الخميس، 23 أبريل 2026

 سيدي أحمد ولد سيديا التندغي الشگاني
البطل المُغيَّب





في المغيّب أو المسكوت عنه في التاريخ، حيث تخفت الأسماء التي لم تُنصِفها السرديات الرسمية، يبرز اسم سيدي أحمد ولد الشيخ ولد سيديا التندغي الشگاني بوصفه واحدًا من أولئك الرجال الذين صنعوا الحدث وبُنِيّ فعلهم للمجهول.
شخصية جمعت بين روح المقاومة وصلابة الموقف، وبين الحضور الاجتماعي الوازن والفاعلية الاقتصادية، فكان نموذجا مركبا لرجل دولة لم يتح له أن يدون في صفحاتها كما ينبغي.

ولد سيدي أحمد في الأول من مايو سنة 1929 بمدينة سين لوي (گت اندر)، في السنغال، في بيئة متعددة المشارب الثقافية والاجتماعية، لأب هو الشيخ ولد سيديا الشگاني، وأمٍ ولفية هي "مور افّال" من نبيلات المدينة "امنات اندر".

لم يلبث أن عاد به والده إلى مرابع أهله بعد فطامه بقليل، حيث نشأ في كنف عمته "لميمة"، متشبعًا بقيم البادية وأعرافها، وقد كانت لقبيلته إشگانن
رحلة الشتاء وتنتهي عند السمسيات والبظيات جنوبا، ورحلة الصيف وتنتهي في تيارت الحسيان، وعادة ما يكون موسم الخريف قي منطقة انتيدبان. فترحل مع قومه في جميع ربوع آفطوط الساحلي.

درس في محظرة لمرابط المامي ولد أباب، متلقيًا علوم القرآن والفقه واللغة، وهي النواة التي صاغت وعيه المبكر وشخصيته المتزنة.
وفي سياقٍ تاريخي كانت فيه البلاد ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي، تشكّل وعيه السياسي على نحو مبكر، متأثرا بمحيطه الأسري والعشائري المناوئ للاستعمار، حيث عرفت قبيلته إشگانن بمواقفها الصلبة في مقاومة الهيمنة الفرنسية، وكانت من أشد المقاومين للاستعمار عسكريا وثقافيا، وانخراط كثير من شبابها في حركة النهضة، وفي تصويت السكان بـ لا في استفتاء تقرير حق المصير 1958(وَيْ ونون).

عاد سيدي أحمد إلى السنغال بعد أن طُلب للتجنيد، كان قوي البنية وعرف بين أقرانه بـ(متن اذراع)، وقد حدث أن تغيب أيام خدمته العسكرية، فأمر قائده الفرنسي أربعة جنود افارقة بضربه.. فأوسعهم ضربا بكل سهوله.. فأمر أربعة آخرين .. وهكذا... وفي المرة الرابعة ضربه أحد الأربعة فسقط أرضا.. فماكان من الفرنسي إلا أن أمر الجميع بالتوقف.. واعفاه من عقوبة الحبس.
وبعد أن خدم سنتين في الجيش الفرنسي بالسنغال، عاد إلى موريتانيا وبدأ مشوار حياته الاحتماعية والسياسية.

درس نظاميا عبر المراسلة في السنغال، وحصل على ديبلوم يعادل البكالوريا، وكان ضليعا في اللغة الفرنسية، شأنه شأن والده الشيخ، وعمه المصطفى اللذين درسا في المدارس الفرنسية.

ومع نهاية خمسينيات القرن الماضي، انخرط سيدي أحمد في صفوف الحركة الوطنية، فكان من أبرز النشطاء في حزب النهضة، ذلك التنظيم الذي رفع شعار الاستقلال الكامل ورفض كل أشكال التبعية.
لم يكن انخراطه في العمل السياسي شكليا، بل اتخذ طابعا نضاليا مباشرا؛ إذ شارك في عمليات مقاومة ضد الوجود الفرنسي، وتعرض للاعتقال أكثر من مرة، متنقلًا بين سجون نواكشوط وامبود.
وقد عرف بجرأته وإقدامه، حتى غدا اسمه مرتبطا بأعمال رمزية جسدت روح التحدي في وجه المستعمر.
ومع اقتراب فجر الاستقلال، دخلت البلاد مرحلة إعادة التشكل السياسي، حيث شهدت سنة 1961 ما عرف بالطاولة المستديرة، التي أفضت إلى توحيد القوى السياسية في إطار حزب الشعب.
شارك قادة النهضة في هذا المسار، وإن ظل التوتر قائما بين رؤى الاستقلال الكامل وبين استمرار النفوذ الفرنسي.
في هذا المؤتمر تمت المصادقة على دستور 1961م ودخل بوياگي ولد عابدين الحكومية كأول وزير للنقل والبريد والمواصلات.
عين بوياگي زميله سيدي أحمد ولد الشيخ ولد سيديا مديرا للنقل لما يعرف فيه من الصدق وبعد النظر والديناميكية، ومما يحسب للوزير ومدير نقله تأسيس الخطوط الجوية الموريتانية، ومحاولة كسر احتكار شركة لاكومب (Lacombe) الفرنسية للنقل البري في موريتانيا، لكن رؤيتهما المتقدمة للاستقلال الكامل اصطدمت بواقع معقد من التوازنات السياسية، فقدم بوياگي سنة 1963 استقالته واستقال معه مدير النقل سيدي أحمد ولد الشيخ ولد سيديا.

إلى جانب مساره السياسي، برز سيدي أحمد كوجه اجتماعي مرموق في نواكشوط، ومن أوائل من سكنوا حي لكصر، حيث كان منزله ملتقى للناس، ومأوى للوافدين، وعنوانا للكرم والمهابة، وقد جمع بين الحزم في الموقف واللين في المعشر، فحاز احترام محيطه وهيبته في آن واحد.

كما لم يكن بعيدًا عن مجالات الاقتصاد والإنتاج، إذ انخرط في الأعمال الحرة، واهتم بالزراعة في وقت كانت فيه المبادرات الفردية نادرة.
كا ن عمه المصطفى ولد سيديا، من أوائل رجال الأعمال الذين خدموا الوطن، من خلال مشاريع زراعية رائدة فكان له نخلٌ قرب أول محطة للوقود في نواكشوط قرب المسجد العتيق (ابن عباس) في موضع يعرف بانخيل ولد سيديا، كما كانت له مزرعة بها نخيل وأعناب، وتزرع فيها الفواكه من أصناف شتى في وادي (انْكِلّيدَه) شرقي نواكشوط شمال تن اسويلم، ونالت المزرعة أعجاب الرئيس المختار ولد داداه حين زارها صحبة وفد أوروبي ووقعت للمصطفي فيها قصة طريفة مع مريم داداه.

وقد حذا سيدي أحمد حذو عمه فاهتم بالزراعة في ملزم "الگيرع"، كما كان من أوائل من التفتوا إلى إمكانات الزراعة في شمامة، وتظهر سيرته في هذا المجال روح المبادرة والاستقلالية، رغم ما واجهه من عراقيل، بعضها ذو طابع سياسي.

وتكشف إحدى محطاته البارزة عن صلابته وإصراره؛ حين تعرّض لعملية احتيال في صفقة تجارية دولية، فاختار أن يلاحق حقه بنفسه، مسافرًا إلى سوريا، حيث استطاع بجهوده الخاصة استعادة جزء من أمواله، في واقعة تعكس قوة شخصيته وقدرته على فرض حضوره حتى خارج حدود وطنه.

ففي سنة 1976 دخل سيدي أحمد صفقة توريد مع تجار سوريين لتوريد باخرة من الخراف من موريتانيا إلى سوريا، وبعد العملية قطع السوريون المحتالون صلتهم به، فقرر الذهاب إلى سوريا لاسترجاع أمواله.
خاطب وزراة الخارجية لمساعدته لدي نظيرتها السورية فلم تستجب، وبعد وساطات عائلية وصل الأمر للوزير حمدي ولد مكناس الذي أسر للقوم بأن هناك أوامر عليا بعدم تسهيل أي إجراءات تتعلق بسيدي أحمد!

وبجهوده الخاصة وكان قوي العزيمة وصل سيدي أحمد إلى سوريا، وقابل وزير داخليتها مبرزا له الوثائق كلها المتعلقة بالصفقة وأسماء الأشخاص.
كان ذلك صباحا وفي المساء استدعاه الوزير ووجد لديه الأشخاص مقييدين.
توصل مع عشائرهم لحل وسط استعاد به بعض أمواله، لكن السؤال الأهم لديه كان: كيف تم القبض على الأشخاص بهذه السرعة؟
أجابه الوزير: لدينا نظام أمني هرمي نستطيع من خلاله إحضار أي شخص من خلال العشيرة والبلد والفصيلة، وكأنه يشبه نظام الهياكل في حكم هيدالة.

وعلى الصعيد الاجتماعي و الثقافي، كان سيدي أحمد صاحب ذائقة أدبية رفيعة، متمكنًا من الشعر بشقيه العربي والحساني، ومرتبطًا بعلاقات وثيقة مع رموز الفن والأدب، وله علاقات وطيدة مع أسرتي أهل انگذي وأهل الميداح.
وقد خلدت بعض المواقف الطريفة حضوره في هذا المجال، لتدل على مكانته وتأثيره، فذات هول للفنان محمد عبد الرحمن ولد انگذي (حمّه) رحمه الله، غصّ الحفل بالمدعوين فلم يجد سيدي أحمد سبيلا للولوج، فكتب گافا في ورقة وأعطاه لمن يوصله للفنان حمّه:
لاريت أمنادم متعكرد :: گافُ في اللّامة، وازكٌيّ
شُكٌاني بُراص امشكرد :: مستخظر لِمّو كورية
حين قرأ حمّه الگاف أوقف الهول وقال: خلّو سيد أحمد ذاك ولد الشيخ ولد سيديا، يدخل جاي.

تزوج سيدي أحمد تزوج ابنتَ بنت عبد الفتاح من أهل سيد المژدف (تندغة)، وتزوج بعدها اخديجة بنت ببكر من لعلب (أولاد امحمد)، تزوج بعدها من زينب وَنْ ابنة إبراهيم ون أول مديرا لهيئة البريد والموصلات.

كان رجلا ذا أنفة ومروءة راجح العقل قوي البنية، وطنيا قوميا، سمى أحد أبنائه على صديقه الزعيم بوياگي ولد عابدين، وآخر سماه باسم الزعيم جمال عبد الناصر.

كان واسع الاطلاع وله استشرافاته دقيقة لدرجة أن أغلب معارفه كانوا يسشيرونه في أمورهم من المحيط الاجتماعي ومن خارجه
ويقول بعض لِداته إن كافة الاستشرافات التي أخبر بها تجاريا وسياسيا شاهدوها بعد رحيله، منها مايتعلق بالعمل على ملكية ارض نواكشوط
والاندماج في السياسة والتمدرس وغير ذلك.

وتوفي رحمه الله يوم الجمعة 16 شوال 1402هجرية، الموافق: 6 أغسطس 1982ميلادية، بعد حياة حافلة بالعطاء، تاركا وراءه أثرا عميقا في ذاكرة من عرفوه، وإن لم يحظ بما يستحقه من توثيق وإنصاف.
يقول صديقه الفنان الكبير الحضرامي ولد الميداح:
ياربي ترحم يالرحيم :: ول الشيخ الماكيفو حد
والطف بالناس فذى الحريم :: ياربي عاكب سيد أحمد

وقد رثاه كوكبة من العلماء والشعراء، ويقول العلامة القاضي أحمد شيخنا ولد أمات من قصيدة في رثائه:
ولهٌ أصاب القلب لم يتوله :: مهلا له رحمى لمن يتوله
لخسوف بدر غاب عن أبصارنا :: فتحركت اكبادنا جزعا له
يابدر إن عيوننا ونفوسنا :: نضاخة من برح ذكرك وُلَّه
يا من إذا هتف المنادي مسمعا :: والرعب يأخذ في القلوب محله
كنت الغياث لخائف ولطامع :: فالكل تحميه وتحمل كَله
يا حصننا عند الخطوب وقطبنا :: يامن حويت المجد أجمع كله
إن افتقادك في الزمان لعثرة :: ما كان يكبو مثلها فعلن له

إن سيرة سيدي أحمد ولد الشيخ ولد سيديا التندغي الشگاني ليست مجرد حكاية فرد، بل هي جزء من ذاكرة وطن، ومن مرحلة تأسيسية لم تُكتب بعد بكل تفاصيلها. وهي تطرح سؤالا ملحا: كيف تسقط مثل هذه الشخصيات من سجل التاريخ؟ أهو الإهمال، أم الانتقاء، أم ضيق الرواية الرسمية؟
أياً يكن الجواب، فإن إعادة الاعتبار لهذه القامات ليست ترفا معرفيا، بل واجب أخلاقي وتاريخي، فالأمم التي لا تنصف رجالها، تفرّط في جزء من ذاكرتها، وتخاطر بتكرار نسيانها. لقد آن الأوان لأن تعاد كتابة هذه السيرة كما ينبغي، لا بوصفها مجرد ذكرى، بل باعتبارها درسا في الوطنية، والكرامة، والإصرار على الفعل.

كامل الود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

  سيدي أحمد ولد سيديا التندغي الشگاني البطل المُغيَّب في المغيّب أو المسكوت عنه في التاريخ، حيث تخفت الأسماء التي لم تُنصِفها السرديات الرس...