الأحد، 12 أغسطس 2018

محمد ولد محمد خُويَ (ابّوكو)


فى مجال جغرافي اصطبغ بالشعر بين آوكار وانشيري وتيجيريت وتازيازت وأزفال وتيرس، قامت ربوع  تغنى بها محمد ولد الطلبة وتحرك فيها الفارس عروة زمانه محمد ولد أحمد مرحبَ، حيث التضاريس موغلة فى الجمال والقسوة، وحيث الندرة الشديدة فى الأمطار " معدل 50 – 120 ملم فى السنة " مع معدلات تبخر مرتفعة وعواصف رملية دائمة وزحف مستمر للرمال وطبقات مائية جوفية قليلة المخزون مرتفعة الملوحة بنسبة 2-9 غرام فى اللتر فى الطبقات المائية الجوفية " وانعدام المجاري المائية، ويغطي تلك المنطقة غطاء نباتي ليفى وعشبي فقير من أشجار الطلح "السيال" أورراش الأرطاء واسبط " أژران -الحلفة " والسعدان و التمات وآسكاف وآتيل وإيگنين والغرقد والذنبان، وثروة حيوانية تتمثل فى الإبل والماعز، ولئن كان المجال فقيرا في موارده صعبا في تضاريسه فإنه غني بأهله:
تَلْ اگويدسْ ذَ گال حدْ :: مجدوب ؤلا عندو مَ
وابعيد امن المَ غير بعد :: عندُ خيمَه معلومَ

مجال تحرك فيه محمد ولد الطلبة اليعقوبي حيث آملِّ وتورارين :
"بتورارين" مربع للرباب :: حسن لو أبانَ نطق الجواب
و "بآملِّ " حوله ربع سلمى :: صيرته الليال حقف الرغاب

والنيش بو اخزامه :
صاح قف واستلح على صحن جال :: سبخة النيش هل ترى من جمال

وكثيب الموج إلى أزفال .. من لوى الموج عامدات الزفال وهضبة اكويدس
ويقول امحمد ولد الطلبة، ذات شوق مسائلا راعيّ الذود عبد الودود ولد الدخنه في تلك الربوع:
أقولُ لِراعي الذودِ بَينَ شُلَيشِلٍ :: و لَبَّةَ والعَينانِ تنهمِلانِ
أيا راعيَ الذودِ الهجـائِنِ قِف مَعي :: سقاكَ حبِيٌّ ذو أجَشِّ يمانِ
أُسائِلكَ عن حَيِّ الشقيقَةِ إنَّني ::  وإيّاكَ يا راعي لمُسَّئلانِ
فَقالَ انتحوا (للمَوجِ) واحتَثَّ ظَعنَهُم :: غُدَيَّةَ حادٍ ليسَ بالمُتواني

واظبيعيات والكارح والتيحمماتن وابيرات آحميّم وبن اعميره والتيجراج:
يانَ مَسّكْ تلْ آجلاج :: بِتْ ؤُ لانك متمونكْ
اتمونك شوف التيجراج :: مروحها عادْ امّونكْ

في هذه البيئة ولد ونشأ محمد ولد محمد ولد اسويد أحمد ولد محمد خويَ المجلسي، من بطن إيدوعمر، اشتهر بلقب "ابُّـوكُو" ، كما اشتهر كذلك بـلقب "ولد محمد خويَ"، وبـلقب "ولد اسويد أحمد".
ولد سنة 1270 هـ - 1853م، درس على ذويه وعلى أهل محمد ولد محمد سالم. ولئن كان مجال تنقل ولد محمد خويَ الأساسي ظل فى منطقة آكشار "اذراع" وتخومه، فإنه جاب أصقاع المنتبذ القصي وارتاد آفاقا شملت سان لوي "اندر" حيث زار ربع عزة اندر "دار ولد ابن المقداد" فتمام الحج أن تقف المطايا على خرقاء واضعة اللثام، فمدح محمدن ولد ابن المقداد "دود سك" ولقي ولد هدار وساجله، كما مدح الشيخ ماء العينين وبنيه و مرّ على ابن كمال الدين الشيخ سيديّ باب فى بتلميت ومدحه ومدح الأمير أحمد سالم ولد ابراهيم السالم ومدح وساجل الأمير سيدي أحمد ولد أحمد العيده. عُرِفَ بالبلاغة والقبول والجواب الحاضر، فكانت كلماته تسير سير المثل، وكان يجيد المدح والتعريض وفنّ المساجلات.

يقول ولد محمد خوي في مدح الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل وكان ذلك إبان غزّيِ الأركاب سنة 1905 الذى قاده الشيخ ماء العينين ومعه زعماء قبائل المنتبذ القصي وقبائل الصحراء طالبين العدة والعتاد من سلطان المغرب المولى عبد العزيزبن الحسن الأول وفدوا عليه في فاس وكان الوفد كبيرا يناهز الألف وفيه ولد محمد خُويَ. قال محمد ولد محمد خويَ:
هَذانَ گاعِدْ بين أيديكْ :: حَجَّبْلِ يَالشَّيْخْ اعليَّ
مِن لِحجابْ الِّ نعرف فيك :: عن ذاك إلّ نعرفْ فِيَّ
ناس التّلْ اتگول السلطان :: يِهْديلَكْ بَانْواعْ الْحَيْوانْ
وانَّكْ ذاكْ امْرَگَّبْ لك شَانْ :: كِذْبِتْ ذي الناس التَّلِّيَّ
السلطان اعطاكْ القُرْآنْ :: اعطاك اخليلْ ولَلْفِيَّ
اعطاك المنطق والبيان : : دَارْ افگَلْبَكْ زينْ النِّيَّ
وَساكْ اتگسَّمْ مِيتْ اعْنانْ :: وَساكْ أوْلَ من لَوْلِيَّ
هاذَ يَعْطيهْ الاَّ سلطانْ :: حگْ ؤُ سلطان العَطِيَّ
مانَكْ مِنْ لَشياخ الِّ اِزِلْ :: يَالشَّيْخْ ، ؤُلَفْظكْ ما يِنثِلْ
ؤلانكْ من لشياخْ الِّ اِمِلْ :: مَرَّ واتْجرُّ نَفْسِيَّ
مِسَّاوِ عندك ميتْ اِبِلْ :: فِالْمَعْطَ هِيَّ و اُوگِيَّ،
وادِّلْ اعْلَ السِّتْرَ، وادِّلْ :: زادْ اعْلَ الْمُحَمَّدِيَّ
يَخاتِمْ لَوْلِيَّ يَوِلْ :: امَّلِّ خاتِمْ لَنْبِيّ

وفي غزي لركاب قال أحد تشمشه مداعبا ولد محمد خوي:
ما يتمونك لگعاد:: بداع ؤلا يفلش
ؤلا يجبرْ غفيَ زاد :: من ذ كهل المدلش
فأجابه ولد محمد خويَ:
أنت فالش فالحين :: ألَ عت أل تفلش
راع ذ بل منين :: گامت خلطة شمش

ولمحمد خويَ :
يَهْلْ الحاج الدَّهْرْ اسَّگَّمْ :: والناسْ اتگَنَاتْ ؤ يِزَّ
البِلْ فَرْغِتْ، يَغَيْرْ الْهَمْ:: ما يَفْرَغْ هوَّ والعِزَّ
يِگْدِرْ يُعَدَّلْ من لِغْنَمْ :: والدَّهْر الاَّ حِزَّ حِزَّ
ءُگالْ العَرْبِ : "ألا إنْ لَمْ :: تَكُنْ إبلٌ فَمِعْزَ"

وله في المدح بما يشبه الذم :
ذِ النوبَ گالتْ لخطاطيرْ :: البِلْ عند أهل ابّاه ارگاگ
ماهُ عَيْبْ إلهَا بلْ انتيرْ :: ابلدْ عزتها من لخلاگ
نعْرْفَه گاعْ آنِ فَالطَّيْرْ :: الْبَلْ عند أهل اباه ارْگاگ
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم..

ويقال إنه ذات زيارة لبابَ ولد الشيخ سيديَّ، تزوج ولد محمد خوي لكنه خاف أن يسمع أهل الساحل بأمر الزواج‘ فذهب إلى باب قائلا:
أَخْيَار الِّ بين البحرين :: انتَ، واَخْيارُ زادْ احجابْ
مِن عندْ اطلوعْ الشمسْ اِلَيْنْ :: "حَتَّى تَوَارَتْ بالحجابْ"
يَلِّ ما گَطْ امعاكْ اغلاظْ :: اَمنادِمْ ما تَمْ الَّ گاظْ
ؤلَفْظَك زاد أحْلَ من لَلْفاظْ :: ؤدُعاكْ اگرانْ امْعَ لِجَابْ
حَجَّبْلِ لِطريگِ تِبْياظْ :: خاطِرْ مِنْ عَندَكْ جابْ احجابْ
ما يُسَوَّلْ عن گدْ الْ خاظْ :: ؤلا يُسَوَّلْ عن گدْ الْ جابْ

ويقول للشيخ محمد ولد الشيخ سيدي المختار ولد الشيخ سيديا ذات لقاء في مدينة أطار:
عنك گولْ الْ سيد المختار :: وخيرتْ ابْـمحمد فطار
جات امعاه الناس الخطار :: أولاد الناس المعلومَ
وامشَ زاد امعاهَ فنهار :: مفهومْ ؤهيّ مفهومَ

ويقول ابّوكو في العلامة محمد لمين ولد عبدالقادر ولد محمدسالم رحمهم الله:
محمدْ لمينْ ألاّ بَيْنْ :: العلمْ ولمروَّ والدّينْ
ؤلستقامَه والطبعْ الزينْ :: واجوارُو متعدلْ واحْلُو
اسكِ يمحمدْ لمينْ  :: الا كاردْ وَطيات أهلُو

ولولد محمد خوي في مدح محمد بن عبد العزيز بن الشيخ محمد المامي، وكان محمد المامون بن الشيخ محمد تقي الله بن الشيخ محمد فاضل قد أخد ذات غارة إبلا لمحمد بن عبد العزيز:
يالطمَّاعْ انتومَ ذَ المالْ :: محمدْ المامونْ إلّ گَالْ
گـتّوهْ انتومَ والفصّالْ :: ابْلَ مالْ  ؤرَاهْ اتْليْتُ
ولّ لا تمشُ ما ينگالْ :: عنكمْ كونْ اليومْ اخليتُ
بيَّ باطْ أمةْ محمـدْ :: ما فيهَ حدْ اتلَ ريـتُ
نافعكمْ ماهُ محمدْ :: لجيتُ واللَّ ما جيتُ

وله في مدح محمد ولد اعل :
ما نعرف عربِ يرسلِ :: گط اعلَ معطَ حاجلِ
خاطِ محمد ولْ إعلِ :: هذا ولْ إعلى ولْ أحمد
ارسولُ جانِ عند أهلِ :: سيد احمد ريتُ، ريتْ أحمد
ريتْ أحمد سالم ول إعلِ :: ؤ ريت إعلِ ول اسويد أحمد
ذ كامل من لعرب ريتُ :: ولا گط ارسلِ منُّ حد
يكون إلَ عدت انسيتُ :: ءُلآنِ نسايْ لهذا بعد

ولولد محمد خوي الگاف الشهير يخاطب فيه الأمير المجاهد سيدي أحمد بن أحمد بن سيد أحمد بن أحمد ولد عيده:
لاجَ سيدي أحمد لادْرار :: امبارك شورُ الحـارك
ويلا ماجاهْ ألاّ البــــارْ ::منُّو هو لمبـــــــاركْ

وله في أحمد سالم ولد إبراهيم السالم :
مرحبتي بلّ لا انشاف :: تفرح كم من عريانَ
ءُ مرحبتي بلّ ما ايخافْ :: منّ ماهُ ملان

ويقول البعض إن في كافيْه "لفْ لگدم" في قوله "لاج سيدأحمد لادرار" بمعني لا أتى أبدا وأن في قوله "لا انشاف" أي لا ريئَ أبدا "

وللأمير سيد أحمد ولد أحمد العيده مخاطبا ولد محمد خويَ:
يل روحك للرزق إتميل :: و اتبان اعليها عدت إذليل
من ش يوقع فيهَ ثقيل :: إعلم عن ذ كامل مدروك
لرزاق اعليهم ميكائيل :: موّكل ما يترك متروك
ؤ لرواح اعليهم عزرائيل :: يگبظهم من ذوك ءُ من ذوك
وان مملوك وميكائيل :: و عزرائيل امل مملوك

وأجابه ولد محمد خويَ :
مول الطلعة بيه التوحاد :: عندِ عنُّ زاز المعتاد
راسل من بلاد لبلاد :: طلعه تتعاطاها لحنوك
عن لرزاق ءُ لعمار أكٌداد :: و عن مولان مالك لملوك
آنَ مملوك وعند زاد :: عن گوال الطلعه مملوك
وفي تتعاطاها لحنوك رغزة للأمير فقد كان فمه محكوكا ومن ذلك أن بعض دافعي لغرامه أدّى إليه بعيرا فقال الأمير: هاذ لبعير فمّو محكوك فقال الرجل : ماهُ وحدو فقال الأمير ش امعاه ، قال الرجل امعاه عكّة.

ومن الحكايات أنه كان ذات مرة سائرا فى انشيري فبصرت به مفرزة أولاد بسباع فعرفوه وكان يُعرف من بعيد بجمله الأبيض الكبير وكان قد بلغهم عنه تعريضه بهم فى حربهم السجال مع "أولاد اللّبْ " فأرادو التبكيتَ عليه فقال قائلهم بعد أن أحاطوا به : لن نقتلك يولد اسويد أحمد سنقوم فقط بقطع لسانك " بموسٍ بارد " وبعدها سنطلقك فانظر ماذا ترى ؟ قال " اعطوني نكمي أولا " فأعطوه " يكمي وهو جالس يدخن قال لهم أسمعوأ :
مارتْ عنْ شرفكمْ تحقيقْ :: ماهُ من ذ الشرفْ لعرجْ
ماكَطْ ادخلتُ مرجعْ ضيقْ :: ما طاكمْ ملانَ مخرجْ
- ءُ لافيكمْ واحد ماهُ ثلبْ :: ءُ لافيكمْ مدفعْ ماهُ سَلْبْ
ءُ بيّاعينْ إلْ ربّاحْ اجَّلبْ :: ءُ تعْطُ قيمتْ گلبْ افمَغْرجْ
ءُ لاكَطّيتُ دوّيتُ گلبْ :: الگلبْ اتْهنوهْ امْرجْرجْ
مارتْ عنْ شرفكمْ تحقيقْ :: ماهُ من ذ الشرفْ لعرجْ
ماكَطْ ادخلتُ مرجعْ ضيقْ :: ما طاكمْ ملانَ مخرجْ

وعاش ولد محمد خويَ مِائَةَ سنة حيث توفي سنة 1370 هـ 1950م، وخلف عدة أبناء كان كبيرهم جيد القريحة، ودفن ولد محمد خويَ وحيداً بِموضع يقال له " اسْـبـاخْ أهل النفاع " من أرض آوكار " يقول الشيخ الطالب اخْيار بن الشيخ بونَنَّه بن الشيخ ماء العينين:
ابنُ (مُحمَّدْ خويَ) عامَ شَسَعا :: قضَى ، وقَرناً عاشه فاستَمِعا
أرجو له سعادة الدارين :: بِمدحِهِ للشيخ ما العينينِ

كامل الود

الأربعاء، 8 أغسطس 2018

البيطورة اليدالي


هو البيطورة والبيتورة بالتاء والطاء، لكن الطاء أشهر، ويعرف أيضا بـ " ابّا مختار" بن محمد بن عبد الله اليدالي لأبيه محمد بن عبد الله وأمه حسنة بنت محمذن بن ألما بن المصطفي "ألما العربي"،نجلته وأخوته الكرام أبناء حسنة:
تركتْ حسنَه مافيهَ عيب  :: ذيك الناس اشهودْ اعليه
البهجَة معلوم اف لگريب :: ؤريّس لين امش بيه
والبيتوره عالم واديب :: تبغيه الناس ويبغيه
سيد صالح يخبر بالغيب :: والدنيَ ماعينُ فيه

ولد البيتورة سنة 1220هـ / 1805 م عند بئر المنار، حفظ القرءان وهو ابن سبع ودرس مبادئ الشريعة والنحو على ذويه، وأخذ عن شيوخ عصره، درس العقيدة والتفسير والفقه على العلامة محمذن فال ولد متالي وأخذ عنه بعض مبادئ الطب والتصوف واختلِف هل أخذ عنه الطريقة الشاذلية أم لا.
كما درس فترة من الزمن على العلامة محنض باب ولد اعبيد أخذ عنه خلالها جملة من العلوم.
وكان البيطورة مشاركا في علوم المنقول والمعقول ومن أبرز مشائخ التربية والسلوك، أخذ أوراد الطريقة التيجانية إجازة وتقديما عن العلامة الجليل أبي السعود سيدي مولود فال الموسوي اليعقوبي، وكان صاحب سره ومؤدب أبنائه، ولقن البيطورة أوراد هذه الطريقة لبعض فضلاء عصره من أمثال بڭِ بن سيد بن حرمه الفاضلي وببكر ولد محمذن ولد احجاب الفاضلي،  وله في التوسل بشيخه مولود فال:
يلّ كرمكْ مگط زال :: يامجيبَ المنادي
بركتْ شيخي مولود فال :: يعملْ يوفَ مرادي
فلّ نبغِ من شي احلال :: سمعُ يوجعْ حسادي
وارفع درجتْ فاجميع حالْ :: إعلَ لولادْ أولادي

وكانت للبيطورة علاقة خاصة بشيخه مولود فال وأعطاه من أسرار الطريقة مالم يعط غيره، وكانت له علاقة بفضلاء عصره من أمثال محمذن ولد أحمد للعاقل الأبهمي والعلامة محمد فال ولد باب ولد أحمد بيب العلوي الذي كان له عليه ممر وهو في طريقه إلى الحج. كما كانت له علاقة بأمراء عصره خاصة الأمير اعل ولد محمد لحبيب، وكان مهيبا رزق القبول والعظمة في القلوب، وذات غارة لجيش تابع للأمير إعل ولد محمد الحبيب على أسراح في إيگيدي نهب الجيش فيما نهب حلائب لابن عم البيطورة سيدي الفال بن باني " بَبّـاه "و كان مـن حملـة القـرآن ومـن أطبـاء بنـي ديـمـان، فقصد البيطورة الأمير اعل ولد محمد لحبيب لاسترداد المنهوب، وحين رآه اعل قادما وهو الذي لا يتعتّب أبواب الأمراء، قال لأحد أعوانه انظر مالذي أتى بالبيطورة؟!
وحين أخبروه أنه جاء في أمر إبل نهبت من الحي، أمر برد جميع المنهوب إكراما للبيطورة وطلب منه أن يؤذن له في خيمته.
وذات مرة سئل الأمير اعل هل تحب أن تكون مرابطا؟
فقال: لا ، إلا إذا كنت سأكون مثل البيطورة.
وكان البيطورة لورعه لاينكر نسبه الشريف لكنه قال لبنيه "لانريد مكانة الشرف في الدنيا بل في الآخرة"ويروى مثل ذلك عن ابن عمه بَبّاه بن باني.
كان البيطورة طويل القامة جميل المحيا وسيما، وعرف بالحلم وكمال العقل، اشتهر بكراماته الكثيرة وخوارقه العجيبة.
واقترن اسم البيطورة بالجود، وذاع صيته بالكرم وبه عرف في كل مكان وصله ذكره وتركه شنشنة معروفة باقية في عقبه "آل ابّا مختار" تحركت بها السنة الشعراء وجادت بها قرائحهم.
ويروي المختار ولد حامد في موسوعته عن العالم الجليل مختارات بن محمذن بن محمد فال بن عبدي :
" كان البيطورة رجلا فاضلا لايترك الطهارة في صحة ولا مرض، عالما يتلو القرءان آناء الليل وأطراف النهار، وليا مشاركا في فنون العلم من قرءان وحديث وعقيدة وفقه وسيرة وتصوف وغير ذلك، كثير العبادة، جوادا سمحا، يحب المساكين والفقراء والأيتام ويكرمهم ويجالسهم ولا يأنف منهم، وقد ضرب بصدقته المثل فقيل "أكثر من صدقة البيطورة" وكان كثير الصوم ويتصدق بفطوره غالبا وكان كثير الكرامات مجاب الدعوة مجرب زوره في كشف البلاء، وعرف بكثرة العبادة والصلاة ".
وما ذكره العلامة المؤرخ ابن حامد أشار إليه إليه العلامة الورع القاضي محمد سالم بن المختاربن المحبوبي بقوله:
فالعالم السنـيُ زيـن العابدين:: من فاق الأقران بعلـم وبدين
قد كـان وردُه مـن الصـلاة :: مائة ركعة عـن الثقاتِ
ومن كراماته انه ما أذّن قط إلا ورأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما يشير إليه العلامة الجليل أحمدو ولد التاه ولد حمينَ:
وإن يؤذن عاينَ النبيا :: صلى عليه ربه مرضيا
كان كثير القراءة للقرءان جيد الخط ينسخ المصاحف كثير الحفر للآبار، كثير الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكان زكي الرائحة ولم تكن العطور متوفرة حينها ويقال إن كثرة صلاته على النبي أكسبته "زين الريحه"، وكان ورعا يزن الأمور بميزان الشرع وإلى مكانته وانفاقه وعلمه وحلمه وكمال عقله يشير العلامة المحقق المختار ولد المحبوبي في تأريخه لوفاة ابنه ماهي بن البيطورة :
وعام "لام" ...
وموت ذي العلم صفيِّ الله :: حلفِ العلوم والتُّقاءِ ماهِ
سليل من قد فاقَ فى الآفاقِ :: بكثرة الإرفاق والإنفاقِ
على بني غبراء والأرامل :: والعلم والحلم وعقل كامل
أعني به العلامة البيطورا :: لازال من سحب الرضى ممطورا
من كان خلَّف لدى فَنائه :: بيتاً يلوحُ الخير من فِنائه
به بنون سادة أهل سخا :: وعرضهم لمّا يدنسهُ طخا
وعن كراماته يروي المختار ولد حامد في موسوعته عن العالم الجليل مختارات بن محمذن بن محمد فال بن عبدي كذلك:
ومن ذلك أنه كان مع ابنه محمد محمود في بيداء وعندهما بقية ماء في شنة فأراد محمد محمود أن يورد فرسا عنده خيفة أن تسقط حملها فقال له البيطوره صب لها بقية الشنة فقال إذن نعطش قال له صبلها
 فصب لها فشربته كله، فما برحا أن سقطت عليهما مزنة شربوا منها وسقوا دوابهم و ملؤوا أوعيتهم ولم تجاوز محلهم الذي كانوا فيه.
ويضيف العالم الجليل مختارات بن محمدذن بن محمد فال بن عبدي :
"وعن الثقة أنه لما توفي البيطورة كانت الليلة مدلهمة فيها رذاذ فلما حملوه أضاءت لهم كالنهار حتى فرغوا من دفنه، وكانت وفاته عشية يوم الإثنين 20 صفر 1313هـ الموافق 12 اغسطس 1895م ، عن ثلاث وتسعين سنة ودفن في " انتوفكت"، وخلف البيطورة من زوجته امباركه بنت سيد أحمد بن ألمين من أولاد أشفغ حيبل أبناءه : محمد محمود وماهي والسيد ومولود فال"إمّوّ"، وبناته : ميمونة وأم الحسن وحاجة .
وقد أشار العلامة الفاضل ببكر ولد محمذن ولد احجاب في منظومته تحقيق الأستاذة خديجة بنت الحسن التي وصفت البيطورة بشيخ الناظم، يقول ابن احجاب:
وسشيج مات به البيطورا :: وأودع الأطلال منه النورا
والمستوي أنجاده والغورا :: وكل من كان به معمورا
غادره متوجا محبورا :: لايختشى تعطيله الدهورا

كامل الود

أشفغ أوبك بن أشفغ مگر التامگلاوي


يؤثر عن الولي الشريف سيدي محمد الصعيدي أنه قال:
دخل هذه الأرض قبلي (أرض الگبلة)  سبعة أولياء كمّل هم:
- أشفغ أوبك التامگلاوي.
- الإمام ناصر الدين.
- ياندگسعد الجد الجامع لقبيلة تاشدبيت.
- حمدي بن الطالب أجود الشريف نسبا الحاجي وطنا.
- محمد بن المختار بن محمد السعيد (محمد اليدالي) علما.
- محمذن "آب العلم" بن المختار بن أشفغ موسى الموسوي.
- المختار بن أشفغ حيبلّ.

عرف الشيخ الولي أشفغ أوبك بن أشفغ مگر التامگلاوي بالصلاح والكشف وهو الكبير أبو الكرام الكمل، وأبو البنات وهن حرز المنزل.
فقد كان من المعروف لدى الناس أن أسماء بنات أشفغ أوبك أمن وحرز للمنزل، وكان أشفغ أوبك يرقّص بناته وهن صغيرات، فكان حين يرقص ابنته "هيتيا" يقول:
إني أجد ريح الجهاد فأنجبت الإمام ناصر الدين وشقيقه محمد منير الدين.
وحين يرقص ابنته "تنغوس" يقول:
إني أجد ريح السم فأنجبت له ربيب الأفعى الشيخ حبيب الله نالمختار الألفغي صاحب رقية السم هو وبنوه:
وصاحب السم حبيب الله :: فلا تكن عن زوره باللاهي
وحين يرقص ابنته "حنانه" يقول:
إني أجد ريح القضاء فأنجبت القاضي المختار بن أشفغ موسى وتسلسل القضاء من بعده في عقبه.
وحين يرقّص ابنته " فاظمة" يقول:
إني أجد ريح الكشف فأنجبت خالنا ابن الفاضل الأبهمي جد العلامة امحمد ولد أحمد يوره الذي انترش عن ذكره فكنّى عن ذلك بضيق نظمه، يقول امحمد:

عجْ بالكبير أبي الكرام الكُمّل :: وأبي البناتِ وهنّ حرزُ المنزل
فولدنَ كلَّ مجاهدٍ ومشاهدٍ :: سرّ الغيوب وكلَّ قاضٍ أنبلِ
مثل الذي بسيوفه وزحوفه :: ردّ الأنامَ إلى السبيل الأعدل
وشقيقِه نعمَ الشقيقُ محمدٌ ::وردَ الحِمام مع الرعيل الأول
والمشتفَى ببروقِه وبريقه :: من كل ذِي حمة وداءٍ معضل
والموسويون الألى قد فصّلوا :: فصلَ القضاءِ بكل حكمٍ فيصل
والنظمُ ضاق ببعضهم فحذفته :: ولربما حُذف الذي لم يجهل
ثم الصلاة على النبي محمد :: خيرِالأنام ووصلةِ المتوصل

قال العلامة أحمد بمب بن أحمد بن الأمين بن العاقل في "الصلة المبرورة" شرح شعر ابن أحمد يوره معلقا على أبيات امحمد هذه :
"البعض الذي حذف هما العالمان الوليان الشقيقان خالنا وحوبك ابنا الفال بن المختار .... "
وقال الأستاذ محمد فال ولد عبد اللطيف في كتاب أنساب بني أعمر اديقب:
"وقد سمع جدنا الشيخ أحمد بن الفاضل منشدا ينشد في النوم:
بناصر الدين الذي بأوبك ::  يدعونه وخالنا وحوبك
وهينيا حنان بدر الحلك :: تنغوس أيضا زكت فيمن زكي
فهؤلا بنات أشفغ اوبك..
وحوبك المذكور من العلماء الصالحين دفين تشكركر يقول العلامة محنض باب بن امين في نظم مدافن الديمانيين:
وعد حوبك سليل الفاضل  :: حفيد عثمان أخا الفضائل

وقال العلامة أحمذ ولد زياد في تذييله لنظم المدافن:
وزر بتشكركر أبا ذا من بكى ::  لسمع صوت في الصلاة حوبكا
يشير قصته المشهورة مع شيخه ألفغ المختار باب اليدالي وأوردها العلامة أحمدّو ولد حمينَ في بغية السائلين وهو نظم له في أنساب اليداليين وهو الذي يقول فيه:
وكافل الابنا بعد شربب حلها :: ومقرئهم ما جاء ضمن الصحائف

كامل الود

الأحد، 5 أغسطس 2018


الوُرْگِيَ



منشور كتبته قبل مدة، نسخه أحدهم حتى إذا بلغ دُوين الصفا اللائي يلين (كامل الود) أوقف النسخ وألصق المنسوخ على صفحته دون عزو.
/
يضرب البظان المثل بوَلّتِ الوُرْگِيَ للشيء الذي لايتكرر، فالوُرْگِيَ غزالة تلد مرة واحدة ثم تطول قرونها -كما صحح لي الزملاء- فلا يمكنها التزاوج بعد ذلك.
ومن أشهر گفان شور "يلالي مغلاك اعليّ":
ماگطْ انذكرتْ وانْجَبرتْ :: نيثِ كيفكْ بعد انتيَّ
وِيلَ عادت گط انذكرت :: وانجبرتْ، وَلّـتْ وُرْگِيَّ
وفي ذات الشور يقول الأديب الكبير حماده ولد الدمين رحمه الله:
جيداره حسك وامحَسكْ:: عن حسك نهولْ دخليَ
والحسْ إلّ ماهُ حسك :: عن حسو نغلك وذنيَ
ومما قيل فيه للفنانة النعمة بنت الشويخ:
مجموع إل خالگ من غيد :: فيه النعمه فوگانيَّ
و النعمه ما تعطيها ليد :: العربيّه للعسريَ
وقال فيه الفنان الكبير محمد يحي ولد البوبان: 
راخي كنتْ ؤعهدي مرخِ :: غير احكمتْ اغلاكْ انتيَّ
بيديَّ، وانَ ما نرخِ :: شِ فتْ احكمتُو بَيديَّ
وقيل فيه:
ماكِنِّ غيوان امخالف :: خلانِ بيناتْ الحيَّ
مانِ ميّت غَيرْ الواگف :: عندْ الموتْ إراعِ فيَّ
وقيل فيه:
البارحْ فالظلمه مسقوم :: ريت امرَه واخْطاتْ اعلي
واصبرتْ إلها، يَغيرْ اليومْ :: اعوينتْ بَو بوها هيَّ..
ومما ذكرت فيه الورگي قول الشاعر في" المگفي":
مانك طفله زينه تشتد:: أخبارك حَتَّ يَنّقصَد
أسنيناتك كُمزَ فبْلد :: وأوجيهك كيفت لوگيَّ
راصك شعثان أومتلكد :: وأظفيرك فرْ أتكَرزيَّ
وابلا بدلَ تلمعْ فالخَد :: وابلا تسبيح ؤُلاَ لَيَّ
وامليحَفتك دخنَه من گد :: الرا صْ ؤلاهِ مسگيَ
ءُ خيمتكم مايدخله حد :: واجبارك (وَلّـتْ وُرْگِيَّ)
وأمعَ ذ كامل من لنواع :: إلِّ نبغِ بعد انتيَ
وانتِ هيّ طب التلياع :: وأنتِ هيّ وانتِ هيَّ

كامل الود

السبت، 21 يوليو 2018

العلامة محمد بن عبد الودود الحاجي




بين آوكار وإينشيري وتيجيريت وتازيازت وأزفال وتيرس، مجال جغرافي قامت به محاظر بثت العلم في قلوب الرجال وعم إشعاعها أقطار المعمورة، قامت على ظهور العيس وفي حواضر مثل آبير وشنقيط و وادان وأطار.
ولئن كانت أطلال تلك المحاظر قفر مرابعها تستوقف البواكي، فإنها يوم كانت عامرة اتسعت لحكمة العالم، وكانت تعشو إلى ضوء نارها البوادي وعند رقراق علمها السلسبيل أنهت الصحراءُ صيامها، ولئن جف الشذى وتفرق الأهل، فإن روحها بقيت مُعتَقة في دِنان الدهر تتعاطى سلافها الأجيال جيلا بعد جيل.
التضاريس التي اصطبغت بالشعر، موغلة فى الجمال والقسوة، حيث الندرة الشديدة فى الأمطار، وطبقات مائية جوفية قليلة المخزون مرتفعة الملوحة، ويغطي تلك المنطقة غطاء نباتي ليفى وعشبي فقير من أشجار الطلح (السيال) أورراش الأرطاء واسبط (أژران والحلفة) والسعدان و التمات وآسكاف وآتيل وايكنين والغرقد والذنبان، وثروة حيوانية تتمثل فى الإبل والماعز، واقتصاد يعتمد على مقايضة السلع بالتمر والملح، ويقف في طريق خط نشط للقوافل وهي تحمل الذهب والملح والعبيد في رحلة الشتاء والصيف بين تمبكتو وسنلوي و واد نون، لمقايضته بالشاي والقماش والقطران، والزرابي والحبوب، والتمر، والعطور، والبهارات.
ولئن كان المجال فقيرا في موارده صعبا في تضاريسه فإنه غني بأهله:
تلْ اكويدسْ ذَ گال حَدْ :: مجدوبْ ءُلا عندُو مَ
وابعيد امن المَ غيرْ بعد :: عندُ خيمه معلومَ

من أقدم محاظر ذلك المجال الجغرافي وأرسخها في العلوم وأعلاها كعبا في فنّي المنقول والمعقول، محظرة العلامة شيخ الشيوخ فريد عصره ونسيج وحده العلامة محمد بن عبد الودود الحاجي وابنه عبد الودود.
يقول الأستاذ الكبير أحمدُو ولد عبد القادر:
وصف صالح بن عبد الوهاب في "الحسوة البيسانية في معرفة الأنساب الحسانية" محمد بن عبد الودود وابنه عبد الودود من أهل الحاج بأنهما "فخْر الزوايا وحسان".
كان العلامة محمد بن عبد الودود متفوقا في علوم العربية والمنطق والفقه والأدب، لأنه جال طويلا في طلب العلم داخل القطر، وتوغل شمالا في طلبه حتى وصل الزاوية الدلائية في الأطلس المشهورة بعلوم العربية، فدرس فيها كل ما هو متاح من علوم وفنون.
ومن بين ما تميز به أنه كان يطبق منهجا في التعليم، يخصص للغة العربية والتمحض لتدريسها، نحوا وصرفا، ودلالة، وبلاغة، ومعجما، أغلب السنوات الأولى من دراسة الطالب.
وبعد إتقان علوم العربية وحفظ معاجمها كالقاموس، يبدأ للطالب في دراسة الفقه وتفسير القرآن وغير ذلك.
وكان يدرّس غيلان بشرح ابن خروف، وهو أول شرح لديوان ذي الرمة غيلان يصل للمنتبذ القصي، لابن خروف الأندلسي، وهو علي بن محمد بن علي بن محمد بن نظام الدين الحضرمي، المعروف بابن خروف الأندلسي الإشبيلي، وكان شرحه لديوان غيلان معتمدا في المنتبذ القصي خاصة في محاظر العلويين والحسنيين.

وكان العلامة محمد بن عبد الودود يدرّس، الألفية في علمي الصرف والنحو بشرح أبي زيد عبد الرحمن المكودي الفاسي المتوفى سنة 807 ﻫ، وهو إمام النحاة في زمانه، وأعلمهم باللغة، ينسب إلى قبيلة بني مكود، وهي إحدى قبائل هوارة التي استقرت ما بين فاس وتازة، كان عالما بالنحو، درس كتاب سيبويه بمدرسة العطارين، وبعد خبرته الطويلة في التدريس، شرح ألفية ابن مالك، ويعتبر شرحه من بين الكتب الخالدة، وأول شرح لألفية ابن مالك دخل المنتبذ القصي، جلبه العلامة محمد سعيد بن تگدي اليدالي، الذي قام برحلة علمية إلى تافلالت بجنوب المغرب الأقصى في القرن العاشر الهجري، وتضلع من علوم النحو و اللغة.
وأورد الدكتور محمد المختار ولد اباه في كتاب " الشعر و الشعراء فى موريتانيا "، أن محمد سعيد بن تگدي أول من أدخل النحو إلى القبلة
ويؤكد ذلك الأستاذ الخليل النحوي فى كتابه " بلاد شنقيط المنارة والرباط " ناقلا عن العلامة المؤرخ المختار ولد حامد الذى ينقل عن العلامة والد بن خالنا رحمهم الله : " يروى أن محم سعيد ولد تگدي اليدالي الذي درس في تافيلالت بالمغرب وعاش في القرن العاشر الهجري كان اول من جلب النحو إلى منطقة القبلة (الجنوب الغربي لموريتانيا) ولذلك سمي النحوي, وسمي عدد من اعلام البلاد من بعده باسمه " .
ويقول العلامة أحمدو بن التاه بن حمينا:
ومنهم محمد السعيـد :: نجل تگدي العالم الفريـد
أول من للقبلة النحوَ جلب :: فسمي النحوي من ذاك السبب.

كما كان العلامة محمد بن عبد الودود يدرس ابن هشام في السيرة، والشعراء الستة بصورة معمقة، إضافة لأيام العرب وأنسابهم.
وكان طلابه يحفظون المدونة لسحنون ومختصر خليل بن إسحاق، والرسالة لأبي محمد بن أبي زيد القيرواني، والتبصرة لابن فرحون، وإضاءة الدجنة بشروحها، والسُّلّم للأخضري، إلى غير ذلك من الكتب.

كان العلامة الشيخ محمد ولد عبد الودود مرجعا في مجاله الجغرافي وخارجه، وتصدر للفتوى الشرعية في حله وترحاله، وتولى هو وابنه عبد الودود القضاء في إمارة يحي بن عثمان، خاصة في عهد الأمير العادل أحمد ولد امحمد ولد أحمد العيده:
مِنْ عَافِيتْ أحْمَدْ لمْحَمَّدْ :: وِلْ أحْمدْ مَا يَگـبَظْ لِغـْـيَارْ
حَدْ الْ حَدْ ولا يَعْطِ حَدْ :: الْ حَدْ اتـْـلَ مَاهُ لَخْـبَارْ

توفي العلامة الشيخ محمد ولد عبد الودود عند (ژوگ) يقول تلميذه العلامة الشيخ محمدُ ولد احظانا الحسني في رثائه:
جُلُّ ما كان من وفاء العهود:: كان للشيخ نجل عبد الودود
إن عينا لم تبكه يوم (ژوگٍ) :: بنجيع خليقة بالجمودِ
فعيون النهار تبكي لصوم :: وعيون الدجى لأجل السجود
وعيون العلوم جرّى عويص :: وعيون العطاء للمجهود
وعيون الآثار تبكي لضبط :: ومعان مناسبات الحدود
وعيون الآراء تبكي لرأي:: مستقيم ذي مرة محمود
فلئن كان إرث أحمد فينا :: فهو أولى بإرثه المعهود
حاز معنى الحديث من كل وجه :: بأسانيده ولفظ شرود
حاز نحو النحاة من كل وجه :: بتصاريفه وضبط المكودي
وتراه أبا المودة يملي :: بشروحاته ونص كؤود
إن تزره تزر جوادا كريما :: لوذعيا مطابق المقصود
حسن الخلق والشمائل أري :: للمصافي وعلقم للجحود
لو رأينا من المنون فداء :: لفدينا بتالد المنقود
لفديناه بالنفوس جميعا :: وذوات الدماء بيض وسود
فجزاه الإله خير جزاء :: عن أهالي القرى وأهل العمود
بث فيهم علومه بقبول :: وبها قد تصدّروا للصُعود
فاسكننه دار النعيم مقيما :: في نعيم من ظلها الممدود

ويقول الأديب العالم محمد عبد الرحمن ولد المبارك ولد اليمين الگناني في رثاء الشيخ العلامة عبد الودود ولد محمد:
مَعلومْ الظاهرْ ؤُ معلومْ اسريرَ :: الكَيّسْ الرِّيِِسْ امن أيامْ لحْوالَ
وخيرتْ لكبيرَ ءُ وخيرتْ اسغيرَ :: امشَ مُوَدَّعْ للرَّبْ تعالَ

ف اسلامتْ المولَ لل لا اتعلْبَ :: وطيو اعلَ امحارد امحارد الطلب
ما خصر الصحب ؤ لاگيم اللجبَ :: واحرام محال امع حد يُشال
وامگوم العُرْبَ ؤ لمسيد والصرب :: واموجر الزربَ من كل جفال
ؤ يعطِي ابلا طلبَ ال لعزوز والعزبَ :: ولّي ابلا نِسبَ والسّيد وانثالَ
من گور تمبمب إل دار ول صمب:: ال تفارد اترنب ل اكربْ بو اغلالَ
ؤ من فم للدلب ال لكراع ل الرگب :: مافيه ول طلبَ ما عادلو انعال
وايزيد مَحَبَّ وافذاك گاع اربَ :: ؤشنگولك املي لجات ارسال
مگطوعت الكتبه وامحيرَ الطلب ::: وامكدر اگبالَ ؤلاشورها حال
ايجيبها ابرغبَ ما گامت اللجبَ ::ؤشنگولك املي فأيام توالَ
فامنين ف اجّدب ذ لناس تدرب :: ؤ تتحاگر الصحبَ ؤ تتميحْلَ الحالَ
ؤ تروكلْ اجّنب وغان والعلب :: ؤ تمور الگرب ؤ تخورد ارسال
إعود ما يغب واشوايلُ لعب :: وايعودلك لعبَ وايگولك اتعال
ل اضعيف يستربَ وايعودلُ افحدبَ :: لمعاطَ ام رگبَ ل اعليها انوال
ؤ من گلت الشَّعبَ ايگد هاك لك يرب :: فامنين ل تجب فجميعتْ امسالَ
ؤ فاصديگ والعرب ما غيس الحربَ :: ؤ يستاهل الصرب واطلع اطوالَ

كامل الود

الأربعاء، 6 يونيو 2018

لمرابط محمد الأمين ولد أحمد زيدان


تذكرت ما بين العذيب وبارق :: مجرعوالينا ومجرى السوابق
بين ﺍﺭﮔﻴﺒﺔ وآفطوط، في لعصابة، مجرعوالينا ومجرى السوابق، وتشمل دائرة لعصابة ثلاث مناطق كانت تعرف تاريخيا بأسماء مختلفة وهي ارقيبة و آفطوط ولعصابة، أطلق عليها الفرنسيون اسم " Cercle de l'Assaba " دائرة لعصابة.
ﺗﺘﻜﻮﻥ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺍﺭﮔﻴﺒﺔ ﻓﻲ ﻣﻌﻈﻤﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻬﻮﻝ، ﻭﺗﻀﻢ ﻣﻘﺎﻃﻌﺎﺕ: "ﻛﻴﻔﺔ , ﻛﻨﻜﻮﺻﺔ , ﺑﻮﻣﺪﻳﺪ " إﺿﺎﻓﺔ إلى ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍلأﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﻣﻘﺎﻃﻌﺔ ﮔﺮﻭ، ﻭﺗﻘﻊ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻦ ﺳﻠﺴﻠﺔ ﻫﻀﺎﺏ ﺗﮔﺎﻧﺖ ﻭﻫﻀﺒﺔ ﻟﻌﺼﺎﺑﻪ ﻭ "ﺃﻓﻞ" ﻭﻭﺍﺩﻱ "ﻛﺎﺭﺍﻛﻮﺭﻭ" .
وتقع ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺁﻓﻄﻮﻁ إلى ﺍﻟﻐﺮﺏ، ﻭﺗﻀﻢ ﻣﻘﺎﻃﻌﺔ ﺑﺎﺭﻛﻴﻮﻝ، ﻭﺟﺰﺀﺍ ﻣﻦ ﻣﻘﺎﻃﻌﺔ ﮔﺮﻭ، ﻭﺗﺘﺸﻜﻞ ﻓﻲ ﻣﻌﻈﻤﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺩﻳﺎﻥ ﻭﺍﻟﻤﺼﺒﺎﺕ ﺍﻟﻤﺎﺋﻴﺔ، ﻭﺗﻤﺘﺎﺯ ﺑﺨﺼﻮﺑﺔ ﺃﺭﺍﺿﻴﻬﺎ ﺍﻟﺰﺭﺍﻋﻴﺔ ﻧﻈﺮﺍ ﻟﺘﺮﺑﺘﻬﺎ ﺍﻟﻄﻴﻨﻴﺔ ﺍﻟﻘﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﺰﺭﺍﻋﺔ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻏﻴﺮﻫﺎ، ﻓﻬﻲ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺯﺭﺍﻋﻴﺔ ﺑﺎﻟﻜﺎﻣﻞ ﻭﺁﻓﻄﻮﻁ ﻓﻰ ﺗﺸﻜﻴﻠﺘﻪ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﻳﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺗﺪﺍﺧﻞ ﺑﻴﻦ ﻟﺒﺮﺍ ﻛﻨﻪ ﻭﺗﮔﺎﻧﺖ ﻭﮔﻮﺭﮔﻞ ﻭﺍﻟﻌﺼﺎﺑﺔ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺮﺗﻔﻌﺎﺕ ﺍﻟﺼﺨﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﻮﻫﺎﺩ ﺍﻟﻤﻨﺒﺴﻄﺔ ﻭﺍﻟﻬﻀﺒﺎﺕ ﺍﻟﺴﺎﻣﻘﺔ ﻭﺑﻴﻦ ﺃﺷﺠﺎﺭ ﺍﻷﻳﻚ ﻭﺍﻟﺴﺪﺭ ﻭﺣﺸﺎﺋﺶ ﺍﻟﺴﺎﻓﺎﻧﺎ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻵﻛﺎﻡ ﻭﺍﻟﻤﻨﺤﺪﺭﺍﺕ ﺣﻴﺚ ﺗﺘﻮﺯﻉ ﻗﺮاه ﻭﻧﺠﻮﻋﻪ، ﻣﻦ ﺟﻮﻙ ﺇﻟﻰ ﺳﻴﻠﺒﺎﺑﻲ وﻛﻴﻔﻪ ﻭ ﺍﻟﻤﻠﮕﻪ، ﻭﺃﻏﻮﺭﻁ، ﻟﮕﺮﺍﻥ، ﻛﻮﺭﻭﺟﻞ، ﻭﺍﻧﻮﺍﻣﻠﻴﻦ وﻛﻨﻜﻮﺻﻪ، ﺑﻮ ﺍﻣﺪﻳﺪ، ﻟﻔﻄﺢ، ﺍﺣﺴﻲ ﺍﻟﻄﻴﻦ ﺑﺎﺭﻛﻴﻮﻝ، ﻟﺒﺤﻴﺮ، ﺑﻮﻟﺤﺮﺍﺙ، ،ﻟﻌﻮﻳﺴﻲ، ﻛﻠّﻴﺮ ﻟﺤﺮﺵ - ﮔﺮﻭ، ﻛﺎﻣﻮﺭ ﺍﺑﻼ ﺍﺟﻤﻴﻞ ﺍﻟﻐﺎﻳﺮه.
في هذا المجال الجعرافي ولد العالم العامل لمرابط محمد الأمين بن أحمد زيدان بن محمد بيبه بن المختار بن سيد الأمين بن المختار بن أحمد الجكني الإبراهيمي، عام 1229 هـ، 1814م لأسرة علمية ذات مجد وسؤدد، لم يعمر والده أحمد زيدان كثيرا بل غادر الدنيا ولمرابط طفل صغير، وكان أحمد زيدان أحد القادة السياسيين المشهورين في قبيلته.
تلقى لمرابط، تعليمه الأول على يد والدته الفاضلة فاطمة بنت سيد أحمد لحبيب وقد كانت عالمة ذكية جدا سريعة البديهة والحفظ يؤثر عنها أنها كانت تحفظ القصائد المطولة من سماع واحد، وقد اضطلعت هذه السيدة العالمة بتربية ابنها الذي توفي عنه والده وهو طفل صغير رفقة شقيقه سيد المصطف، وقد كانت مضرب المثل في حسن التربية حيث تركت بصماتها واضحة في حياة أبنائها ومسارهم العلمي المشهود، ويقول لمرابط عن نفسه إنه أخد عن أمه كل العلوم عدا الفقه، فقد أخذ عنها القرآن وما يتعلق به من رسم وتجويد بروايتي ورش وقالون عن نافع، ثم التحق بخاله الشيخ المختار بن سيد أحمد لحبيب، الذي أعاد عليه القرآن الكريم ليقضي بصحبته مرحلة دراسية أخرى، كان لايكف عن التكرار وذات ليلة لم يجد حطبا يراجع عليه فاستل أوتادا من الخيمة أشعلها ليقرأ على ضوئها فعلم القوم أن للفتى الحدث شأنا ليس لأقرانه، وحين قدم حدثا على شيخه القاضي السيد أحمد بابا بن محمد الجكني، لطلب العلم، كان رجال الحي يعدون العدة لحرب مُحتملة، فكان لمرابط محمد الأمين يجمع الحطب الذي سيوقد فيه النار لقراءة لوحه، فلما رآه القاضي قال للحاضرين: هذا الطفل سيؤول أمرُه إلى أحد احتمالين: إما أن يكون من العلماء البارزين، وإما أن يكون شخصا مغفلا غير مخاطب شرعا، وكان من أمر لمرابط ما كان.
انتقل لمرابط، للدراسة على العلامة الشيخ سيدي محمد بن علي العلوشي، ولازمه حتى تخرج عليه وكان يجلسه بجانبه ويقدمه على تلامذته لما رأى فيه من قوة الفهم وجودة الفكر، حتى شكا طلابه إليه اشتغاله به عنهم فاعتذر الشيخ لتلاميذه بقوله: والله ما استفاد مني شيئا إلا واستفدت منه مثله، وكان يناقشه ويعارضه في بعض المسائل أثناء الدرس.
وبعد عودته من عند شيخه العلامة سيدي محمد العلوشي، تصدر للتدريس، ومن أشياخه الذين أخذ عنهم غير خاله والعلوشي، أخذ عن الدّيه بين المختار، ومحمد الامين بن أحمد المختار، وأحمد بن محمد المشهور بابن رار التنواجيوي.
وقد يصير علما بالغلبه :: مضاف، أو مصحوب أل كالعقبه
فحيث تطلق لمرابط في منطقة لعصابة والحوضين وتگانت، فالمقصود لمرابط محمد الأمين ولد أحمد زيدان الجكني، وحيث يقال الحاسي فالمقصود درگل، البئر ذات الماء العذب الغزير التى لاتكدرها الدلاء، وفي المثل السائر: (لمرابط ولْ أحمد زيدان، والحاس درگل)
وفي آفطوط كذلك اشتهر العلامة السيد أحمد باب ولد محمد الجكني، بمهنة القضاء الذي مارسه في منطقة آفطوط فترة طويلة من الزمن، حتى أصبح يضرب به المثل فيقال: (القاضي إلا إنگال السيد أحمد باب).
اشتهر أمر لمرابط محمد الأمين ولد أحمد زيدان، وجمع رحمه الله، بين العلم والسياسة، كان واسع التأثير مطاعا في قومه، وكان شيخا مفتيا، وقضايا مهابا، يفد إليه أمراء المنطقة من أمثال بكار ولد سويد أحمد، والمختار بن أحمد، ومحمد محمود ولد سيد المختار ولد النهاه، وقد تصادف وجودهم عنده مرات، كما نالت أحكامه القضائية وفتاواه إكبارا وتقديرا من العلماء والأمراء على حد السواء.
ذات سانحة نزل الأمير الشهيد بكار بن اسويد أحمد ضيفا على لمرابط وكان صديقا حميما له، وكان بكار كلما رأى لمرابط يقول (وخيرت) وكان لمرابط يداعب بكار ببيت ابن دريد الشهير:
وإنما المرء حديثا بعده :: فكن حديثا حسنا لمن وعى
وتلك فراسة من لمرابط، لقد خلف الأمير بكار حديثا حسنا وثناء خالدا بعده، فقد اشتهر بالشجاعة والكرم وكثرة الصدقة والأوقاف حتى قيل إن أوقافه بلغت الحرمين، وكانت له خاتمة حسنى بأن مات شهيدا في معركة "بوگادوم"، مقبلا غير مدبر في مقاومة الفرنسيين.
ذات زيارة نزل الأمير بكار على لمرابط، ومع الأمير جماعة من أعوانه، فقدمت لهم ضيافة مستحقة من مضيف كريم يعرف مكانتهم، وبعد مراسم الضيافة وما يليق من الإكرام، حانت ساعة التدريس فكان لمرابط حاسما بالقول: إن الوقت الآن ليس لأي منا، وإنما هو وقت الطلاب، فاستأذن الأمير وغادر مع جماعته فلما فصلت العير قال الأمير لصحبه: هذه هي الإمارة أما نحن فلسنا أمراء حقيقة.
عرف لمرابط محمد الأمين بلين الجانب وحلاوة المعشر لكنه شديد في الحق أسد عند إحقاقه، ذات نزاع اشتكت امرأة من الفارس المشهور فال ولد منكوس الإعيشي، وهو من هو مكانة في قومه ومنعة، وكان يجل لمرابط ويهدي له الإبل وكرائم الخيل، فطلب لمرابط محمد الأمين حضوره، وأجلسه في مجلس القضاء إلى جانب المرأة واستمع للحجج فقضى للمرأة، فأرعد الفارس فال ولد منكوس وأبرق وغضب وقال له مهددا: "تحكم ضدي! "
فقال القاضي محمد الأمين: ارفع صوتك أو اخفضه صوت الرعد أقوى من صوتك والملائكة أكثر من جندك وأصحابك، فخفض ولد منكوس الجناح وكان نبيلا، ورجع إلى الحق واعتذر راضيا بالحكم عليه.
ويقول العلامة المؤرخ المختار بن حامدٌ:
"لمرابط محمد الأمين مجدد الدين في عصره و شيخ مشايخ قطره، مؤلفاته تناهز الستين ما بين مطول ومختصر وأضعاف أضعافها من الفتاوي والفوائد المنظومة التي لو جمعت لكانت أسفارا".
في المنتبذ القصي علماء كتب التاريخ أسماءهم بأحرف من نور في سفر الخلود، ومن أولئك العلماء العاملين العلامة لمرابط محمد الأمين بن أحمد زيدان.
يقول العلامة المحدث محمد حبيب الله بن ميابي عن المرابط بن أحمد زيدان:
"أما لمرابط فهو قاضي قضاة شنقيط وخاتم المحققين في زمانه"
ويقول العلامة الشيخ محمد العاقب بن مايابى في مدحه:
سما نورك الجالي سما كل قاتم :: فما لك في علم الهدى من مزاحم
فأنت فقيه العصر والعالم الذي :: به رفع التقليد عن كل عالم
حميت حمى القضاء لما وليته :: وقد كان أضحى مستباح المحارم
ثناؤك لا يحصيه إطناب ناثر :: ومدحك لا يأتي به قول ناظم
وسبب الأبيات هو أنه وقع خلاف بين أخي قائلها الشيخ محمد الخضر بن مايابى وكانت فيه حدة، وبين لمرابط، في مسألة من مسائل الخيار في النكاح، وقد وقعت بينهما مكاتبات ونثرية ومنظومة، منها قول الشيخ محمد الخضر:
هلمّ إلى ميدان كتب مؤنس :: وَجل فيه يا قاضي القضاة وعرّس
ودعني من تخرج قول وقيسه :: ففكرك فرق واطلب النص وائتسي
وبعد أخذ ورد رجع الشيخ محمد الخضر بن مايابى إلى رأي محمد الأمين بن أحمد زيدان في مسألة الخيار المذكورة واعترف له بأن الصواب معه، وأتاه في مكانه يعتذر له ويترضاه قائلا: { تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}.
وكان لمرابط محمد الأمين ولد أحمد زيدان مضرب المثل في سرعة الحفظ والذكاء وفي الورع والزهد، كان لا ينام من الليل إلا نحو ثلثه، ومن النهار إلا قبل الزوال، ويحيي ليله بالقيام ويعمر أول نهاره بالتدريس إلى وقت القيلولة، يدرّس في محظرته أربعين طالبا في ظل شجرة أول النهار قبل أن تلحقه الشمس، وآخره بالإفتاء، والقضاء وكان بين المغرب والعشاء يشتغل بأمر الضيافة، والحوائج الدنيوية المهمة، كالحرب والسلم بين القبائل إلى غير ذلك.
يقول الشيخ الفقيه السالک بن فحفو (والد العلامة لمرابط الحاج) إن شيخه العلامة لمرابط محمد الأمين بن أحمد زيدان قال له: (والذي جمعني وإياک ما تعمدت فعل مکروه منذ بلغت).
ويقول الشيخ سيدي المختار بن أحمد بن الهادي اللمتوني وهو تلميذ لمحمد الأمين بن أحمد زيدان إن الناس ظلموا لمرابط محمد الأمين، حيث نسبوه للفقه، وفنه في الحقيقة علم المعقول (أصول الفقه والمنطق).
كان لمرابط ولد أحمد زيدان يرى إقامة الدين في أرض أهله والإقامة فيها وعمرانها، فهي أرض آبائه وأجداده، فيها بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وفيها محاظر يجب أن تظل قبلة ومراكز إشعاع يعشو إلى ضوء نارها طلاب العلم وبغاة الخير، لذلك كان ضد الهجرة إبّان طلوع النصارى، فلأهل هذه الأرض المرابطين فيها صوت الحياة الأول فيها ولهم الحاضر والمستقل، فهي أرض المنارة والرباط، ولذلك لم يكن يرى الهجرة، بل يرى المرابطة والمصابرة، وأفتى بعدم وجوب الهجرة عن البلاد وتركها للغزاة يفعلون فيها ما يشاءون باعتبارها بلادا إسلامية خالصة، ما لم يفرض المستعمر على سكانها تغيير دينهم أو تدخل في أمورهم الخاصة، أما إذا كفلوا للناس حرية التدين والتعليم، والتقاضي في أمورهم طبقا للشريعة الإسلامية وأرسوا دعائم الأمن والسلم الأهلي ي أرض السيبة، حينها ينبغي مهادنتهم لكونهم أكثر عدة وعتادا.
لم يأخذ أميرا إدوعيش بكار بن سويد أحمد، والمختار بن أحمد عثمان، برأي المرابط معتمدين فتوى العلامة محمد الخضر ولد مايابى الموجبة للجهاد إن أمكن أو الهجرة، حيث فضل الأول المقاومة العسكرية حتى استشهد في معركة بوكادوم، وقرر الثاني أن يهاجر إلى المغرب، بينما أخذ جل قبائل الزوايا في لعصابة برأي المرابط ولد أحمد زيدان.
انتهج لمرابط نهج المقاومة الثقافية فرفض أي تعاط مع المستعمر، وأي شكل من أشكال التطبيع الثقافي معه، مركزا على غرس ثقافة كره المستعمر في قلوب الأطفال، حتى يئست إدارة الاحتلال من إدماج أبناء المنطقة في مدارسها النظامية.
ولا زال نهج ابن أحمد زيدان في تحريم دخول المدارس الاستعمارية عند بعض مشايخ المنطقة معمولا به حتى اليوم حيث إن بعضهم يرى أن من يدخل أبناءه في المدارس فاسق.
يقول عنه الرائد الفرنسي فرير جاه: "إنه القاضي المطاع عند قبائل ارگيبه وآفطوط وتگانت وحتى بعض مناطق البراكنة والحوض الغربي، وقد رفض أن يكون له معنا أي نوع من العلاقة أو الاتصال، وقد حاولنا مرارا لكن دون جدوى".
وكما عرف الشيخ محمد المامي حاجة مجتمعه من الفقه فألف كتاب البادية، كانت مؤلفات لمرابط محمد الأمين استجابة واعية لظروف ومقتضيات عصرة وبيئته، لبت حاجة المجتمع خاصة في الفقه والأصول.
فمن فتاويه التى راعى فيها ظروف أهل عصره ومقتضى أحوالهم، فتوى مبادلة "عدائل الملح" بالزرع نسيئة، حيث رأى لمرابط أن الطعام إذا أريد به التجر، لم يعد له حكم الطعام بل صار يعتبر نوعا من العروض، فتجوز مبادلته بطعام ءاخر نسيئة، وقد أشار إلى هذه الفتوى فى كتابه "النصيحة" وقال إنها لا ينكرها إلا من لاعلم له بقواعد الفقه.
ومن مؤلفاته:
المنهج إلى المنهج
- شرح التكملة
- مراقي الصعود إلى مراقي السعود ....
- الرجز المفيد على غريب القرآن
- منظومة في آداب التلاوة
- كتاب في النكاح
- نصيحة الضعفاء و إرشاد الأغوياء
- النصيحة الصغرى
- مكتوب في منع الحج على أهل الصحراء
- رسالة في حكم قصر أهل البادية
- رسالة في حكم منع إقامة الحد في البلاد السائبة
- نظم في الأصول و شرحه
- نظم على إضاء الدجنة
- شرح على تحفة المحقق في حل مشاكل المنطق
- شرح على تبصرة الأذهان للمختار بن بونا
- شرح على احمرار المختار ولد بونا
- كتاب المرشد
- الوظيفة ( مجموعة من الأذكار و الأدعية المأثورة )
- مرغب العباد ( نظم و شرح على أسماء الله الحسنى )
- رسالة في حكم بيان أن لأولاد البنت حظا في راجع الحبس
عاش لمرابط محمد الأمين من العمر ما يناهز 96 عاما، أفناها في بث العلم النافع والعمل الصالح، متمتعا بجميع حواسه، متجافيا عن دار الغرر منيبا إلى دار الخلود، حتى أسلم الروح إلى باريها سنة 1325 هجرية الموافق 1907 ميلادية، ودفن بمقبرة ميل ميل الشهيرة 50 كيلومترا شمال مدينة كيفه، و التي تضم الكثير من العلماء والعباد والصالحين، تغمده الله بواسع رحمته، ورحم الله السلف وبارك في الخلف.
كامل الود

الخميس، 17 مايو 2018



القاضي محمد عبدالرحمن بن السالك (النّح) 


هو محمد عبدالرحمن بن السالك بن باب بن أحمد بيب بن عثمان بن سيدي محمد بن عبد الرحمن بن الطالب محم العلوي، يقول العلامة محنض باب بن اعبيد الديماني:
 فجدّهم أستاذ تاشمش كلَّهمْ ... قد ارتضعوا من علمه الخلف والضرعا
 فحَقَّ علينا نصرهـم واحترامهم. وتوقيرهم مـا أنبتت تربةٌ زرعا
كان أبوه القاضي السالك بن باب بن أحمد بيب قاضي الزوايا بلا مناع يرجع إليه في المشكلات، وكان الحي من العلويون ينتقلون بين “لعگل” وآتكوروحافة بحيرة اركيز، يقول العلامة محمد فال بن باب:
ألا ليت شعري هل لي الدهر عودة :: لحي لدى البطحاء أو ربوة الصدر
فيوم بجنب الواد بعض وبعضهم:: بجنبة إحدى السدرأو جنب ذي السدر
أقاموا بها حتى إذا انسلخ الشتا :: توقوا سموم الغيظ في حافة النهر
في سنة 1301 هـ - 1883م  رزق القاضي السالك بن باب، بابنه محمد عبد الرحمن الملقب(النَّح).
حفظ النح القرآن الكريم ودرس علوم الشريعة واللغة على والده القاضي السالك وعلى واسطة عقد العلماء المجلى العلامة محمد الأمين ولد بدي الملقب (حمّيينْ)، الذي قرأ عليه جزءًا من ألفية ابن مالك، كما درس على علماء آخرين، ولزم عمه شيخ العارفين وقطب العلماء العلامة الشيخ محمد فال بن باب "اباه" الذي صنع على عينه فجاء أعجوبة الدهر.
وكان ماكان مما لست أذكره :: فظن خيرا وتسأل عن الخبر
كان (النح) شيخًا لمحظرة كبيرة، وتتلمذ عليه كثيرون، و مارس القضاء والإفتاء والتأليف، وله فتاوى عديدة، ومؤلفات منها:
- عون المحتسب فيما يُعتمَد من كُتُب المذهَب
- جلاء الشك والريب فيما يثبت به النكاح ويلحق النسب
-  تسديد الرواد
- كشف القناع عن مسائل الرضاع
- نشر العرف في إثبات الشروط بالعرف
- رفع الشوائب عن بيع الغائب
- توجيه النظر إلى قسمة ما لا ينقسم إلا بضرر
- وسائل المقاصد على نفائس المراصد
- الآذان فيما يسن للجمعة من أذان
- ترصيع اللآل في مناقب شيخنا محمد فال بن باب.
- أدلة التعريف بما نشأ في الدين من تصحيف وتحريف
وهو كتاب يتناول عشرين سؤالا وجهها إليه العلامة الشيخ أحمدُّ بن أبي بكر بن فتى الشقروي، وقد أتت على مختلف الفنون فقها وأصولا وتصوفا، وتم التعرض فيها لإشكاليات معاصرة كالصلاة في الطائرة والاجتهاد في الأمور المعاصرة وغير ذلك.

وكانت للنح مكتبة عامرة بالكتب النفيسة والنادرة حبّسها على طلبة العلم من ضمنها نسخة نادرة من كتاب "التنبيهات المستنبطة على كتاب المدونة، والمختلطة، وتفسير مهملاتها، وشرح غريب كلماتها، وبيان اختلاف روايتها، واصلاح الغلط الواقع من بعض روايتها" لصاحب الشفا القاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي.
أصيب القاضي النح بالصمم حدثا، لكنه كان متمتعا ببصره؛ فكان يطالع ويكتب في غالب أوقاته وكان الناس يكتبون له في الأوراق والهواء وفي يده ما أرادوا أن يسألوه عنه أو يخبروه به فيفهمه بسرعة فائقة، وربما كتبوا له في الظلام في يده بأصابعهم فيفهم ويجيب، ويتعجب الناس من ذلك، وكان يمتاز بجودة الفهم وقوة الذاكرة ودقة العزو إلى الكتب.
عقد الرئيس المختار ولد داده أول مؤتمر للقضاة في المنتبذ القصي سنة 1963 وقام وزير العدل الحضرامي ولد خطري بدعوة جميع علماء وقضاة البلد فكان من جملة من حضر العلامة القاضي محمذن ولد محمد فال (اميي) والعلامة القاضي الشيخ أحمد أبو المعالي ولد الشيخ الحضرامي والعلامة القاضي الشيخ المحفوظ ولد بيّه والعلامة المؤرخ المختار ولدحامد و العلامة القاضي محمد عبد الرحمن (النح) وغيرهم من أعلام البلد ..
حدثني الإداري المخضرم الثقة أحمد ولد ابّا ولد امين الفاضلي قال: في هذا الاجتماع كان القاضي (النح) ظاهرة بهرت جميع العلماء وما فتئ العلامة القاضي الشيخ المحفوظ ولد بيّه يكرر طوال أيام المؤتمر: " هذا الأطرش عجيب .. هذا الأطرش ماهُ عادي "
وكان القاضي (اميي) يسلم أي حكم حكم به (النح) ويقول: "اروايَ اكتبها ذاك الأطرش وافي عنها لكلام .
وذات درس في مسجد العلامة إنّ ولد الصفي الفودي التندغي رحمه الله في دار النعيم عزا العلامة إنّ قولا للعلامة النح فسأله أحد طلابه : النح منهو؟
فتغير وجهه وغضب وكان قليل الغضب وعنف الطالب تعنيفا شديدا لجهله علما من أعلام البلد والمذهب بحجم القاضي (النح) .
كان العلامة القاضي النح شاعرا مطبوعا ومن شعره
يا ميُّ إن يمـنعِ الـواشـون وَصلَكُمُ :: حيرانَ لـيس له فـي غـيرِكُم أملُ
ولا سعَتْ بـيـننـا كُتْبٌ لـتُنْبِئَكم :: عـنّا وتُنـبِئَنا عـنكم ولا رُسُل
لـم يمـنعـوا خطراتٍ طالما خَطرَتْ :: منكم على القـلب حـيـن القلب مُشـتغِل
ولا دمـوعًا أفـاضَتْهـنَّ فُرْقتُكـم :: ولا شهـابٌ هـوَى فـي القـلـب يشـتعـل
وله:
أودى زمـانٌ بـالخلـيفةِ مُسعـدُ :: هـيـهـات يُمكـن للقـلوبِ تجلُّدُ
نـبأٌ تأوَّبَنـا فبِتُّ كأنما:: جَذْل الغَضَى بـيـن الجـوانح يُوقـد
عجـبًا لمـن يرجـو سُلُوّاً بعـدَه :: ولـمـن يحـاول ضِلَّةً لا تنفَد
أبَنـي عـلـيٍّ لا تضلَّ حـلـومُكـم :: إن الـمـنـونَ لكل حيٍّ مَرْصد
لـم لا يكـون الـحَيْنُ يُمْنًا عـندكم :: أوَ لـم يكـن أودَى النـبـيُّ مُحمَّد
أو لـم يكـنْ أودَى الـذيـن تخلَّفوا :: مـن بعـدِه حتى كأنْ لم يُعهَدوا
لا تحسَبـوا أن القُصـور عـن المدى :: يُردي ولا أن الكـمالَ يُخلِّد
لا تجحَدوا نعـمَ الإلهِ عـلـيكمُ :: بـمُصـابِ مَنْ نَعْماؤُه لا تُجحَد
إن الـمصـيبةَ لا يُعـظَّمُ قَدْرهـا :: والصـبرُ فـي صنْعِ الـمُهـيـمِنِ أحمَد
لكـنَّمـا هـذا مـصـابٌ صبرُهُ :: لا يستقـيـمُ عـليه صخرٌ جلْمَد
مـا ضـاع أجـرٌ للـذي أجفانُه :: تبكـي عـلـيـه وقـلـبُه يـتبلَّد
فـي حقِّ ذاك الرِّزءِ قلَّتْ عبرةٌ :: مـنـا تفـيضُ وزفرةٌ تتـردَّد
إن الـذي فـاه النعـيُّ لنا به :: أذْكى شِهـابًا فـي الحشا لا يَخمَد
فلـوَ انّه ألقَى عـلى لُبنانَ ما :: ألْقَى عـلى قـلـبـي هوَى يَتهَدَّد
فتبَيَّنـوا مـا قـلـتـمُ فلئِن يكنْ :: أودى فقـد أودى الـتُّقَى والسُّؤْدُد
غابت بـه أيـدي الـمـنـايا بـيـننا :: كـالـبـدر يأفلُ والكواكبُ رُكَّد
شـيـخٌ يـديـنُ لكل عـافٍ مُرْملٍ ::ولقـد يـديـنُ له الـمـليكُ الأصْيَد
هـادٍ إلى الهـادي الأمـيـنِ وإنه  :: فـي مـلَّةِ الـديـنِ الـحنـيف مُجـدِّد
عـن أحـمدٍ ورثَ الخلافةَ مـثلَ ما :: ورث الخلافةَ عـن أبـيـه أحمد
زاد الـمـريـدَ إعانةً وهدايةً  :: إذ قـلَّ مَنْ فـي الـحـالتَيْن يُزوِّد
فغدتْ حـبـالُ وصـولِهـا مـرمومةً :: وغصـونُهـا فـيـنانةً تتأوَّد
مـا زال يسعى فـي الـمحـامِدِ يافعًا :: حتى تألَّفَ شمـلُهـا الـمُتبدِّد
وله:
نزلتم بخير يوم خير ببكرا :: فنلتم به فوق السماكين مفخرا
ولم تنزلوا إلاّ بعال من العلا :: ليظهر ما من مجدكم كان مضمرا
وللقاضي (النّح) مساجلة شعرية مع العلامة محمد ولد الداه ولد أحمد فال العلوي في موضوع “الفتيل” وهو الشاي الأخضر و” النقير” وهو الشاي الأحمر.
يقول محمد ولد الداه:
صروف الحادثات بلا نكير:: تدار على الفتى بيدي مدير
فآونة تدير له كؤوسا :: كشوب الماء بالعنب العصير
وتسقيه أوانا كل كأس :: كطعم الشري ممزوجا بقير
كذا عيش الفتى ما دام حيا :: دوائر بالحلُوِ وبالمرير
شربنا بالدباغ وما دبغنا :: به شيئا سوى حاج يسير
وكاف شرابها لم يغن شيئا :: فلا في العير عُد ولا النفير
عسى زمن الفتيل يعود يوما :: كأيام الخورنق والسدير

ويقول النح:
عليكم ما استطعتم بالنقير :: ولا شرب المزفَت والنقير
فتفضيل الفتيل على النقير :: كتفضيل الفتيل على النقير
وإن يُدر النقير كريم قوم :: عليهم فالمدار على المدير
وكم ضم الفتيل له كبُر :: يضم إذا يزكىَ للشعير
وكم ذهب الأسى عمن تعاطى :: كؤوسا منه كالذهب النثير
إذا دبت حميا كأسه في :: مفاصله مشى فوق الأمير

ويقول (النح) مرحبا بالعلامة القاضي محمذن ولد محمد فال (اميي)
يا حاكمَ الشريعة المُرتضى :: و سيفها الصَّمصامة المُنتضَى
و درعها التي بها يُتقي :: و شمعها الذي به يُستضى
و فارسَ القضا إذا شمَّرت :: عن ساقها الفهومُ و ابنَ القضا
أهلا بما جاوزتَ من بلدةٍ :: تطوي لكَ الرِّكابُ نشرَ الفضا
فلم تزل على العُلا مُقبِلاً :: و لم تزل عن الخنا مُعرضا

امتازالقاضي العلامة (النح) بسعة اطلاعه وضبطه في العزو وتنبيهه على محال غرائب الكتب وغرائب ما فيها، ولا سيما كتب المالكية.
طالع (النح) موسوعة الونشريسي (المعيار) حرفا حرفا ونبه على ما وقع فيها من أخطاء.
ولشدة تمكنه من معرفة الكتب، فقد تمكن من تعيين بعض الكتب كان المختصون يحارون  في معرفتها كما حصل له مع كتابيْ مالك زمانه الإمام العلامة الفقيه أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني: "مختصر المدونة و"النوادر والزيادات"، حيث كان الناس يظنون المختصر هو عين النوادر، يقول النح:
"والمختصر هنا منه جزء أتى به اباه من عند الشيخ سيديا، وكان غير معروف، وكانوا يظنونه النوادر، وأنا هو الذي عرفته، ولم أره قط قبل ذلك، غير أني أعرف النوادر"
كما أنه كان يعرف الكتب الوجودة بالمنتبذ القصي، وبعدد ما تحويه مكتبته العامرة، ومظان غير الموجودة في مكتبته؛ حيث أشار في كتابه "عون المحتسب فيما يُعتمَد من كُتُب المذهَب" إلى عدة مكتبات كمكتبة أهل الشيخ سيديا ومكتبة أهل العاقل ومكتبة بعض أبناء أحمد بن يوسف ومكتبة سكيرج وغيرهم، وكان يحدث بإحصاءات دقيقة عن أجزاء الكتب وتفرقها في البلاد، وعن ما لم يدخل البلاد من الكتب، كما تحدث عن خطاطي النسخ التي وقف عليها ووصف حالها من القدم والضياع.

 قال عنه المؤلف محمد خير رمضان يوسف في  تتمة الأعلام للزكلي:
النح محمد عبد الرحمن بن السالك العلوي..
علامة، قاض، شاعر. اسمه الكامل: النح محمد عبد الرحمن بن السالك بن بابا بن أحمد بيبه العلوي.
له عدة مؤلفات منها عون المحتسب

وقال عنه المؤلف يوسف بن عبد الرحمن المرعشلي في نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر:
 اسمه الكامل: النح محمد عبد الرحمن بن السالك بن بابا بن أحمد بيبه العلوي، من بيت علم وقضاء وأدب وتصوف في موريتانيا، له عدة مؤلفات منها عون المحتسب  فيما يعتمد عليه من كتب المذهب.
وروى الشيخ محمد الحسن بن احمدو الخديم أن محمد سالم بن ألما قال: إن (النح) هو أفقه من دخل البلاد، وقد روى أحد الثقات من قضاة الحوض الغربي، وقد حضر مؤتمر العلماء سنة 1963م، أنه انعقد شبه اجماعهم على أن محمد عبد الرحمن بن السالك هو أفقه من دخل البلاد.
ولما وصل كتاب النح المسمى :" تسديد الرواد " للعلامة المختار بن ابلول الحاجي؛ كتب في آخر ورقة: " إمام الوقت والمرجع في النوازل" ثم أنشد فيه أبيات حسان بن ثابت التي مدح بها حبر الأمة عبد الله بن عباس، وهي :
إذا قال لم يترك مقالا لقائل :: بمنتظمات لا ترى بينها فصلا
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع :: لذي إربة في القول جدا ولا هزلا
ونختم بتعليق للعلامة الشيخ اباه بن عبد الله، حفظه الله على كتاب "عون المحتسب فيما يعتمد عليه من كتب المذهب" وهو شرح القاضي محمد عبد الرحمن (النح) لمنظومة القاضي محمد بن محمذ فال التندغي الأربعيني، في ذكر الكتب المعتمدة في المذهب المالكي، يقول العلامة الشيخ اباه:
"ليس العجب من إملاء هذه البحوث التاريخية لعلماء مذهب إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله تعالى من عالم متبحر في فروع هذا المذهب ورجاله بلا مدافع مثل محمد عبد الرحمن رحمه الله تعالى، إنما العجب من الظروف التي أملى فيها ، وذلك أن المؤلف أصيب بالصمم منذ خمسين سنة قبل وفاته ، لكنه كان متمتعا ببصره ؛ فكان يطالع ويكتب في غالب أوقاته وكان الناس يكتبون له في الأوراق والهواء وفي يده ما أرادوا أن يسألوه عنه أو يخبروه به فيفهمه بسرعة فائقة، وربما كتبوا له في الظلام في يده بأصابعهم فيفهم ويجيب ، ويتعجب الناس من ذلك، لكنه ضعف بصره في سنواته الأخيرة فصار لا يطالع ولا يكتب ، وإنما يكتب له في الرمل بأصبع غليظة.
ولما أتاه هذا النظم من العالم المتفنن الأجل القاضي محمد بن محمذ فال رحمه الله، صار يُكتب له في الرمل البيت منه، فإذا فهم مقتضاه أملى عليه ما اختزنته ذاكرته، وربما أحال كُتابه على مواضع من كتب يذكر لهم مداركها بالتدقيق، حتى كمل الإملاء من غير أن يستطيع أن يقرأه لضعف بصره أو يُقرأ عليه لصممه القديم.
وقد يظهر لمُطالعه أثر اختزان الذاكرة مع تقدم السن إذ كانت هذه الإملاءات في العام الذي قبل وفاته وهو إذ ذاك ابن سبع وتسعين سنة -ورب ضارة نافعة- فصار أشبه بخزانة إفادة ومجلس محاضرة ومذاكرة، تجد فيه فوائد وغرائب لا تكاد تجدها في غيره".
توفي (النح) رحمه الله سنة 1399 هـ - 1978 م عن ثمان وتسعين سنة ودفن بالمليحة بالنباغية سقت قبره شآبيب الرحمة:
حول المليحة خيم واغدونّ ورُح :: ثم اغدونّ ورُح ثم اغدونْ ورح ِ
يقول العلامة نافع بن حبيب بن الزايد التندغي الفودي في نظمه لوفيات الأعيان:
وعند رأس العام الآخر قضى :: شيخ الشيوخ العلوي المرتضى
حافظ مذهب الإمام مالك :: أعني به العلامة ابن السالك

كامل الود

أحمد ولد سيدي فال من أعيان مدينة لكصر أحمد ولد سيدي فال، فارس من أولاد عمني، وبطل ظامتْ (اصرند) بلا منازع. وفي أولاد عمني سبعة رجال يعرفون ب...