيرُ مَمدُودٍ لَه طَرفٌ :: إذ بَعضُ خير ذوي الخَيرَاتِ مَحدُود

وتصادف هول للفنان لعور ولد انگذي، مع أول زيارة للشاعر الفذ محمد ولد ابنو ول احميدن إلى دار ول ابن المقداد، كان فتى حدثا مغمورا لا يكاد يعرفه أحد قدم مع صديق له ، و كان ولد ابن المقداد يستلقي على أرجوحة توضع له في صالونه وعن يمينه الشاعرالأديب شمّادْ ولد أحمد يوره ، والأديب الوالد ولد القطب ، والولي ولد الشيخ يبّ ، وبعض كبار الأدباء وكان إمحمد ول أنكَذي " لعور"(افنگرِ) تيدينيتو استعدادا لإطلاق شوره الجديد (دزيت امبر)
كان امحمد أعور أصلع قوي الصوت شجيه يقول له أحد الشعراء :
من كان أصلع فليضرب ليطربنا :: و كان أعور فليشدو بما شاءَ
ياليتَ كلّ مغنٍ كان ذا صلع :: أوكانت العين عينا منه عوراءَ

ويقول فيه البيضاوي الجكني المعروف ب (باشا تَارُودانِتْ)
لَعَمرِي لقد خُضتُ القُرَى مِن كُناكِر :: وَجَاوزتُ أرضَ الصَّينِ بعد الجزائِرِ وبالمغرِبِ الأقصَى دِيارِى ومنشئِي :: وسامرت أربَابَ الغِنَا والمزامِرِ
فماسمِعَت أذنِي ولم يَرَ ناظِــرِي :: كذَا الأعور المشهُورِ عن كل شاعِرِ

وفي ذلك المجلس أخبر لعور الحضور أن لديه شورا جديدا يسمى "دزَّيتْ إمبرْ" لم يعزف من قبل وبدأ يشدو به فشحذ أداءه وصوته العذب ملكة الشعر من لمغنيين لكبار، فافتتح كبيرهم محمدن ولد ابن المقداد السجال بهذا الكاف:
إمْبِرْ إلِّ كالْ الْمَجّادْ :: بُوصَلْعَهْ بُوخَزْرهْ مِن زِرْ
ذَاكُو كِيفْ إمْبرْ إلَعَادْ :: إلِّ لاهِ ينْگالْ إمبرْ

بعد ها قال شماد ولد أحمد يورة :
النّاسْ إلَ گالِتْ بَاجْنَاسْ :: عَنّكْ تگدرْ تُحامِـرْ فُـرْ
ذاكْ ألاَّ كَولْ النّاسْ النّاسْ :: إتْمَشِّ لگوَارِبْ فِالْبِـرْ

وقال الوالد ولد القطب :
إمْخَمَّمْنِ فأمرْ الْغَيْدَاتْ :: عَوْدانِ نافدْ گدْ إشْبرْ
وألاَّ نِكْبِرْ والطَّافِلاتْ :: گذَّ گذَّ وحْـدَ تكْبـِرْ

فخاطب ولد ابنو ولد احميدن لعور من طرف المجلس وكأنه يستاثر به دون غيره گول:
شاعِرْ فالْهَولْ إمْعاكْ إتْلَ :: إيْعودْ إفزرْ أوْ عِتْ إفْـزِرْ ذ
اكْ الزِّرْ إمْنْ الهولْ إخْلَ *** ؤذاكْ الزّرْ إمنْ الهَوْلْ إعْمِرْ

التفتت إليه الأعين، وجلس ول ابن المقداد على أرجوحته كمن داهمه خطب قائلا: ذاك گافْ فيؤمن له شماد: نعم ذاكْ گافْ قطعا!

وجاء دور الولي ولد الشيخ يب الذي جعله حظه كمندوب يتصدي لهذا الزائر الجديد الشرس إلى عالم الإبداع فقال كمن يمتحن قدرات متسابق:
حَدْ إمگاطِعْنِ گاطِعْنِ :: لمْگاطِعْنِ گطّاعْ إجْدِرْ
مايِگدِرْ حَدْ إيْگاطِعْنِ :: أبْدَ مَا يِكَدِرْ مَا يِكَدِرْ
فقال ولد ابنو وقد أدرك ملمح الوالد في الگاف، فقال كمن يريد ان يحسم المباراة من أول جولة ملمحا لحادثة اجتماعية تخص الولي ولد الشيخ يب:
باعِدتْ الشَّلاتْ أُوذَ فاتْ :: مِنْ عَندْ إجْدرْ لِجْدر لِجْدرْ
وإيگدْ إتْبَاعِيدْ الشَّلاتْ *** يَصْلحْ وإيگدْ أفْطَنْ يِخْسرْ

فسكت الولي رافعا الراية البيضاء في وجه هذا المغمور الذرب، فأردف ولد ابنو كمن يعلن انتصاره على سدنة لغن أو كمن يذيع البيان الأول متربعا على عرش سلطانه:
نَعْرَفْ لِغْنَ كِنْتْ إبْلَمْلاسْ :: مانكبرْ عنُّو مانِسْغِرْ
أوُگلَّلْتْ انْدُورْ إنغِرْ النّاسْ :: گلِّتْ لِغْنَ للناسْ إتْغِرْ

وتوالت سهرات لعور ول انگذي، في دار أهل ابن المقداد يسقي القوم من هوله صافية لا للسلاف ولا للورد رياها، وذات سهرة غني (شور) يسمى (ابسينو)، فقال له سيديا ول هدار:
حالف حلفه ما تنجحد :: عني نختير ابسينو
أول لاهي يحلف زاد حد :: يكون اعل يقينو

وقال محمدن ول ابنُ المقداد
مخالگ حد اليوم حي :: يحلف عنو فمدينو
شاعر كيفت ول انگذي :: ما كفر عن يمينو

زقال القاضي اميي:
حد اليوم ابذل قوتو :: فجبير البيه اشطينو
ما تنشاف اعل امروتو :: أولا تنشاف اعل دينو

وثنّى عليه ول ابنو المقداد، بگافه الحاسم:
لعور حسّو يحد عام :: لول شاحنت افزينو
لعور راعيه اليوم، وامْـ :: شِحان افلعور عينو

وهومعنى المثل العربي: إنَّ الجوَادَ عَيْنُهُ فُرَارُهُ.
وقول المتنبي:
وتسعدني في غمرة بعد غمرة :: سبوح لها منها عليها شواهد

أي: أيها المجادل في حسن صوت الأعور، ها هو الأعور أمامك.

وفي رحلة لول أبنو المقداد مع المستكشف الفرنسي ابلانشو سنة 1900 إلى أطار، تم أسرهما فرسان من إديشلي، وتم جلبهما إلى زعيم القوم وتصادف ذلك مع حفل فني أنعشته إحدى الفنانات، وحين غنت نحية قال لها محمدن گولي:
وكتن ماريت ال يحجلِ :: واهل في الگبلَ بعدونِ
وجهتلكم ييديشلِي مولان باطل كمّونِ
فنزع القوم وثاقه فقال: لايُسلم ابن حرة زميله، فنزعوا الوثاق عن زميله الفرنسي.
وقد كان صاحب عهد و وفاء فتعلق بأهل آدرار كثيرا بعد تلك الحادثة حتى إن البعض قال بأن سبب وفاته "طلعة " أرسلها للأمير سيد أحمد ول أحمد العيده يحذره فيها من غدر المستعمر فوصلت الطلعة إلى المستعمر، فدعاه الفرنسيون لوليمة مسمومة كانت سبب موته.

وقد ربطته علاقة وطيدة بالأمير سيد أحمد ولد أحمد العيدة أيام كان الأخير أسيرا في اندر.
ومن سرعة بديهة الأمير سيد أحمد، أنه كان رفقة الترجمان الأديب محمدن ولد ابن المقداد (دودُ سك) فوق صالة أهل محمد لحبيب سائرين من (إندَرْ لبيظ) متجهين إلى (آگميني) فرأى الأمير على تخوم لسان البربرية (Langue de Barbarie) دخلة ذات نخيل فظنها وادا، فأنشأ:
إتشايير انخلْ هذا الوادْ
فيقول ولد ابن المقداد: سيد أحمد هاذِ دخلَه ماهِ واد
فيقول الأمير بسرعة بديهة عجيبة:
ول زادْ الدخلَ لعادْ
ماهُ وادْ إزيدْ التگفاد :: يسوَِ گد إلّ واقعْ فيه
ءُ هاذ لرياح إلّ تتراد :: زاد اعليه إمن إلّ إغليه
غيراصّ فم ابلد معهود :: ماهُ ذ لبلد عالم بيه
إيل ما كرّه فيه اعود :: ما لاهِ بعد إنسّي فيه

كما كان صديقا للأمير عبد الرحمن ولد اسويد أحمد (الدان)، وكان يساجله، وكان للدان رفيق أعور أخبر محمدن بأن الدان ربما مر على كورية يعرفها محمدن، فقال له ذات هول مداعبا بتورية بديعة:
گارظلي في العراد :: ذا الخلق إلّ نجبر
أكارظلي فيها زاد :: ذاك ا(لراجل لعور)، كلمة كلمتين

فأجابه الدان:
لا لوصت ابلوصه :: هذا زامل لكور
يعملني نُكَوصه :: أيعملني نصندر

فقال محمدن:
حكمك هك افوَكرك :: يالدّان، ؤهاذَ اندر
هذا ماه بحرك:: هذا لبحر لخظر.

وكان ول ابن المقداد من شدة كرمه يحضر بنفسه توزيع الطعام في الجفان وكان يأخذ لقمة كل جفنة ليتأكد من جودة الطعام وأصبح المثل الشعبي يقول "لقمة ول ابن المقداد".

وتدور المساجلات ويتعاقب الأمراء والأعيان والشعراء والمطربون على "الدار إلّ لاإخلاتْ" :
ويجيئ إبّفال ول محمادو ويقول إِبَّفالْ إطلع زينات يمدح بها محمدن ول ابن المقداد،أعجبتْ سيديا ول هدار فقال:
كَالْ ابَّفالْ إمنْ التمْجاد :: شِ زيْنْ إلْولْ ابنْ المقداد
وَ أَلاَّ هُوَّ نظمْ المرادْ :: يَلاَّلِ مزْيَنْ ذَ إلِّ گالْ
إبَّفالْ أُيَلاَّلِ زادْ :: مّصْدَقْ ذَ إلِّ كالْ إبَّفالْ
ويجد ابفال في دار ول ابن المقداد صوره للأمير أحمد سالم ول ابراهيم السالم فيكتب على ظهرها:
وصف أحمد سالم گال حدْ :: عنُّ شافُ ب اخلافُ
وصف أحمد سالم ما ايگدْ :: حـد إگولْ انُّ شـافُ

ويقول وابن المقداد وهو شيخ :
يكطعْ بيكْ إنتَ يالشيطانْ :: مَذالكْ عايدْ لِ وحْلَ
شدُّورْ إفْشيْبانِ سُودانْ :: ما يتْمَلَّكْ زَغْبَ كَحْلَ

كان إبن المقداد رحمه الله قامة أدبية فريدة من نوعها وكان بيته قلعة من قلاع الكرم والأدب فلم يبقى شاعر في عصره إلا و ترك له أبيات من الشعر أو كيفان من "لغن" يتردد صداها في كل مكان حاملة اسمه الذي صار مثلا للكرم والسخاء.

توفي رحمه الله سنة 1943، ودفن في مقبرة (انخل بَنبَتُور) حيث يرقد آباؤه وإخوته، ويقول عن ذات الموضع ذات زيارة:

نِبغِ عِتْ انشوف بَلّ :: وانشوفْ أكَرفات بَّل
وانشوفْ انبُيُوه تَلّ :: وأبْدِنْ و أبْجَهُوصْ
وانْخلْ بَنبَ تـُورْ ذلّ :: بالعزَه مخصوصْ
تشواشِ ما گط جانِ :: عنْ گدُ مَنگوصْ
واطرالِ تشواشْ ثانِ :: ماهُ ذاكْ إحوصْ

كامل الود

الخميس، 23 أبريل 2026

 سيدي أحمد ولد سيديا التندغي الشگاني
البطل المُغيَّب





في المغيّب أو المسكوت عنه في التاريخ، حيث تخفت الأسماء التي لم تُنصِفها السرديات الرسمية، يبرز اسم سيدي أحمد ولد الشيخ ولد سيديا التندغي الشگاني بوصفه واحدًا من أولئك الرجال الذين صنعوا الحدث وبُنِيّ فعلهم للمجهول.
شخصية جمعت بين روح المقاومة وصلابة الموقف، وبين الحضور الاجتماعي الوازن والفاعلية الاقتصادية، فكان نموذجا مركبا لرجل دولة لم يتح له أن يدون في صفحاتها كما ينبغي.

ولد سيدي أحمد في الأول من مايو سنة 1929 بمدينة سين لوي (گت اندر)، في السنغال، في بيئة متعددة المشارب الثقافية والاجتماعية، لأب هو الشيخ ولد سيديا الشگاني، وأمٍ ولفية هي "مور افّال" من نبيلات المدينة "امنات اندر".

لم يلبث أن عاد به والده إلى مرابع أهله بعد فطامه بقليل، حيث نشأ في كنف عمته "لميمة"، متشبعًا بقيم البادية وأعرافها، وقد كانت لقبيلته إشگانن
رحلة الشتاء وتنتهي عند السمسيات والبظيات جنوبا، ورحلة الصيف وتنتهي في تيارت الحسيان، وعادة ما يكون موسم الخريف قي منطقة انتيدبان. فترحل مع قومه في جميع ربوع آفطوط الساحلي.

درس في محظرة لمرابط المامي ولد أباب، متلقيًا علوم القرآن والفقه واللغة، وهي النواة التي صاغت وعيه المبكر وشخصيته المتزنة.
وفي سياقٍ تاريخي كانت فيه البلاد ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي، تشكّل وعيه السياسي على نحو مبكر، متأثرا بمحيطه الأسري والعشائري المناوئ للاستعمار، حيث عرفت قبيلته إشگانن بمواقفها الصلبة في مقاومة الهيمنة الفرنسية، وكانت من أشد المقاومين للاستعمار عسكريا وثقافيا، وانخراط كثير من شبابها في حركة النهضة، وفي تصويت السكان بـ لا في استفتاء تقرير حق المصير 1958(وَيْ ونون).

عاد سيدي أحمد إلى السنغال بعد أن طُلب للتجنيد، كان قوي البنية وعرف بين أقرانه بـ(متن اذراع)، وقد حدث أن تغيب أيام خدمته العسكرية، فأمر قائده الفرنسي أربعة جنود افارقة بضربه.. فأوسعهم ضربا بكل سهوله.. فأمر أربعة آخرين .. وهكذا... وفي المرة الرابعة ضربه أحد الأربعة فسقط أرضا.. فماكان من الفرنسي إلا أن أمر الجميع بالتوقف.. واعفاه من عقوبة الحبس.
وبعد أن خدم سنتين في الجيش الفرنسي بالسنغال، عاد إلى موريتانيا وبدأ مشوار حياته الاحتماعية والسياسية.

درس نظاميا عبر المراسلة في السنغال، وحصل على ديبلوم يعادل البكالوريا، وكان ضليعا في اللغة الفرنسية، شأنه شأن والده الشيخ، وعمه المصطفى اللذين درسا في المدارس الفرنسية.

ومع نهاية خمسينيات القرن الماضي، انخرط سيدي أحمد في صفوف الحركة الوطنية، فكان من أبرز النشطاء في حزب النهضة، ذلك التنظيم الذي رفع شعار الاستقلال الكامل ورفض كل أشكال التبعية.
لم يكن انخراطه في العمل السياسي شكليا، بل اتخذ طابعا نضاليا مباشرا؛ إذ شارك في عمليات مقاومة ضد الوجود الفرنسي، وتعرض للاعتقال أكثر من مرة، متنقلًا بين سجون نواكشوط وامبود.
وقد عرف بجرأته وإقدامه، حتى غدا اسمه مرتبطا بأعمال رمزية جسدت روح التحدي في وجه المستعمر.
ومع اقتراب فجر الاستقلال، دخلت البلاد مرحلة إعادة التشكل السياسي، حيث شهدت سنة 1961 ما عرف بالطاولة المستديرة، التي أفضت إلى توحيد القوى السياسية في إطار حزب الشعب.
شارك قادة النهضة في هذا المسار، وإن ظل التوتر قائما بين رؤى الاستقلال الكامل وبين استمرار النفوذ الفرنسي.
في هذا المؤتمر تمت المصادقة على دستور 1961م ودخل بوياگي ولد عابدين الحكومية كأول وزير للنقل والبريد والمواصلات.
عين بوياگي زميله سيدي أحمد ولد الشيخ ولد سيديا مديرا للنقل لما يعرف فيه من الصدق وبعد النظر والديناميكية، ومما يحسب للوزير ومدير نقله تأسيس الخطوط الجوية الموريتانية، ومحاولة كسر احتكار شركة لاكومب (Lacombe) الفرنسية للنقل البري في موريتانيا، لكن رؤيتهما المتقدمة للاستقلال الكامل اصطدمت بواقع معقد من التوازنات السياسية، فقدم بوياگي سنة 1963 استقالته واستقال معه مدير النقل سيدي أحمد ولد الشيخ ولد سيديا.

إلى جانب مساره السياسي، برز سيدي أحمد كوجه اجتماعي مرموق في نواكشوط، ومن أوائل من سكنوا حي لكصر، حيث كان منزله ملتقى للناس، ومأوى للوافدين، وعنوانا للكرم والمهابة، وقد جمع بين الحزم في الموقف واللين في المعشر، فحاز احترام محيطه وهيبته في آن واحد.

كما لم يكن بعيدًا عن مجالات الاقتصاد والإنتاج، إذ انخرط في الأعمال الحرة، واهتم بالزراعة في وقت كانت فيه المبادرات الفردية نادرة.
كا ن عمه المصطفى ولد سيديا، من أوائل رجال الأعمال الذين خدموا الوطن، من خلال مشاريع زراعية رائدة فكان له نخلٌ قرب أول محطة للوقود في نواكشوط قرب المسجد العتيق (ابن عباس) في موضع يعرف بانخيل ولد سيديا، كما كانت له مزرعة بها نخيل وأعناب، وتزرع فيها الفواكه من أصناف شتى في وادي (انْكِلّيدَه) شرقي نواكشوط شمال تن اسويلم، ونالت المزرعة أعجاب الرئيس المختار ولد داداه حين زارها صحبة وفد أوروبي ووقعت للمصطفي فيها قصة طريفة مع مريم داداه.

وقد حذا سيدي أحمد حذو عمه فاهتم بالزراعة في ملزم "الگيرع"، كما كان من أوائل من التفتوا إلى إمكانات الزراعة في شمامة، وتظهر سيرته في هذا المجال روح المبادرة والاستقلالية، رغم ما واجهه من عراقيل، بعضها ذو طابع سياسي.

وتكشف إحدى محطاته البارزة عن صلابته وإصراره؛ حين تعرّض لعملية احتيال في صفقة تجارية دولية، فاختار أن يلاحق حقه بنفسه، مسافرًا إلى سوريا، حيث استطاع بجهوده الخاصة استعادة جزء من أمواله، في واقعة تعكس قوة شخصيته وقدرته على فرض حضوره حتى خارج حدود وطنه.

ففي سنة 1976 دخل سيدي أحمد صفقة توريد مع تجار سوريين لتوريد باخرة من الخراف من موريتانيا إلى سوريا، وبعد العملية قطع السوريون المحتالون صلتهم به، فقرر الذهاب إلى سوريا لاسترجاع أمواله.
خاطب وزراة الخارجية لمساعدته لدي نظيرتها السورية فلم تستجب، وبعد وساطات عائلية وصل الأمر للوزير حمدي ولد مكناس الذي أسر للقوم بأن هناك أوامر عليا بعدم تسهيل أي إجراءات تتعلق بسيدي أحمد!

وبجهوده الخاصة وكان قوي العزيمة وصل سيدي أحمد إلى سوريا، وقابل وزير داخليتها مبرزا له الوثائق كلها المتعلقة بالصفقة وأسماء الأشخاص.
كان ذلك صباحا وفي المساء استدعاه الوزير ووجد لديه الأشخاص مقييدين.
توصل مع عشائرهم لحل وسط استعاد به بعض أمواله، لكن السؤال الأهم لديه كان: كيف تم القبض على الأشخاص بهذه السرعة؟
أجابه الوزير: لدينا نظام أمني هرمي نستطيع من خلاله إحضار أي شخص من خلال العشيرة والبلد والفصيلة، وكأنه يشبه نظام الهياكل في حكم هيدالة.

وعلى الصعيد الاجتماعي و الثقافي، كان سيدي أحمد صاحب ذائقة أدبية رفيعة، متمكنًا من الشعر بشقيه العربي والحساني، ومرتبطًا بعلاقات وثيقة مع رموز الفن والأدب، وله علاقات وطيدة مع أسرتي أهل انگذي وأهل الميداح.
وقد خلدت بعض المواقف الطريفة حضوره في هذا المجال، لتدل على مكانته وتأثيره، فذات هول للفنان محمد عبد الرحمن ولد انگذي (حمّه) رحمه الله، غصّ الحفل بالمدعوين فلم يجد سيدي أحمد سبيلا للولوج، فكتب گافا في ورقة وأعطاه لمن يوصله للفنان حمّه:
لاريت أمنادم متعكرد :: گافُ في اللّامة، وازكٌيّ
شُكٌاني بُراص امشكرد :: مستخظر لِمّو كورية
حين قرأ حمّه الگاف أوقف الهول وقال: خلّو سيد أحمد ذاك ولد الشيخ ولد سيديا، يدخل جاي.

تزوج سيدي أحمد تزوج ابنتَ بنت عبد الفتاح من أهل سيد المژدف (تندغة)، وتزوج بعدها اخديجة بنت ببكر من لعلب (أولاد امحمد)، تزوج بعدها من زينب وَنْ ابنة إبراهيم ون أول مديرا لهيئة البريد والموصلات.

كان رجلا ذا أنفة ومروءة راجح العقل قوي البنية، وطنيا قوميا، سمى أحد أبنائه على صديقه الزعيم بوياگي ولد عابدين، وآخر سماه باسم الزعيم جمال عبد الناصر.

كان واسع الاطلاع وله استشرافاته دقيقة لدرجة أن أغلب معارفه كانوا يسشيرونه في أمورهم من المحيط الاجتماعي ومن خارجه
ويقول بعض لِداته إن كافة الاستشرافات التي أخبر بها تجاريا وسياسيا شاهدوها بعد رحيله، منها مايتعلق بالعمل على ملكية ارض نواكشوط
والاندماج في السياسة والتمدرس وغير ذلك.

وتوفي رحمه الله يوم الجمعة 16 شوال 1402هجرية، الموافق: 6 أغسطس 1982ميلادية، بعد حياة حافلة بالعطاء، تاركا وراءه أثرا عميقا في ذاكرة من عرفوه، وإن لم يحظ بما يستحقه من توثيق وإنصاف.
يقول صديقه الفنان الكبير الحضرامي ولد الميداح:
ياربي ترحم يالرحيم :: ول الشيخ الماكيفو حد
والطف بالناس فذى الحريم :: ياربي عاكب سيد أحمد

وقد رثاه كوكبة من العلماء والشعراء، ويقول العلامة القاضي أحمد شيخنا ولد أمات من قصيدة في رثائه:
ولهٌ أصاب القلب لم يتوله :: مهلا له رحمى لمن يتوله
لخسوف بدر غاب عن أبصارنا :: فتحركت اكبادنا جزعا له
يابدر إن عيوننا ونفوسنا :: نضاخة من برح ذكرك وُلَّه
يا من إذا هتف المنادي مسمعا :: والرعب يأخذ في القلوب محله
كنت الغياث لخائف ولطامع :: فالكل تحميه وتحمل كَله
يا حصننا عند الخطوب وقطبنا :: يامن حويت المجد أجمع كله
إن افتقادك في الزمان لعثرة :: ما كان يكبو مثلها فعلن له

إن سيرة سيدي أحمد ولد الشيخ ولد سيديا التندغي الشگاني ليست مجرد حكاية فرد، بل هي جزء من ذاكرة وطن، ومن مرحلة تأسيسية لم تُكتب بعد بكل تفاصيلها. وهي تطرح سؤالا ملحا: كيف تسقط مثل هذه الشخصيات من سجل التاريخ؟ أهو الإهمال، أم الانتقاء، أم ضيق الرواية الرسمية؟
أياً يكن الجواب، فإن إعادة الاعتبار لهذه القامات ليست ترفا معرفيا، بل واجب أخلاقي وتاريخي، فالأمم التي لا تنصف رجالها، تفرّط في جزء من ذاكرتها، وتخاطر بتكرار نسيانها. لقد آن الأوان لأن تعاد كتابة هذه السيرة كما ينبغي، لا بوصفها مجرد ذكرى، بل باعتبارها درسا في الوطنية، والكرامة، والإصرار على الفعل.

كامل الود

الاثنين، 6 أبريل 2026

 الأنشاد


ذات درس تحدّث الإمام الأكبر بداه ولد البصيري برّد الله مضجعه عن الهول، وزين الحس، وجواز هول الرجل للرجل دون آلة بلا خلاف، وقال:
"نعرف النّشادَه زينين احسوستهم يأتون للحواضر والمحاظر فينشدون وليس بالضرورة أن يكونوا من إيگاون"
وفهمت من كلامه أن الإنشاد كان مهنة يمارسها إيگاون، كما يمارسها الفتيان إل زينين احسوستهم والمجاذيب وأكثر ما يكون إنشادهم في مدح النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن كبار المنشدين ماء العينين بن أحمد الجد الحسني اليوسفي، وكان معروفا بنداوة الصوت وعذوبته، يقول فيه الشيخ أحمدو ولد أحمذي:
إنَّ ماءَ العيونِ أجراهُ منَّا :: بغِناه الحسينِ "ماءُ العيون"
ما رَأينَا مُغنِّياً قطّ أجرى :: قبلَ "ماءِ العيونِ" ماءَ العيونِ
ومنهم لبيظ، يقول فيه لمرابط امحمد ولد أحمد يوره:
قلّلَ الأبيضُ المغنى اغتماضى :: بسواد من شدوه وبياض
وحياء في وجهه وطباع :: كنسيم الجنوب يين الرياض
وقياس المغردين عليه :: كقياس السديس بابن المخاض
وكان من المنشدين عصر يسمى (أعويليات) نسبة لقائدهم عالي ولد محمد ولد عبدالله ولد يعقوب رحمة الله على الجميع.
وكان الفتى دَهّانْ ولد أحمد فال ولد أحمد خرشي البركي رحمه الله، فتى مهيبا وسيما غنيا و سيدا في قومه، حباه الله صوتا نديا يأسر اللب، وظفه في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من لوازم مدحه أن يغني قبله شور (لمْچَگرِي بُ عينْ امتِينَ).
ومن گفان هذا الشور -والشيء بالشيء يذكر- قول الشاعر الفذ محمد ولد أبنو ولد احميدن للفنانة عيشَه منت محمد اعلِ:
مَگط افْسَالفِ الدّهرِ :: يَعيْشَ سَمْعُ وذنَيْنَ
ؤلاشافُ-كيفتْ لمْچَگرِ :: بُ عينْ امتينَ- عينِينَ
ومنها قول احميد اجّالَه لتكيبر منت أعمر امبارك، وقيل للشيخ ولد مكين لتكيبر في شور "لمه گالو مانك شينه":
تكيبر مانك شَنشاحَه :: فالهول، ؤ رَداتكْ زينَ
والهولْ الْخاطِيكْ ألاحَـ :: وَالينَ ولا علينَ
من گفان هذا الشور التي أبدعت النعمة منت اشويخ في أدائها:
يالنعمة فالهول أفْديتِ :: شَعْرَتْ ترُّوز الحگتينَ
أعلَ حالْ اغْروز وجيتِ :: شنعودُُ لُ ماَ جَيْتينَ
ويقول الوالد ولد الخليفة للنعمة:
نهولتينَ جملَه فابلدْ :: ودَصّرتِي فالهول اعلينَ
حد اسغر منّ، واعلَ حدْ :: أكبرْ مِنَّ دصَرتينَ
ويقول باب ولد هدار للنعمة:
معناهَ عن ذَ مْنْ الشعار :: لمجگْري بوعين امتينَ
كان إغنّيها في التحرار :: ألا كان إخزي بينَ
وقيل فيه:
مشهودْ أنّ گبلْ اتنگرِي :: فالناس ابْرگتْ عَينينَ
وامنينْ الْ گلتِ لمچگرِي :: بُ عينْ امتِينَ- چگرينَ
وفد الفتى دَهّانْ ولد أحمد فال ولد أحمد خرشي، على سيبويه شنقيط شيخ مشايخنا العلامة يحظيه ولد عبد الودود، فسأله لمرابط يحظيه قائلا: "انتَ شَتْعَدَّل"؟
فرد: أنا نشّادْ، أمداح للمصطفى صلى الله عليه وسلم
فقال يحظيه: أمدحْ لي
فبدأ الفتى دهان يرددُ لازمة الشور (لمْچَگرِي بُ عينْ امتِينَ)..
فقال له أحد الحضور، هذا ليس بمديح النبي صلى الله عليه وسلم!
فقال لمرابط يحظيه: (ومصلحه كملح وبصل)، أوقال: (مُصلحُه كهو).
أعجب لمرابط يحظيه بالفتى دهان، وتوطدت علاقتهما وفيه يقول العلامة أوفي بن يحظيه رحم الله الجميع:
غناء ابن أحمد خرشِ يطربُ ذا اللّبِ :: ويُدني مريدَ الربِ من حضرة الرّبِ
ويذكره العهد القديم بشدوه :: ولا سيما إن قال وهنا: (ألا هُبِّي)

كامل الود

الخميس، 1 مايو 2025

 /

ومن باب المداعبة، والشيء بالشيء يذكر
كان الشريف عبد القادر رجلا صالحا، وكان يفرض على الناس (فِفتنًا) يهدونه له، والفِفتن قطعة نقدية كانت من الفئات المتداولة في المنتبذ القصي، يقال إنها مأخوذة من العدد الإنجليزي(fifteen) لأنها كانت تمثل خمسة عشر جزءا من الفرنك.
ومع صدور الأوقية سنة 1973 ظل الففتن حاضرا فيها وكان يمثل 1/5

وكان الشريف عبد القادر رجلا طويل القامة حسن الصورة، ينشد دائما بصوته النديِّ هذا المقطع من (صلاة ربي) للشيخ محمد اليدالي:
آياتُ طه :: ليست تُباهى
لا تناهى :: على الدوام
قلبي لديه:: شوقي إليه
يزكو عليه :: أزكى السلام
ماالدهر لاحت :: ذكى وفاحت
صبا وناحت :: وُرق الحمام

وكان صديقا للشاعر الفذ محمد ولد أبنو ولد احميدَن رحم الله الجميع، فطلب منه تزكية تجعل الناس يسارعون بتأدية (فِفتنه) حتى لا يتأخر، فقال له:
عبد القـادرْ ذَ وَكتْنُو :: ضَعيفْ امنَيْنْ إجيكمْ
لا يَحصرْ فيكمْ فِفِتْنُو :: ؤُ هوَ لاَ يحصَرْ فيكمْ

تمُّو لَجَاكمْ ذَ اشريفْ :: الظريفْ إلِّ باطْ كيفْ
الشرْفَه دايرْ شِي اخفِيفْ :: وانتومَ لايقْ بيكمْ
فايْديكمْ عسُّو من اكريفْ :: أيْديكمْ بالفيْديكـمْ

وربما طالب بعضهم بإعطائه الفِفتنْ الواجب ويندب أن يضاعف:
عبد القادر ذَ لا جْبَ. :: لا بدالُ من دوبلُ
و الهديَه لُ واجبَ. :: والدُّوبلْ لُ مندوب لُ

وحين صعد الجعل بعد ذلك ليصل إلى عشرين أوقية، طرق الشريف مجلسا فيه العلامة گراي ولد أحمد يوره ومحمدو ولد متالي، رحمة الله على الجميع، و هما في إندر فقدما له هدية و أتحفاه من شعرهما بهاتين القطعتين:
قال گراي:
أثاب إله العرش خير ثوابه :: من اكرم هذا الندب مهما ثوى به
واعطاه جلبا للثواب هدية :: إليه فمن خير اجتلاب الثواب هي
هديته عشرون نقدا فصاعدا :: ومن زاد نال الفوز عند مآبه
شريف ظريف طيب الأصل ماجد :: ضعيف وقد شطت صروف النوى به
ولازال من يهدي له في سعادة :: ووقي من عض الزمان بنابه
ومافيه من عيب يرى غير أنه :: يقلل من طعامه وشرابه
على المصطفى اسنى السلامين مابدت :: نجوم السما مع آله وصحابه

وقال ومحمدو ول متالي:
يامحسنا من عاجز أو قادر :: عجل هديته لعبد القادر
وأعنه عند وروده وصدوره :: أهلا به من وارد أو صادر
تلك الهدية لاتحد فمن يشأ :: يسلك طريقة حاتم أو مادر
جودوا بها لشريفكم وضعيفكم :: حتى يرى ذا العجز مثل القادر
لازال باذلها له في نعمة :: تترى عليه من الكريم القادر

كامل الود

  بين يدي (ماڪال طوبى) كانت السيدة "مريم محمد بُوصٌو" امرأة صالحة، و "تلميذة" للولي الصالح العلامة أحمد للعاقل الديماني،...