العلامة أحمد بن كداه الكمليلي
في أقصى الجنوب الغربي من منطقة الگبلة، في ذلك الامتداد الذي عرف قديما بالساحل، وبين نجوع كرمسين، وعلى خط شمامة، ولد في منتصف القرن التاسع عشر أحد أعلام وأئمة النحو والأدب في هذه البلاد:
العلامة أحمد بن محمذ «كداه» بن أحمد بابو الكمليلي.
لم يكن مولده حدثا عابرا في حياة أسرة من أسر قبيلة "إكمليلن"، ولا رقما يضاف إلى سجل الأسماء التي تعاقبت على تلك الربوع؛ فقد كانت مخايل النجابة تبدو عليه منذ حداثة سنه، وكانت نفسه تنزع إلى العلم نزوعا لا يهدأ، حتى غدا واحدا من أولئك الرجال الذين صنعتهم المحظرة، وصنعوا هم بدورهم صفحات مضيئة في تاريخها.
نشأ ابن كداه في بيئة علمية عريقة، وكانت قبيلة "إكمليلن" واحدة من البيئات التي احتضنت العلم، وأقامت للمحظرة مكانتها في منتبذ قصي لم تكن وفرة الكتب فيه أقل ندرة من وفرة الماء.
وكانت محاظر القبيلة راسخة القدم عالية الكعب في علوم المنقول والمعقول، وخرجت أجيالا من العلماء الذين ذاع صيتهم في الآفاق.
ومن تلك المدرسة العلمية خرج رجال أفذاذ، من أمثال: المؤيد بن المصيوب الكمليلي، وأدييج بن عبد الله الكمليلي، والشيخ المستعين بن طلحة الكمليلي، ومحمد بن عبد القادر بن الأمين الكمليلي، والشيخ عبد الله بن سيد محمود الكمليلي، والشيخ السالم بن أغربط الكمليلي، وغيرهم ممن جعلوا من المحظرة مؤسسة علمية قائمة على التلقي والحفظ والمناظرة والبحث.
ولم تكن شهرة هذه المحاظر محلية؛ فقد شد إليها طلاب العلم الرحال، ونزل بها علماء كبار، من بينهم لمرابط محمذن فال بن متالي، والشيخ محمد آسكر بن سيديا بن محم الغلاوي، في مشهد يكشف عن مكانة تلك البيئة العلمية في عصرها.
وفي هذا المناخ نشأ أحمد بن كداه، فنهل من موارد محظرته الأولى، وأخذ عنها ما يأخذه الناشئ في أول الطريق، غير أن همته لم تكن تقنع بما يناله أقرانه، كان العلم بالنسبة إليه طريقا لا محطة، وكلما قطع مرحلة رأى أمامه أفقا أوسع.
فانتقل من محظرة إلى محظرة، وأخذ عن العلامة محمد فال "ببها" ولد محمذن ولد أحمد العاقل، ثم حملته همته إلى محظرة العلامة يحظيه ولد عبد الودود (اباه)، الذي كان قد بلغ في علوم العربية منزلة جعلت معاصريه يصفونه بأنه "سيبويه زمانه".
وهناك بدأت صفحة أخرى من حياة ابن كداه؛ صفحة لم يكن عنوانها العلم وحده، وإنما الصبر على العلم، فقد مكث في محظرة يحظيه أربع سنين، ذاق خلالها من الغربة وشظف العيش ما لا يحتمله إلا طالب علم استبدل راحة الجسد براحة اليقين.
نفد زاده، وضاقت ذات يده، وأصبح الجوع رفيقه الدائم، لكنه لم يكن يرى في ذلك سببا للرجوع، فقد كانت الغاية أن يتمكن من ألفية ابن مالك، ذلك المتن الذي ظل قرونا ميزانا لرسوخ طالب العلم في صناعة النحو.
وحين اشتد به الجوع، كتب إلى أهله أبياتا جعل فيها من المحنة مادة للفكاهة الأدبية، ومن الجوع والنحو خصمين يتنازعانه:
فمن مبلغ أهلي بأني هاهنا :: أقاسي أمورا لست فيها بمنجد
يساورني جندا أبي وابن مالك :: ومن ساور الجندين لابد يجهد
أدافع جند الابن إن جاء صائلا :: ومالي بجند الجد إن جاء من يد
وكانت براعة ابن كداه في التورية واضحة؛ فـ "أبو مالك" عنده كناية عن الجوع وهي علَم عليه، بينما "ابن مالك" ألفيته، وكأنه يقول لأهله: إنني أخوض حربين معا؛ حرب الجوع، وحرب العلم، وكلاهما لا يرحم.
لكن الحرب الثانية كانت أحب إليه.
فقد أتم الألفية، ولم يكتف بالحفظ، بل أقبل عليها إقبالا يكشف عن عقل نحوي متوقد، فأتقنها بالطرة والاحمرار، وانفتحت أمامه أبواب النحو التي كانت مغاليقها لا تستجيب إلا لمن امتلك أدواتها.
وحين رأى شيخه يحظيه هذا النبوغ، أدرك أنه أمام تلميذ تجاوز مرحلة التلقي إلى مرحلة التمكن، فقال عنه كلمته الشهيرة: ول كداه سل النحو باعروگو".
ولم يكن إعجاب يحظيه بتلميذه مجرد ثناء عابر؛ فقد توج ذلك بإجازة تعد من الإجازات النادرة التي كتبها يحظيه، وها نصها:
” (إن الذين يكتمون ما أنزلنا..) الآية، (ولا تكتموا الشهادة..) الآية.
اعلموا وأعلِموا مستنصحا شاوَركم، ومُسْتخبرا حاوَرَكم، بأني أوريتُ لأحمد بن امحمد بن بابو فقبسَ؛ وأوحيتُ فنبسَ، ونجَّذت فضرَّس، فصار منِّي في التوابع بدلا ليس بعضا ولا مُباينا ولا مشتملا
التابع المقصود بالحكم بلا :: واسطة ٍ هو المسمّى بدلا
مبتدأ بلام جنس عرفا :: منحصر لمخبر به وفى
وخبر المحصور قدم أبدا … كما لنا إلا اتباع أحمدا
كتبه يحظيه بن عبد الودود تيب عليهما”
وكانت هذه الإجازة في منزلتها العلمية والأدبية من النوادر، حتى إن العلامة محمد فال "ببها" ولد أحمد العاقل، حين وصلت إليه، لم يحتج إلى إطالة التعليق عليها، وإنما ذيلها بعبارة قصيرة، لكنها ثقيلة الدلالة:
«وأنا كذلك».
ثم وقع تحتها.
ولا تعادل إجازة يحظيه لأحمد ولد كداه، إلا إجازته لتلميذه أبي بن حيمود الجكني، إذ تعدان من إجازات يحظيه النادرة.
كتب يحظيه في إجازة أبي بن حيمود:
{الحمد لله الذي لا ينبغي الحمد إلا له، حمداً يواصل إحسانه، ويكافئ أفضاله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد أفضل من رفع الإسنادْ، وأرفع من أجاز الرواية عنه في كل نادْ، وعلى آله المهتدين، وصحابته الذين بلغوا الدين.
أما بعد:
فقد أجزت وإن كنت جديراً بقول القائل:
ولستُ بأهل أن أجيز وإنما :: قضى الوقتُ يرقى الدونُ مرقى الأكابر.
تلميذي وصديقي وقرة عيني، في بعدي وبيني: أحمد محمود الملقب أبي فديته بأمي وأبي، في جميع مسموعاتي ومروياتي ومقروءاتي من معقول ومنقول، وفروع وأصول، إجازة تامة مطلقة، ولا سيما في الجامع بين التسهيل والخلاصة، ومختصر خليل.
فقد صحبني إحدى عشرة سنة؛ فتلقى ما تلقى مني في غير نوم ولا سنة؛ فصار لسان الحال يقول:
التابع بالحكم بلا واسطة هو؛ فصار مني للتابع بدلاً؛ فقلت: وما لكم إلا اتباع أحمدا، نصيحة ورشداً} اهـ
يحظيه بن عبد الودود.
وقد أشاد بهذه الإجازة الشاعران الكبيران: العالم الأديب ابن مقلة زمانه أسند بن محمد ناجم الجكني بقوله:
لا زال لا زال مَنْ هذي إجازتُه :: في سابغات من النعماء موضونه
لا زال فوق بساط العلم ترفعه :: دعائم من خراب الدهر مأمونه
يرمي بأفئدة الطلاب لؤلؤة :: من زاخر العلم بالأصداف مكنونة
والعلامة ممُّو ولد عبد الحميد الجكني بقوله:
إجازة هذا الشيخ أفضل مغنم :: حوته ونالته يد المتعلم
ينال بها كنزا من العلم فاخر :: ومَنْ يستبحْ كنزا من المجد يغنم
ونكمن أهمية الإجازة من عالم مثل يحظيه، بأنها ليست تزكية فقط، وإنما هي اعتراف بالمكانة العلمية، والسند الذي اتصل به، والشيخ الذي شهد له.
لم يكن أحمد بن كداه نحويا جامدا، يحفظ القواعد ويستظهر المتون ثم ينصرف؛ بل كان عالما جمع بين النحو والصرف والأدب والشعر والنقد.
ويعده أهل العلم من الطبقة الأولى من تلاميذ يحظيه، وقد ترك تراثا منظوما يدل على سعة اطلاعه وقوة ملكته، ومن أشهره مدونته المعروفة باسم «الكداهية»، التي ضمنها أنظاما كثيرة في فوائد النحو والصرف.
وفيها تظهر قدرته على اللعب باللغة دون أن يفقدها دقتها العلمية.
ومن أجمل ذلك ما نظمه مخاطبا شيخه يحظيه، مستثمرا تعدد معاني كلمة «نحو»:
نحونا بأنحاءٍ من الحاج نحوكم :: تناهز نحو الألف أو هي أكثرُ
فنلنا جميع الحاج لا النحوَ عاجلا :: فنحوكمُ يا شيخ بالنَّحوِ أجدرُ
فهو يكرر «نحو» ومشتقاتها، لكن كل واحدة منها تؤدي معنى مختلفا، فيجمع بذلك بين المعنى واللعب اللفظي والوظيفة النحوية، وهي ملكة لا تتأتى لمن كان علمه مجرد محفوظات.
ومن آثار ابن كداه أيضا نظمه المشهور في النحو، الذي جاء واضح العبارة، قوي السبك، قريب المأخذ، مع احتفاظه بالدقة العلمية.
فحين قال ابن مالك:
بالجر والتنوين والندا وأل :: ومسند للاسم تمييز حصل
جاء ابن مضيفا ومكملا في نظمه بقوله:
ويعرف الاسم بعود مضمر :: له، كما أجمل أم عمَر
وهي طريقة تكشف عن قدرة الرجل على الانتقال من النحو بوصفه علما إلى النحو بوصفه لغة حية قابلة للنظم والشرح والإبداع والإضافة.
وهنا تكمن قيمة ابن كداه الحقيقية؛ فلم يكن مجرد حافظ للمتون، وإنما كان واحدا من أولئك الذين استقرت القاعدة في عقولهم حتى صارت جزءا من ملكتهم اللغوية، يعبرون عنها شعرا، ويشرحونها نثرا، ويستخرجون منها طرائف المعاني.
وله كتاب في الفقه يسمى المجموع (المحبوك) جمع فيه أهم المسائل والنوازل المتداولة بين العلماء في ذلك العصر، وفيه بعض الانظام الفقهية..
قال عنه العلامة عبد القادر ولد الأمين الكمليلي:
ماذا من العلم مجموع بمجموع :: بل لايُرى مثله بل غير مسموع
مجموع أحمد هذا لانظير له :: فرد محاسنه ليست لمجموع
وألف العلامة أحمد بن كداه في التاريخ تأليفا مهما يعرف في الأدبيات المحلية بـ (تاريخ ولد كداه)، أرّخ فيه لوفيات علماء وأمراء وأعيان، وذكر في معلومات وحوادث مهمة لم يذكرها غيره،وهو ما يعطيه أهمية خاصة لدى المؤرخين، ويغطي هذا التاريخ 64 سنة تبدأ من سنة 1263 هـ وينتهي سنة 1327 هـ..
ومن شعره قوله في مدح الجواد الكريم محمد ولد عبد العزيز ولد الشيخ محمد المامي الباركي، ومن براعته فيها أن حرف الهاء تكرر في مطلعها ثماني مرات:
أصابتك دهم من دواهي الهوى فاهْمِ :: دموعك هما من دواهي الهوى الدّهم
وقف بديار جابها كل بارح :: وسارٍ من الوسمي أعلامها يرمي
فلم يبق منها والزمان مغير :: سوى حرجات الحي والنؤي ذي الثلم
فإن تُبلها الأيام بعدي لربما :: عهدت بها خودا منعمة الجسم
بعيدة مهوى القرط بيضاء غادة :: مشنبة الأسنان طيبة اللثم
بطيئة كرِّ الطرف تحسب طرفها :: به سقم بادٍ وما ثم من سقم
إذا كلمتني أثّرت بحديثها :: ومبسمها في القلب كَلمًا على كلم
رمتني بسهم عن قسي جفونها :: به جلجلان العاشقين لها تصمي
فبادرت نحو الغوث أبغي مزاره :: فإن مزار الشيخ من سهمها يحمي
على جمل عار من الرحل متنه :: قطعت إليه البيد أكما على أكم
وحسبي به عونا على كل حاجة :: وحسبي به أمنا إذا كنت ذا جرم
توارث من عبد العزيز وجده :: محمدٍ المامي مراث ألِي العزم
فما لهم من معجرات سنية :: يجوز كرامات لآبائه الشم
عليهم من الخيرات وسم يخصهم :: فعن غيرهم حازوا المعالي بذا الوسم
أناس مع أبنا باركلّ كأنهم :: يواقيت قد وسطن في العقد ذي النظم
إذا وضعوا بيضا من الجهل فيهم :: تفل ظباها السابغات من الحلم
فمن يك ذا حزم يسالم محمدا :: ومن لم يسالمه فليس بذي حزم
تحف به من ناصريه عصابة :: أسود لدى الهيجا غيوث لدى السلم
قضى الدهر فينا اليوم والحال شاهد :: بتقديمه فضلا وما جار في الحكم
تدارك ركن الدين بعد انهدامه :: وركن المعالي قد حماه من الهدم
تراه إذا ما أشكل العلم مصلتا :: على مشكلات العلم سيفا من الفهم
وما الجود إلا جوده ووفاؤه :: وما العلم إلا ما حواه من العلم
إذا خفض الدهر الأرامل ضمهم :: لكيما ينال الرفع من ذلك الضم
فهذي عروس زفها الفكر نحوكم :: فجد بالدعا مهرا بمغفرة الإثم
ونيل الذي أرجو من العلم والتقى :: فإن رجائي منك في غاية العظم
على خير خلق الله والآل كلهم :: صلاة وتسليم لدى البدء والختم
ولعل أجمل ما في سيرة ابن كداه أن طريقه إلى هذه المكانة لم يكن مفروشا بالراحة، فوراء العالم الذي نقرأ إجازته اليوم، كان هناك فتى غريب، نفد زاده في محظرة بعيدة، وأضناه الجوع، لكنه ظل جالسا أمام ألواح العلم وكتب النحو.
وبين صورة ذلك الفتى وصورة العالم الذي صار شيخا يشار إليه بالبنان، مسافة صنعتها الإرادة.
فالجوع الذي كان يمكن أن يكون سببا في انقطاعه، صار مادة في شعره.
والغربة التي كان يمكن أن تعيده إلى أهله، زادته تعلقا بمحظرته.
وضيق ذات اليد لم يمنعه من بلوغ ما أراد.
وهكذا لم يكن إتمامه لألفية ابن مالك مجرد إنجاز دراسي؛ بل كان انتصارا على الظروف قبل أن يكون انتصارا في النحو.
عام 1337ه، الموافق سنة 1919م، أسدل الستار على حياة هذا العالم الكبير.
كان عام وفاته هو عام «زل» بحساب الجمل، وقد أرخ العلامة المختار بن المحبوبي اليدالي لوفاته ضمن مجموعة من الأعيان الذين رحلوا في العام نفسه، فقال:
وعام «زل» موت ذو العرفان :: قاري الضيوف مترع الجفان
محمد بن الحب للرحمان :: لازال في رحمى وفي أمان
ذو الفيض والكشف وحسن الخلق :: والخلق والبشر بوجه طلق
وفيه موت العالم ابن العالم :: ذي الفضل عبد القادر بن السالم
أخي التآليف الثمان والدرر :: مع المبين والفوائد الغرر
يسرع للحق لوجه الحق :: فياله من عالم محق
وفيه مات ذو العلوم التندغي :: حلف الإبا عن كل ما لا ينبغي
وهو أبو بكر سليل الأكيس :: أحمدُ باب ذو المقام الأنفس
ونجل كداه مضيء ليلِ :: النحو، فتح المشكل الكمليلي
كامل الود