السبت، 7 سبتمبر 2019


من سير أعلام الأوغاد
قالوا بوسروال أبوملجم عبد الرحمن ولد ودداي يهاجم العلماء
قلت تلك شنشنة أعرفها من أخزم
فناشئ الفتيان ينشأ على ماكان عوده أبوه
وهذا رباه أبوه على الكذب والنفاق وغذاه باللؤم فلن يكون ممن يرجون لله وقارا.
شهد أبوه شهادة زور للقذافي مقبوضة الثمن ، باء فيها بدماء مسلمين هم موسى الصدر ورفيقيه.
تسلم من القذافي المال على قول الزور وشهادة الزور..
ويقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين،
وكان متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
وهو مطلوب للقضاء اللبناني والدولي بوصفه "شاهد ما شاف ش حاجه" في ملف اختفاء موسى الصدر ورفيقيه.
من المال الحرام المقبوض على شهادة الزور غُذي عبد الرحمن فكان ملبسه منه ومطعمه منه ودرس منه ونبت لحمه منه ، فألحد في أسماء الله وخاض في الإثم والتجديف في دمشق وقاصرينا
لخص أحدهم حالته بالقول: (عبد الرحمن إمْـنَـسَّـسْ)
يسألون لماذا لم ينهه أبوه؟ قلنا ومن ينهى أباه هو ؟!
فالقوم لؤماء لاذمة تنهى ولازاجر..
فالأب اشتهر بالكذب وأكل السحت.. ووث الابن أباه..
نقل لي أنه يفخر بإلحاد ولده الذي كان ثمرة تربيته
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان علمه أبوه..
ومرض الآباء في الأبناء.. كما يقول العلامة الطبيب أوفى في عمدته.
سئل أحدهم كيف تتعلم الكذب في خمسة أيام؟
نصحه أحدهم بقراءة كتاب (الوزير) لولد ودادي الأب ، فهو أسرع كتاب لتعلم صناعة الكذب..
عينه ولد الطايع بعد انقلابه 1984 فألف كتابا جمع فيه مدح ولد الطائع سماه (أفراح الشعب) مارس فيه عادته في الكذب ومدح الناس بما ليس فيهم..
ذهب إلى السعودية وجعل يهذي هناك فأقاله ولد الطايع فرجع خائبا مكسور الوجدان..
وندم ولد الطائع على تعيينه..
حين فشل كسفير وأظهر عليه السفراء من بعده في سوريا الشمس ، أوعز إلى سائق من ذويه أن يضع اسمه على كتاب ألفه "مذكرات سائق" يلمع فيه صورته ويهاجم فيه بلؤم كل السفراء من بعده لفرط خذلانه ونذالته.
سموه في المعارضة (محگن آدرس) لاوزن له .. ما اميّل و لا ايعادلْ
حين وصلت جنازة الفنانة ديمي رحمها الله ، رفض الإمام أحمدو ولد لمرابط الصلاة عليها ، وقال إن مثلها يصلي عليه غيرُ فاضل ، فصلى عليها ولد ودادي بصفته غير فاضل.
وأعرف أحدهم يكاد يجزم أنه لايعرف أحكام صلاة الجنازة ، وأحكام الصلاة عموما لأنه يعرفه ويعرف أنه لامعرفة له بأحكام الشرع ، فهو لايعرف إلا صناعة الكذب والافتراء وشهادة الزور ، والعهدة عليه ، وأنه لو كان يعرف الله لعظمه في قلوب أبنائه ، فواحد قلمه يبول الإلحاد ، والثاني يرتمي في أحضان الماسونية في الولايات المتحدة الأمريكية يقتات من فتاتها.
عجوز حليق متصابٍ لم تؤثر عنه توبة ولاعمل خير ولابر ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر ، ولم يتمعر وجهه في الله ساعة ، وحسبه من الأثم سكوته عن تطاول بضعه على الله ورسولة والعلماء.
حين بدأ (اتكلبيتي) في صفوف المعارضة كان ولد ودادي الأب من أوئل المتشقلبين وحين جاء إلى غزواني قال إمعانا في إذلاله لابد أن تمر على عزيز أولا ثم تأتي إلي ففعل مذموما مدحورا..
وعما تبقي من خسيس فعاله :: أرى الصمت أولى بي من أتكلما
نحن شعب يسهل خداعه لأننا شعب بلا ذاكرة
كامل الخزو

Dreams from My Father



كنت أقرأ رواية "أولاد حارتنا" وكنت وحدي وكان الوقت هادئا على الشاطئ..
كنت أسمع صوتا بعيدا لمساكين يعملون في البحر يغنون على سطح سفينة تمخر بهم ذلك العباب..
انقطع الصوت بعدما أوغلوا في البحر.. شريط من بوكي وديمي رحمهما الله يدور، غنت فأطربت وحكى فأشجى، وضربت بأناملها على آردين في مقام لبتيت فأشعلت الحرائق في دمي..
سكت الشريط فنزعت سبابتي من وسط الرواية المطوية، فتحتها وطويت الدجى أقرأ منها، أخذتني لعوالم أخرى و كنت أفهم النص على ظاهره لم أجهد نفسي بالتأويلات فأنا إنما أقرأ أدب الرواية ليس إلا، طفقت أقرأ وحين وصلت:
".. وخيل إلى أدهم أنه يسمع وقع أقدام ..
أقدام بطيئة وثقيلة استثارت ذكريات غامضة كرائحة زكية مؤثرة تستعصى على الإدراك والتحديد..
حوّل وجهه نحو مدخل الكوخ فرأى الباب يفتح، ثم رآه يمتلئ بجسم هائل، حملق فى دهشة، وأحدّ بصره فى أمل يكتنفه يأس، وندت عنه آهه عميقة، وصاح:
أبى!
وخيل إليه أنه يسمع الصوت القديم وهو يقول:
مساء الخير يا أدهم..
فاغرورقت عيناه، وهم بالقيام فلم يستطع ووجد غبطة وبهجة لم يجدهما منذ أكثر من عشرين عاما.."

طويت الكتاب وانتصبت قائما وكدت أصيح أنا أيضا في ذلك الدجى: أبي!
خيل لي برهة أني في معية أبي، دارت بي الأرض ووعاودني الحنين
كم هي حارقة لوعة الفراق:
مضَى طاهر الجثمان والنّفس والكرَى :: وسُهدِ المنى والجَيبِ والذيلِ والرُّدنِ
فيا لَيتَ شِعري هل يَخِفّ وَقارُهُ :: إذا صَارَ أُحْدٌ في القِيامَةِ كالعِهْنِ
وهلْ يرِدُ الحوْضَ الرّويَّ مُبادِراً :: معَ النّاسِ أمْ يأبَى الزّحامَ فَيَستأني
حِجىً زادَهُ من جُرْأةٍ وسَماحةٍ :: وبعضُ الحجى داعٍ إلى البخلِ والجُبنِ
هنيئاً لك البيت الجديد موسداً :: يمينك فيه بالسعادة واليمن

أماتَ أَبوك؟ ضَلالٌ! أنا لا يموتُ أبي
ففي البيت منه روائحُ ربٍّ.. وذكرى نَبي
هُنَا رُكْنُهُ.. تلكَ أشياؤهُ تَفَتَّقُ عن ألف غُصْنٍ صبي
.. ونَظَّارتاهُ.. أيسلو الزُجاجُ عُيُوناً أشفَّ من المغرب؟
أجولُ الزوايا عليه، فحيثُ أمرُّ .. أمرُّ على مُعْشِبِ
أشُدُّ يديه.. أميلُ عليهِ أُصلِّي على صدرهِ المُتْعَبِ
أبي.. لم يَزلْ بيننا، والحديثُ حديثُ الكؤوسِ على المَشرَبِ
يسامرنا.. فالدوالي الحُبالى تَوَالَدُ من ثغرهِ الطَيِّبِ..
أبي خَبَراً كانَ من جَنَّةٍ ومعنى من الأرْحَبِ الأرْحَبِ..
وعَيْنَا أبي.. ملجأٌ للنجومِ فهل يذكرُ الشَرْقُ عَيْنَيْ أبي؟

يخلق الآباء لحظات من الفرح والسعادة والحب والحنان في حياتنا ثم يختفون مخلفين وراءهم الكثير من الحزن واللوعة والأسى واليأس،..
وبقدر الحزن المسافر في نفوسنا المكتوية بنار الغياب ترتسم أمامنا ملامح لم تغب من أنس خلقه الماضون، فتند عنا آهات تتحول نصوصا نكتبها بالضوء عن ذلك الألق ومديحا له وأسفا على غياب صانعيه.

كامل الأسى

" خيت الناس "


ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏شخص أو أكثر‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏


علمت ببالغ الأسى وعميق الحزن مؤخرا بوفاة الشيخ الجليل التلميدي ولد عبد الله ، تغمده الله بواسع رحمته فقد كان فريد عصره ونسيج وحده علما وتقوى إلى كرم وحلم وورع وحفظ ودراية.

وعلى ذكره -والشيء بالشيء يذكر- حدثني الفتى النابه لمرابط ول دياه، قال حدثني الشيخ الجليل التلميدي بن عبد الله في مكة المكرمة ، قال حدثني الشيخ محمد المختار بن المجتبى ، أنه حدثه الشيخ محمد الأمين بن محمد محمود بن آبيه قال:
مررت وأنا في رفگه ضحوة يوم شتوي بمدينة بوتلميت فإذا بكل ساكنتها قد تجمهروا عند المستشفى "لبطان" فاستخبرتُ عن الأمر؟
فقالوا: "الطَّب" فيه "خيت الناس" جاءت من البادية للعلاج، وكانت حينها عجوزا فانية فاجتمع الناس لرؤية من كانت ذات يوم ملكة جمال وملهمة شاعر.

وخيت الناس امرأة من قبيلة "لمرادين" فائقة الجمال أحبها الشاعرالكبير محمدو ولد محمدي العلوي وشاع ولعه بها وذاق قلبه من هواها مالم يذقه قلب فتى من هوى خريدة.

يقول محمدو ولد محمدي فيها:
ماذاق قلبُ محبٍ من هوى العين :: ماذاق قلبيّ من إحدى "المرادينِ"
أمسى أخوك بها من بعد رجعته :: عن الصبا عينَ ساهي العين مفتون
أمسى معنىً ومحزونا بلوعتِها :: يا من لصبّ معنّى القلب محزون
وددت لما رمت قلبى لواحظُها :: لو أنها بمواضى النبل ترميني
يا نزهتي لِمَ صرمى بعد بعثكِ ما :: بعَثت بينى وبين الخرّدِ العِينِ
طوَيتُ كشحى على نارٍ تضمّنها :: لمّا طويت بساط الوصل من دونى
هلا احتسبت بوصل الحبل من دنفٍ :: يا قُرّة العين أجرا غير ممنون
يا عاذلى ويك كفّ البعض من عذلي :: لا لا أرى العذل عما رمت يثنينى
أصبحت باللوم تدعوني لأسلوَها :: واصبح الشوقُ للتذكار يدعوني
أنّى أطيعُك والقلبُ الجموحُ إذا :: طاوعتُ أمركَ في السلوانِ يَعصيني
فليسترح من عَناهُ أن يحذّرني :: من لا يحاولُ بالتحذيرِ يُغريني
ان كان ذلّى وهونى في مودتها :: فعزّ أهلُ الهوى في الذلِّ والهونِ
أو كان يزرى بمثلى حبّها فلقد :: رضيتهُ فارض لي ما كان يرضيني
أو كنتُ حِدتُ عن النهج القويم ألا :: إنى درجتُ على نهج المحبّين
إن لم ينل حبّها جسمى بمعضلةٍ :: إنّى لذو خطرٍ منها على دينىٍ

ويقول فيها :
فيمن أهِيمُ بها لاموا ولو هاموا :: بمن أهيم بها يوما لما لاموا
هام الفؤاد بمن لولا ملاحتها :: ما سُفّهت من ذوي الأحلام أحلام
هام الفؤاد "بخَيتِ الناس" بحت بها :: إذ في الكناية تلبيسٌ وإبهام
هام الفؤاد بمن من برح ذكرتها :: للعين والقلب تهمال وتهيام
بها تسليت عن ليلى وهندَ وعن :: أسما وسلمى وأشهادي بذا قاموا
تلك التي من لماها مسني لممٌ :: بادٍ، ومن سقم الأجفان أسقام
من هاب وصل حبيب للملام ألا :: إني عليه-وإن لاموا- لمقدام
وإن صحا كلفٌ عن من يهيم به :: فلي حياتي بخيتِ الناس تهيام
بعضَ الملام فلي عن لومكم صمم :: مافي الهوى للفتى عارُ ولا ذام
راموا أن اسلوَ خيتَ الناس إذ جهلوا::مابي، لمن أصعب الأشياء ماراموا
قبلي قد اعتام أهلُ الحب قاطبة :: فِعْلي، وإني لمُعتامٌ لما اعتاموا
قالوا اقتدِهْ بذوي الأحلام قلت لهم :: للجهل قوم كما للحلم أقوام
إن تمنع الوصل أيامٌ لنا فعسى :: أن تمنح الوصل للمشتاق أيام

ومما يروى أنه ذات سانحة زار محمدو ولد محمدي مُعَـرّسَ العلامة امحمد بن الطلبة اليعقوبي ، وكان جالسا قرب نار للتلاميذ موقدة للتكرار ودَيّر امحمد بن الطلبه في عظمه وكمى، فقال ول محمدي لولد الطلبة: "كميني" ولم تكن الناس ترى حرجا في تدخين الصغير أمام الكبير.
وكان محمدو حديث السن حينها وامحمد شيخا كبيرا فرد عليه:
انت زاوي ولّ حساني ؟
فأجابه محمدو: أنا زاوي
قال امحمد " گدّك من الزوايا مافات گال مطلع زين مايكمي في اشروطي..
قال ول محمدي أنا القائل:
فيمن أهِيمُ بها لاموا ولو هاموا :: بمن أهيم بها يوما لما لاموا
هام الفؤاد بمن لولا ملاحتها :: ما سُفّهت من ذوي الأحلام أحلام
هام الفؤاد بخَيْتِ الناس بحت بها :: إذ في الكناية تلبيس وإبهام

فاهتز ولد الطلبة فوق إيلويشه جيئة وذهابا طربا وقال:
هاكْ اكمي مزين قريحتكْ والحمد لله أنك مانك ولْ عمّي ولانكْ افْزمني.

كامل الود

محمد ولد مولودولد داداه (الشنافي)6 - 9 - 2019 سنوات سبع من الحزن مرت



كان محمد ولد مولود ولد داداه ذات مرة يكتب مقالا يود نشره في إحدى الدوريات -وكان قليل النشر- ، وحين انتهى من كتابة المقال (على محاور تاكَداوست) فكر في أن يمهره باسم خفيف بعيد عن تعقيدات أسماء البظان من تركيب ومزج ، خاصة وأن اسمه الثلاثي لايمكن أن يتميز إلا إذا كتب كاملا: اسمه مع اسم أبيه واسم العائلة وبين كل منهما عبارة (ولد)، محمد ولد مولود ولد داداه..
لمعت في ذهنه فكرة سريعة كان بجانبه صديقة الراوية والباحث التروزي محمد شنوف ولد بو بكر سيره ، فنحت من اسمه نسبة هي (الشنافي) وقع بها مقاله وظل يوقع بذلك الاسم المنحوت حتى لانقول (المستعار).

ولد الشنافي نهابة العقد الثاني من القرن العشرين ، حنكه جده الشيخ سيديا بابَ ، وتلقى العلم في كنف مكتبته ، ونشأ على ما ينشأ علية ناشئ الفتيان من قومه.

درس العلامة محمدّو السالم ولد الشين فترة قصيرة على العلامة يحظيه ولد عبد الودود(اباه) أعجب خلالها بذكائه ، ثم هاجر واستقر به المقام في تمبدغه.
ذات مرة ذُكر محمدّو السالم ولد الشين في مجلس يحظية فقال بتأثر بالغ: هح يذاك اطفل إچكوچي.
فقال الشيخ محمد ولد آبوّ الحسني: هح باط يذاك اطفل إداب لحسن.
وكان إداب لحسن لايقبلون بانتزاع ولد الشين منهم لخؤولته منهم وتوطنه فيهم.
ذلك هو حال العلامة محمد عالي ولد عدود مع الشنافي فقد درس عليه حدثا ، ويروى أنه لما هم بالمغادرة للدراسة النظامية اغرورقت عينا الشيخ محمد عالي بالدموع وهو ينظر إليه ذاهبا فقال: "وددت لو بقي معي" لما رأى من ذكائه.

في دكار وفي باريس "وضع محمد أنفه في كل شيء" كما يحلو للباحث الدكتور عبد الودود ولد الشيخ أن يقول عنه بلغة الاستطراف والإعجاب.
درس الطب والقانون والإدارة والتاريخ, وتعلم عددا من اللغات الحديثة والقديمة ,وصحب كبار المستشرقين ,واندمج بسهولة في المجتمع الباريسي المخملي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

التقى عدة مرات جان بول سارتر ، وزامل مالك بن نبي ، وعبد الله العروي ، ومحمد أركون ، وعبد الرحمن اليوسفي ، وغيرهم..
بيد أن التاريخ ظل محور اهتمامه ومشغله الرئيسي.وعلى الرغم من تقلده وظائف إدارية ودبلوماسية سامية في سنوات الاستقلال الأولى ,إلا أن المسؤولية لم تنجح في استمالته عن هواه الوحيد.

عمله في منظمة الوحدة الإفريقية بأديس بابا مكنه من إتقان اللغة الجعزية وهو ما أتاح له دراسة حضارات منطقة القرن الأفريقي.
كما تعلم قراءة خط المُسند أو الخط الحميري كما يسمّيه المستشرقون وخط النصب التذكارية هو نظام كتابة قديم تطور في اليمن وجنوب الجزيرة العربية، قرابة القرن التاسع - العاشر قبل الميلاد، وهو أحد ضروب الكتابة العربية الجنوبية، وكان نظام الكتابة المستعمل في شبه الجزيرة العربية لوقت طويل، حتى اشتق منه خط الجزم الذي اشتقت منه الأبجدية العربية.
وهو مامكنه من اكتشاف العديد من النقوش الحجرية المكتوبة باللغة العربية الجنوبية، وخط المسند.

كما اهتم الشنافي رحمه الله بتاريخ منطقة القبائل في الشطر الشرقي لبلاد فارس وعلى الحدود الباكستانية الأفغانية ، وخاصة قبائل "البشتون" ، ومكنه من ذلك معرفته للغة الفارسية فأعد بحوثا لهيئات ومراكز دولية عن تاريخ القبائل وحضارة المنطقة.

يقول الدكتور السيد ولد اباه:
"في ابريل 1988 بادرني "محمد أركون" في لقاء بتونس بالقول :"ما دمت من موريتانيا ,لا بد أنك تعرف محمد ولد مولود ,فما هي آخر أخباره؟".أجبت المفكر الجزائري الأشهر بما عندي من أخبار قليلة عن الرجل الذي كان يعيش أوانها في قرية "عين السلامة" الهادئة لا يبرحها منذ حكم عليه النظام العسكري سنة 1981 بالإقامة الجبرية عقوبة لجريمة قرابته النسبية من الرئيس "المختار ولد داداه".
ويضيف ولد اباه:
ذكر لي المرحوم (الشنافي) أنه عندما عين في بداية الستينيات واليا على دائرة الحوض ,صرف جل وقته على جمع الروايات التاريخية والتقاليد الشفهية عن هذه المنطقة ,وربطته علاقة وطيدة بأعلامها وعلمائها.
وعندما عين سفيرا في تونس , كانت إقامته في مكتبة المخطوطات بدار الكتب الوطنية أطول من مكثه في مكتبه بالسفارة ,وكانت المهمة الأولى التي حرص عليها هي تتبع اثر كتاب "الصيرفي" العمدة في أخبار المرابطين في الصحراء من خلال اقتفاء آثار أسرة تونسية ذكر أنها كانت تقتني النسخة الوحيدة من الكتاب في مطلع القرن المنصرم ولم يصل محمد إلى أي نتيجة بعد أن قادته رحلته إلى قرى الجنوب التونسي والأرياف الليبية .ولما سأله الرئيس "المختار ولد داداه" عن التقارير الإخبارية التي يفترض من السفير بعثها لحكومته رد عليه بالقول :"الأخبار كلها موجودة في صحيفة لموند".
لم يمكث "محمد الشنافي" (الاسم الذي اختاره لنفسه اعتزازا بصداقته للراوية والحكيم محمد شنوف) طويلا في العمل الحكومي الذي اعتبر انه لم يخلق له ,فكانت آخر مهمة رسمية له هي تمثيل موريتانيا في نزاع الصحراء في محكمة العدل بلاهاي.
وقد حدثني الدبلوماسي المتميز المرحوم مولاي الحسن عن مداخلات الشنافي التي بهرت الجميع بعمقها وشموليتها".

ويقول عنه الوزيز والدبلوماسي محمد عالي شريف في كتابه «سيرة من ذاكرة القرن العشرين»:
"وكان لي شرف التعرف عليه منذ سنة 1966، وعقدت معه صلة كانت دائما قوية وغنية.
وطوال ستين سنة، ظل هو المصدر الواسع والخصب لجميع الباحثين وأساتذة الجامعات الغربية الذين أعدوا ونشروا أطروحات وأعمال رصينة حول شعوب وثقافات الصحراء الكبرى، لكن مع الأسف لم يذكروه فيها إلا قليلا.
وهو ما لم يعطه حقه ومكانته المرموقة في مجال البحث العلمي، لأنه تميز بالسخاء الكبير، وبروح منفتحة إلى أقصى حد.
وكان من بين زواره، إن لم أقل مريديه، الذين عرفتهم، إنجليز وفرنسيون وإسبان وبرازيليون، أذكر من بينهم: شارل ستيورات، وجان دفيس، والبروفسيرين دنيس وروبير ومسيو فارياس وبيربونت، وكانت له علاقات مميزة ودقيقة على مستوى البحث مع بعض الأساتذة، كالعالم الفرنسي ثيودور مونو المتخصص في دراسة المجال الصحراوي، وأندريه ميكيل، وفينسانت مونتي، وبدرجة ما جاك برك وجرمين ثيلون.
واعتمد محمد ولد مولود سفيرا في تونس مباشرة بعد اعترافها بموريتانيا، فأمضى تقريبا كل الأوقات في التردد على المكتبات وزيارة المعالم، وكان له لقاء لا ينسى مع الرئيس بورقيبة بمناسبة زيارته جامع الزيتونة. كان الرئيس التونسي ذا عقل حصيف ميال الى الثقافة، وقدم إليه وزير ثقافته لمحة تاريخية عن هذه المؤسسة العلمية، وأعجب جدا بالتدخل غير المنتظر والخارج عن سنن البروتوكول لمحمد ولد مولود عندما قاطع عفويا عروض الوزير لينبه الى تصحيح بعض النقاط الأساسية فيها، عندئذ ترك بورقيبة وزيره فورا وطلب من رجل الثقافة الموريتانية تقديم المزيد، وكان من نتائج ذاك تقوية تعلق «المجاهد الأكبر» بموريتانيا.
وكان محمد ولد مولود ولد داداه هو من قبل بصعوبة تحرير مذكرة طلبها الرئيس السنغالي سينغور، على أن تكون موثقة وصحيحة، حول زواج أمير الترارزة محمد لحبيب بجمبت أمبودج ملكة الوالو، وهو الزواج الذي كرس تحالفا كان له بعد تاريخي كبير في العلاقات بين الكيانين اللذين كانا حينذاك يسيران الشعوب المتاخمة لنهر السينغال".

كان موسوعة الصحراء التي لم تستطع رمال النسيان المتحركة النيل منها ، لكن الزمن شفاف ويتداخل أحيانا فيكون قريبا جدا وإن بدا بعيدا ، ومن طريف ذلك ما حدثني به أحد الأصدقاء أنه سأله عن تاريخ معركة "ام اشگاگ" بين قبيلة لقلال وقبيلة تنواجيو فأجابه:
ذيكْ هونْ اگريّبْ Septembre عامْ Quarante !
سبتمبر 1940
اگريّبْ!

ذات مرة خلال (رالي باريس دكار) ضل سائق دراجة فرنسي في "آوكار لبكم" وانتهى المطاف به في قرية "عين السلامة".
استقبله المؤرخ محمد ولد مولود ولد داداه رحمه الله ، وأكرم نزله ، جلسا في الفضاء الرحب في تلك القرية الوادعة النائمة بين أحضان الرمال.
جلسا على حصير من النيلون ، كان محمد ولد مولود يلبس دراعة خفيفة من الشگة ويلف لثاما من توبيت حول رقبته.
سأل محمد ولد مولود الفتى الفرنسي من أي مدينة أنت؟
فأجاب: من بواتييه
قال محمد: أنت إذن من وسط غرب فرنسا من منطقة بواتو شارنت..
تلك المنطقة تعتبر من المناطق المشمسة فى فرنسا وتغطي جزءا مركزيا من السهل الساحلي المطل على المحيط الأطلسي ..
إنها تقع إلى الغرب من أعلى ليموزين على تخوم الهضبة الوسطى عند حواف التلال المتموجة..
تلك المنطقة مناخها معتدل على الرغم من الصقيع فى الشتاء الذى يكون أقل صرامة على الساحل.
فى الجزء الجنوبي من تلك المنطقة تقع الأراضي الصالحة لزراعة القمح والشوفان ، كما تزرع فيها البطاطا والتفاح و، تقوم كروم العنب على نطاق واسع حيث تنشط صناعة الكونياك والنبيذ المحلي و صناعة الأجبان.
وفى الشرق منها تقع مقاطعة دوكس سفرس "Deux-Sèvres " التي توجد بها بلدية "Mauzé-sur-le-Mignon " الوادعة ، التي ينحدر منها الرحالة (رينيه كاييه - René Caillié)، المعروف عندنا هنا بـ "ول كيجَ النصراني" أول رحالة غربي تطأ قدماه أرض تمبكتو...

ظل الفرنسي فاغرا فاه لايحير جوابا ..
كان يسمع عن قصص الجن سكان مهامه الصحراء ، ظن نفسه في حلم أو تخطفته الجن ..
إنه أمام رجل صحراوي توحي ملامحه بأنه لم يبرح تلك الصحراء رغم أناقة لا تخطئها العين ، ملامحه صارمة عيونه ثاقبة النظرات يتدلى شاربه الأبيض إلى ذقنه الحليق صوته متهدج به بحة جميلة ، يتكلم الفرنسية كما يتكلمها الفرنسيون الأقحاح يتكلمها بلكنة الغلواز ، ويعرف فرنسا جيدا وأحاط بتاريخها خبرا..
إنه يعرف منطقته ومسقط رأسه بشكل جيد بتضاريسها وأهلها ومناخها ومسؤوليها ومثقفيها..
والأغرب من هذا كله لغته الفرنسية مخارج الحروف لديه ، النبرة ، لغة الجسد ، والتراكيب والجمل السليمة الأصيلة .. يا إلهي..

استعاد الفرنسي توازنه بعد أن كاد يجن ، حين أخبره محمد بأنه درس في فرنسا في الأربعينيات وأنه عاش فيها سنين عددا.

كامل الود

الأحد، 1 سبتمبر 2019

حين لاتظن الشيء مظنة الشيء


في صباح يوم بارد وقف رجل في إحدى محطات المترو في العاصمة الأمريكية واشنطن وبدأ يعزف الكمان.
عزف مقاطع مختارة من أرقى مقطوعات موسيقى العبقري باخ مدة حوالي 45 دقيقة.

خلال ذلك الوقت مر حوالي 1100 شخص في محطة المترو، معظمهم في طريقهم إلى العمل.
مرت ثلاث دقائق ، تباطأ رجل في منتصف العمر في سيره وتوقف بضع ثوان وهو يستمع لمقطوعة الموسيقى ومن ثم هرع للحاق بالوقت..
بعدها بدقيقة ، تلقی عازف الكمان الدولار الأول ، كانت امرأة ألقت له المال بدون أن تتوقف وواصلت المسير!
شخصٌ استند إلى الجدار للاستماع إليه لبضع دقائق، ثم نظر إلی ساعته وبدأ المشي مرة أخرى وكان من الواضح أنه قد تأخر عن العمل..
كان من أبدى أكبر قدر من الاهتمام طفل عمره 3 سَنَوات، كانت والدته تحثه علی السير لكنه توقف لإلقاء نظرة على عازف الكمان. وأخيراً ، واصل الطفل المشي، مديرًا رأسه طوال الوقت، وكرر هذا الأمر العديد من الأطفال الآخرين.
جميع الآباء، دون استثناء، أجبروا أطفالهم على مواصلة السير وجميع الأطفال دون استثناء حاولوا التوقف والاستماع.
في 45 دقيقة من عزف الموسيقى:
لم يتوقف ويستمع لمدة من الوقت سوى 6 أشخاص، من الذين مروا حوالي 20 قدموا له المال، ثم واصلوا السير بوتيرة طبيعية..
كانت نهاية 45 دقيقة من العزف مبلغ 32 دولار.
عندما أنهى العزف وران الصمت، لم يلاحظ ذلك أحد، لم يصفق أحد!
لا أحد لاحظ أن عازف الكمان هذا هو "جوشو بيل" واحد من اكبر وأشهر الموسيقيين الموهوبين في العالم.
وأنه عزف مجموعة من القطع الموسيقية الأكثر تعقيدًاّ.
وأنه يعزف علی كمان قيمته 3.5 مليون دولار.
وأنه قبل يومين من لحظة عزفه في مترو الأنفاق، بيعت بطاقة الدخول لحفلته في أحد المسارح في بوسطن بمتوسط مائة دولار.
إذا لم يكن لدينا لحظة للتوقف والاستماع إلى واحد من أفضل الموسيقيين في العالم يعزف أفضل موسيقى كتبت لآلة الكمان!
فكم من الأشياء حولنا أثناء مسيرة الحياة تفوتنا ونحن لم نستمتع بها؟

****

ذات مرة كان الدكتور يحيى ولد حامدن رحمه الله ، يركب مع صديق له ليوصله ، وقرب إحدى الثانويات شاهد الرجل فتاة من أقاربه فحملها معهما ليوصلها.
كانت الفتاة تحمل دفترا بيدها ، سألها الدكتور يحيى عن دفترها ماذا يحوي؟
أجابت فتاة الثانوية: ما هُ ش تعرفو هذا ينكالو (Math) الرياضيات!!..

****

في اجتماع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة بالمملكة العربية السعودية تناول الكلام ممثلو الوفود وكان الأستاذ برهام جوب رحمه الله ، ممثل السنغال ورئيس وفدها ينصت دون أن يتكلم.
وحين وصله الكلام قال ممثل السعودية ورئيس الجلسة أيها الإخوة سأعطي الكلام لممثل السنغال لكن ارى ان نترجم له ماجرى لأنه قد يكون لايعرف العربية ولم يعِ مادار من نقاش..
 وحين استلم برهام جوب الكلام حمد الله واثنى عليه ثم قال ضاحكا:
وهل أفنى شبابي غيرُ هِر ؟!
تعاطيت العربية وليدا وعلّلت بها صبوحا واغتباقا، وقيض الله لي ذلك الشيخ الشنقيطي -أحمد محمود ولد الرباني- الذي كان يمسك بلساني لأنطق الحاء ..
 ثم واصل جوب وأتى بالعجب العجاب ..
ذهل الحضور من فصاحة الرجل وانطلاق لسانه
وقام له رئيس الاجتماع عن مكانه وأقسم ألا يدير الاجتماع غيره.

****

يقول الشيخ ولد مكيّن رحمة الله عليه: "أفحمت في حياتي مرة واحدة" ، وذلك في محصر أمير اترارزة ، وكنت فتى حدثا.
ففي رحلة للمحصر شتاء إلى بئر(انْوَاكِلْ) ، نزلنا للمبيت في المنطقة المعروفة بأَبْيَارْ تَاگنَانتْ، وكان من عادة أهل المحصر النوم ضحى، لكنني ذلك الصباح لم أنم، ولم يستيقظ معي أحد، نهضت وذهبت أستطلع المكان، فشاهدت خيمة غير بعيدة فتوجهت إليها عسى أن أجد عند أهلها شايا صباحيا.
حين وصلت كان هناك رجل جالس في شق الخيمة يَكْصَرْ تِيرْزَه مَنْ أَرْشَ، وبين أَرْكَايْزْ أَشْوَيْبْتَيْنْ إحداهما بين يديها مواعين شاي وَالْمَغْرَجْ طَالَعْ، سلمت ـ وكنت أظاهر دراعتين بيضاء وزرقاء (امغربي)، فرد علي الرجل السلام، ورفع بصره إلي، وقال:
أَنْتَ مَانَكْ هُوَّ لِديچبي الْمَذْكُورْ امغني ورَگاصْ فَالْمَحْصَرْ؟
قلت له: آنَ إگبَالْ
طَرْحَتْ أَشْوَيْبَّه الْكِسَانْ عَنْ أطَّابْلَه، وَأكْفَاتْهَ أَفْعَبُّونْهَ ءُگامَتْ أَتْرَدِّيهَ، وَأتْكَرَّرْ لَازِمَة:
دَانَ ـ دَانَ ـ دَانَ..
تفاعلت معها ودخلت الخيمة، وقلت لها گولي:
عَنْدِ حَالَ هَوْنْ أَفْلَبْتَيْتْ :: مَا يَعْرَفْهَ يَكُونْ آنَ
وَنْطَاوِ بِيهَ زَادْ أَعْيَيْتْ :: سَاعَتْ لَكْطَاعْ الْوَزَّانَ

رفع الرجل رأسه مباشرة، وقال:
انگدْ انگاطَعْ وانْحَانِيكْ :: كِيفْ الْوَزَّانَ تِتْحَانَ
وَانگدْ انرادِفْ زَادْ أَعْلِيكْ :: أَلا من ذَاكْ إبْغَيْتْ آنَ

قال الشيخ: فاجأني الرجل بعد أن ظننت أن لا شأن له بالفن، وأني قد استفردت بالجماعة، فأفحمتني سرعته وجودة قوله، وجلست أنتظر البراد الأول، وتركت له المجال.

****

ذات مرة خلال (رالي باريس دكار) ضل سائق دراجة في "آوكار لبكم" وانتهى المطاف به في قرية "عين السلامة".
استقبله المؤرخ محمد ولد مولود ولد داداه رحمه الله ، وأكرم نزله ، جلسا في الفضاء الرحب في تلك القرية الوادعة النائمة بين أحضان الرمال.
جلسا على حصير من النيلون ، كان محمد ولد مولود يلبس دراعة خفيفة من الشگة ويلف لثاما من توبيت حول رقبته.
سأل محمد ولد مولود الفتى الفرنسي من أي مدينة أنت؟
فأجاب: من بواتييه
قال محمد: أنت إذن من وسط غرب فرنسا من منطقة بواتو شارنت..
تلك المنطقة تعتبر من المناطق المشمسة فى فرنسا وتغطي جزءا مركزيا من السهل الساحلي المطل على المحيط الأطلسي ..
إنها تقع إلى الغرب من أعلى ليموزين على تخوم الهضبة الوسطى عند حواف التلال المتموجة..
تلك المنطقة مناخها معتدل على الرغم من الصقيع فى الشتاء الذى يكون أقل صرامة على الساحل.
فى الجزء الجنوبي من تلك المنطقة تقع الأراضي الصالحة لزراعة القمح والشوفان ، كما تزرع فيها البطاطا والتفاح و، تقوم كروم العنب على نطاق واسع حيث تنشط صناعة الكونياك والنبيذ المحلي و صناعة الأجبان.
وفى الشرق منها تقع مقاطعة دوكس سفرس  "Deux-Sèvres " التي توجد بها بلدية  "Mauzé-sur-le-Mignon " الوادعة ، التي ينحدر منها الرحالة (رينيه كاييه - René Caillié)، المعروف عندنا هنا  بـ"ول كيج النصراني" أول رحالة غربي تطأ قدماه أرض تمبكتو...

ظل الفتى الفرنسي فاغرا فاه لايحير جوابا ..
كان يسمع عن قصص الجن سكان مهامه الصحراء ، ظن نفسه في حلم أو تخطفته الجن ..
 إنه أمام رجل صحراوي توحي ملامحه بأنه لم يبرح تلك الصحراء  رغم أناقة لا تخطئها العين  ، ملامحه صارمة عيونه ثاقبة النظرات يتدلى شاربه الأبيض إلى ذقنه الحليق صوته متهدج به بحة جميلة ، يتكلم الفرنسية كما يتكلمها الفرنسيون الأقحاح يتكلمها بلكنة الغلواز ، ويعرف فرنسا جيدا وأحاط بتاريخها خبرا..
إنه يعرف منطقته ومسقط رأسه بشكل جيد بتضاريسها وأهلها ومناخها ومسؤوليها ومثقفيها..
والأغرب من هذا كله لغته الفرنسية مخارج الحروف لديه ، لغة الجسد ، والتراكيب والجمل السليمة الأصيلة  .. يا إلهي..

استعاد الفرنسي توازنه بعد أن كاد يجن ، حين أخبره محمد بأنه درس في فرنسا في الأربعينيات وأنه عاش فيها سنين عددا.

كامل الود

الأربعاء، 7 أغسطس 2019

حموضة

تهادى إلينا المساء وقد سكبت الساحلية "رواء" على الأنفس وخفف الله بنسيمها عنا الحر وعلم أن فينا ضعفا.
كان يوما ساخنا تقيأت فيه جهنم واعتلج "مارو والحوت" في الأجواف، مع "أتاي الگاسي" فلم تنفع المراوح في تلطيف الجو ولم يطفئ "بصام" ضراوة "تيبو چن".
فلما تحركت "الساحلية" كان ما عند الله خيرا وأبقي..
قال لي صاحبي: ما رأيك لو خرجنا نبترد؟
قلت: ما تگلع ش..

تهادى إلينا المساء الجميل.. لم يصغِ إلينا لأننا لم نكن نحمل الحب في أعيننا.. ولم يلمم شعث أشواقنا لأن "المَحوَر" أطال الوقوف بين الصلب والترائب يحمل ناره التي لم يستطع "گافيسكون" إخمادها.
لقد أطفأ المحور سَورة الحب كما يطفئ الحَبَبُ سَورة الصهباء.

على شارع المختار ولد داداه "تنعوشنا" قليلا وبدت لنا مسرة للناظرين، بدا لنا ما يسفه الأحلام ويستصبي أخا الكبر، كواعب رود ترد الأكباد منفطرة مسفرة طورا ومختمرة..
عدلنا عن بيت ولد أحمد دامْ: (ما سفه الحلم..) وعدلنا عن مندوحة ولد محمدي (لمعذور على السفه) إلى قول إسماعيل:
غير ال طلصتو سن :: أشبه لو يطلصها..

الأماكن توغل في المساء وسهر الشوق بدأ يرتسم فى تلك العيون الجميلة المتجهة لمقار الحملات التى اقتصر صخبها وألقها هذا العام على خيام المبادرات الخاصة في تفرغ زينه ورگبة لكصر الفوگاني قرب تفرغ زينه، وعلى المناطق المجاورة مراعاة فارق (الفظة).

لست من محبي التسدار بمعناه المنتبذي ولا أمارسه، لكنني لست "حافيا" ومن المؤمين بمقولة " الجمال مرحوم" كفقهاء الحجاز، ولو كنت في اللجنة المستقلة لكان لسان حالي هو قول الأستاذ إسماعيل:
مُـحَـلَّفْ فِـاللَّـجْـنَه :: عَــنْ حَـــدْ إِجَـلَّـجْنَ
ؤُمَـحَـلَّـفْ مَـا نَـجْـــنَ :: مِنْ مَخْلُوقْ إِبْنِـيـتِي
ؤُحَـالِـــفْ دِنِّــي نَـهْــنَ :: مَـا نِـمْـرِگْ تِـيـكِـيـتِـي
غَـيْـرْ اگـبَـيْـلْ إفْ مَلْهَى :: وَحْـدَه فِاتْــنَـــوْكِــيـتِـي
يَـسْـمَـحْ لي گِـلْـتْ الْهَـا :: انْـتِي ذِيـكْ احْـصَيْـتِي؟

فذلك نفس حجازي لابأس به عندي فالجمال مرحوم.
صاحبي حجازي الهوى، وقد سرَت إليّ حُميّا حجازيته -والهوى يُعدي- واقترح المرور على خيام المبادرات لننظر أيها أزكى جمالا وأن نتلطف وأن لايشعر بنا أحد فيظن بنا "كلبيتا" والتشقلب لايليق بأمثالنا.

بكى صاحبي لما رأى درب خيم المبادرات دونه، وكاد يصيح بإحداهن في إحدى الخيام: "الأسود يليق بك"
تنهد صاحبي، وتمنى أن يكون جنرالا متقاعدا أومترشحا لرئاسة البلد، وكان يردد قول طَرَفة بن العبد:
فلوْ شاءَ رَبِّي كنتُ قيسَ بنَ خالِدٍ :: ولوْ شاءَ ربِّي كنتُ عَمْرو بن مَرْثَدِ

ثمة حديث فى الحب إن لم نقله فقد أوشك الصمت حولنا أن يقوله، فقد هلَّ فى ليلتنا خيال الندامى والنواسي عانق الخياما
ولَسْتُ بالغافل حتى أرى :: جَمال دُنيايَ ولا أجتلي

كان صاحبي يسوق سيارته بسرعة منخفضة وكان أفراد "مسغارو" عند التقاطعات في قمة الأريحية، وكانت أناشيد البكريين تتعالى لتعانق أناشيد الغزوانيين حتى لا نقول "التغلبيين" قال صاحبي هل تتوقع شوطا ثانيا بين بكر وتغلب؟
فقلت له إن الحارث بن عباد مازال محايدا لأنه يرى أن الحرب "لا ناقة له فيها ولا جمل". وإذا ما "باءَ" ابنه بشسع نعل كليب فسيأمر بتقريب مربط فرسه "النعامة وعندها سيكون الشوط الثاني في صالح البكريين، مع أن عزيز يرى أن دون ذلك خرط القتاد.
ثم أضفت: دعنا من تلك التوقعات ولنعش ليلتنا الجميلة حتى لا تكون كليلة المهلهل بذي حسم:
أَلَيلَتَنا بِذي حُسُمٍ أَنيري :: إِذا أَنتِ اِنقَضَيتِ فَلا تَحوري

بدت إحداهن في خيام مضارب تغلب
عجلي القيام ضحوك عن مؤشرة :: تنسى ملاحتها ذا لؤلؤ دررَه
فكان لسان حال صديقي:
وَإنْ تكنْ تَغلِبُ الغَلباءُ عُنصُرَهَا :: فإنّ في الخَمرِ معنًى لَيسَ في العِنَبِ

بعد تقاطع موري سانتر ونحن قافلون حدثت زحمة سير، فتوقفنا قرب مجنون يحدث نفسه بصوت عال، وكان جالسا يحرك يديه والأفكار تتداعى وتمور في ذهنه تقذفها الكلمات إلى المستمعين..
كنا ننصت إليه، وكان لايتوقف عن الكلام وإنتاج الأفكار المتناقضة التى يضرب بعضها بعضا..
وحين نبهنا سائق السيارة التي خلفنا وقد تحركت السيارات التى أمامنا، قلت لصاحي "سيري درواتك" حتى يكمل الرجل كلامه.
فضحك وقال: هذا مجنون!
قلت له: ماهُ أجنْ من حد هو على الأقل مشعور بينما عشرات من أمثاله يبثون المقاطع الطوال على الفيس والناس تستمع إليهم كأنهم حكماء زمانهم وهم "أجن من صاحبنَ" ثم إن الفيلسوف الكبير ميشال فوكو يقول إن "الجنون يغري لأنه معرفة" إذا تمكن الإنسان من الإفلات منه، و يقول إن "الجنون فكرة".
وهذا الفيس "مخيم" كبير وكل واحد منا يقف على حافة الجنون ويعاني أزمة داخلية مرعبة، نتيجة الحر والتخيلات.

كامل الحموضة.
يوم النعناع
كان شيخا كُبارا وكنت أختلف إليه في بعض الأحايين..
كان يأوي من الثقافة الشعبية إلى ركن شديد، وكان يحدثني عن غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، وكان يضرب المثل في البعد بواد نون..
سألته ذات سانحة عن واد نون، صمت برهة ثم مسح لحيته بيده وأخذ نفسا عميقا وقال:
واد نون.. واد بعيد.. بعيد يا ولدي..
فقدَ فيه جدنا ضرسه صبرا يوم النعناع..
قلت له وما يوم النعناع؟
قال: ذات رحلة لبيع الملح والبحث عن ريش النعام وصل جدي إلى واد نون، فوجد زعيمه قد ضرب (أگيطون) يسيح فيه الفارس، بثت فيه الزرابي وصفت فيه النمارق، ووضع الفحم في الأفران ونفخ رجال في ضرامها بالرّابوژ(الحانوت) الزكي الرائحة ذي الجلد الأصفر الموشي بالذهب..
ثم طاف الغلمان على الناس بصحاف اللحم والكسرة وقصاع الكسكسي، وأباريق الشاي وكؤوس ماء الود، وكاسات الشهد، ومغاسل النحاس عليها المغارج والصابون البلدي المعطر طري الملمس..
ودارت عليهم الجواري بمواقد البخور ورشاشات المسك الممزوج بالعنبرومسحوق الغوالي..
كان زعيم واد نون يتصدر المجلس يحيط به الوجهاء ، جلس جدي في طرف المجلس يجتلي ويجول ببصره في ذلك المشهد العجيب الذي لم ير مثله في حياته وهو القادم من أعماق المنتبذ القصي.
مر غلام يحمل طبقا من النعناع الأخضر فمدّ رجل يده إلى حزمة من النعناع شمها منتعشا، ثم أرجعها للطبق..
صاح الزعيم من على كرسيه بصوت مجلجل كالرعد: اقطعوا رأس ذلك الرجل الذي يشم النعناع في مجلسي!
قدم إليه رجل قوي البنية وذهب به إلى المقصلة..
وضع جدي يده إلى فمه متعجبا!
فصاح به الزعيم بذات الصوت المجلجل كالرعد: مالك يامن تضع يدك على فمك؟
فارتعدت فرائص جدي فرقا – يقول الشيخ – وقال بسرعة: تؤلمني ضرسي..
فصاح الزعيم برجل آخرقائلا: (حيّدلو الرحى إديالو)..
فامسك بي رجل مفتول العضلات، خرج بي وفتح فمي وسألني عن الضرس التي تؤلمني فأشرت إلى واحدة، فأزالها بكماشة عنده دون أن أحس بأي ألم لفرط الخوف..
ثم تحسس جدي رأسه وحمد الله أنها ماتزال على رقبته، وانطلق راجعا إلى المنتبذ القصي لايلوي على شيء.. راضيا من الغنيمة بالإياب.
كامل الود

  بين يدي (ماڪال طوبى) كانت السيدة "مريم محمد بُوصٌو" امرأة صالحة، و "تلميذة" للولي الصالح العلامة أحمد للعاقل الديماني،...