السبت، 9 ديسمبر 2017

لوعة الغياب





يخلق أشخاص رائعون لحظات من الفرح والسعادة في حياتنا ثم يختفون مخلفين وراءهم الكثير من الحزن واللوعة والأسى واليأس، وبقدر الحزن المسافر في نفوس المكتوين بنار الغياب ترتسم أمامهم ملامح لم تغب من أنس خلقه الماضون ربما لن يقدر الباقون على خلقه فتأتي نصوص الرثاء كتابة بالضوء عن ذلك الألق ومديحا له وأسفا على غياب صانعيه.
 يندب الشاعر الأطلال، ويندب الأحبة ويندب العهود، فهو يبكي بنكهات متعددة وفي كل بكاء تتقاطع النكهات.

يقول أحمد شوقي:
ولا  ينبيك  عن  خلق  الليالي :: كمن  فقد  الأحبة   والصحابا

ويقول الصمة بن عبد الله القشيري:
حَنَنتَ إِلى رَيّا وَنَفسُك باعَدَت :: مَزارَكَ مِن رَيّا وَشِعباكما مَعا
فَما حَسَنٌ أَن تَأتِيَ الأَمرَ طائِعاً :: وَتَجزَعَ أَن داعي الصَبابَةِ أَسمَعا
بَكَت عَينِيَ اليُمنى فَلَمّا زَجَرتُها :: عَنِ الجَهلِ بَعدَ الحِلمِ أَسبَلَتا مَعا
وَأَذكُرُ أَيّامَ الحِمى ثُمَّ أَنثَني :: عَلى كَبِدي مِن خَشيَةٍ أَن تَقطعاّ
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا :: وما أحسن المصطاف والمتربعا
كأنّا خلقنا للنوى وكأنما  :: حرام على الأيام أن نتجمعا

ويقول متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك:
وكنا كندماني جذيمةَ حقبةً :: من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تَفَرّقنا كأني ومالكاً :: لطول اجتماعِ لم نَبت ليلةٌ معا

في المنتبذ القصي نصوص رثاء مختلفة كتبها شعراء كانت رثاء بنكهة الغزل أوالبكاء على الأطلال:

يقول امحمد ولد أحمد يوره في رثاء والدته امنيانه بنت والد رحم الله الجميع:
أهذى جمال البين مسيا تُنَوّخ :: وهذا غراب البين بالبين يصرخ
أأحبابنا إنا على الهجر والنوى :: نلام على أشواقكم ونوبخ
وقد مارس الأشواق من كان قبلنا :: ولكن هذا الشوق أرسى وأرسخ
حلفنا ومن يحلف على الزور لم يزل :: بأشنع عار في القيام يُلَطّخُ
لئن نسخ الشيب الصبابة والصبا :: لفى القلب عهد محكمٌ ليس ينسخ
ذكرنا لكم بعض المرام وبعضه :: مخافة تطويل عليه نلخخ

ويقول امحمد في رثاء أخيه محنض ولد أحمديورَ :
ابكِ الديارَ بدمعٍ مِنكَ مُنطلِقِ :: عيبُ الديارِ على مَن بالديارِ بَقِي
منازل بدّلت عُفرَ الظباءِ بمنْ :: قد بدّلُوا لِي لذيذَ النّومِ بالأرقِ
لمّا وقفتُ بربعِ الدَّارِ مُلتمِسًا :: سَلبًا لِدائي بباقِي رَسْمِها الخلَقِ
لمْ تسلُبِ الدَّارُ مِنّي الدّاءَ و اسْتَلبَتْ :: مَا كانَ أبقاهُ بَرحُ الشّوقِ مِن رَمَقِي
يا نفسُ صبرًا على ما كانَ مِنْ وَلَهٍ :: فسوفَ يافُلُ نجمُ الحُزنِ و القلقِ
و روضةُ اللهوِ أرجُو أنْ يُتاحَ لها :: بعدَ الجفافِ اخضرارُ العُودِ و الورقِ

ويقول أحمد ولد الداهي "الدّدْ" في رثاء ابوبا ولد المختار:
بدور المقيلات إدّكارك يكثر :: وذا يوسفٌ تالله تفتأ تذكر

ويقول الأديب الكبير أحمدو سالم ولد الداهي في رثاء صديقه محمد ولد اباه رحم الله الجميع:
يَ مُكّيش آن بالتغريش :: شفتك في السغرْ ءُ فاتفگريش
وانشوف من ابروگك لعميش :: وإلا رگب نوك نگعد
ولاّ رايمْ لِ عدت إعريش :: إغراب من الليعه والوجد
وامگررْ فيّ يَـمكيش :: عنك بالعراد اتفگد
غير آن گاع أصل فگاد :: ألا نتفگد نتفگد
مان ناس ش والعراد :: ايفگد بيه كل ابلد

ويقول جرير  في رثاء زوجته:
لولا الحياء لعادني استعبار :: ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولقد نظرت وما تمتع نظرة :: في اللحد حيث تمكن المحفار
فجزاك ربك في عشيرك نظرة :: وسقى صداك مجلجل مدرار
ولهت قلبي إذ علتني كبرة :: وذوو التمائم من بنيك صغار

ويقول المتنبي في رثاء خولة:
بلى وحرمة من كانت مراعية :: لحرمة المجد والقصاد والأدب
مسرة في قلوب الطيب مفرقها :: وحسرة في قلوب البيض واليلب
يعلمن حين تحيا حسن مبسمها :: وليس يعلم إلا الله بالشنب
وَإن تكنْ خلقت أُنثى لقد خلقت كَرِيمَة غَيرَ أُنثى العَقل والحسب
وَإن تكن تغلب الغَلباء عنصرَهَا:: فإن في الخمر معنى لَيس في العنب

ويقول الأمير إبراهيم ولد بكار(إبراهيم ولد إبراهيم) في رثاء زوجته:
يلطف بيوم النصبح :: فوكير الّ بغرام شح
ادبش لگياطين امطرح :: مزالت فعگاب الكلف
تتخالف دوارت لبلح :: فالزوال اتقل الخلف
يطلع نو اكبير امبرح :: والناس افخبر مختلف
ال اگول ان النو اصلح :: ول اگول ان النو اصف
 الملك العظيم الجاه :: مغلاه ءكير اليوم احف
 معود غلاي ما لاه :: تشتد من اخبار نتف

يقول سيديا ولد هدار في رثاء زوجته منت حمدي :
عاگب ذِ إلّ لارات عند :: ملانَ ماهُ زين سعد
اتلَ ملاهي هح بعد :: باتشنشيحَه يُلاغ
حد، ءُ لَ لاهي زاد حد :: فاصرند اتلَ يداغ

كامل الود

طوى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خبرٌ:: فَزِعْتُ فيه بآمالي إلى الكذب حتى إذا لم يدع لي صدقُه أملا :: شرِقتُ بالدمع حتى كاد يشرَقُ بي علمت ببالغ الحزن وعميق الأسى برحيل الشاب المهندس الشاعر الإنسان أخي الشيخ ولد بلعمش. أَلا إِن عينا لم تَجد يوم واسط :: عليك بجاري دمعها لجمود الشيح معدن من النبل لاينضب ومنجم ليس يفنى من الأخلاق والقيم والمروءة والكرم. لايحمل الشيخ في قلبه الجميل غلا لأحد الشيخ يحب الجميع ويساعد الجميع ويسعد الجميع. تسامى الشيخ برسالة الشعر وأعاد لها ألقها في زمان رمادي يذبح فيه الشعر على أبواب الأمراء والرؤساء ويباع في سوق الكساد للأميين وأشباه الرجال. عاش الشيخ مسكونا بهموم الوطن والأمة معبرا في آهاته الشعرية عن آلامهما وجراحهما النازفة. كان الشيخ محبا للنبي صلى الله عليه وسلم وفاضت بمعاني ذلك الحب السامى أشعاره ومدائحه السنية البهية التي تحسد لها الأبصار الأسماع، ويخيل إليك من سحرها أنها تسعى. ألا فاعذروا اللسن الحداد فصمتها :: لفقد الكريم بن الكريم حدادها گِلْتْ اللًهْ أعْطِيهْ أبَديـهْ :: النًعِيـمْ إلً مَـاهُ بُهْـتْ إلً مُنْتْ الرًاضِي وَأعْطِيهْ :: الرًحْمَه والجًنًه، وِاسْكِتْ إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى. إنا لله وإنا إليه راجعون. إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا شيخ لمحزونون. تغمد الله الفقيد الشيخ بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته. كامل الأسى

الأحد، 26 نوفمبر 2017

إيگاون


ولع أهل المنتبذ القصي بالغناء والطرب لاحدود له، فهم أهل صحراء أصاخوا لسيمفونية الرمل وألقوا السمع لحداء الريح، ولم تزل مجالس السمر تقام في ليالي الصحراء الطوال تدار بها آنية الأدب وتدور على الندماء فيها كؤوس من الطرب صافية لا للسلاف ولا للورد رياها.
كم فتاة مثل ليلى وفتى كابن الملوح، كلّما حدّث أصغت وإذا قالت ترنّح
يستمر الهول وتبسم ليلاه عن ألمى فيهز شيطان الشعر جناحيه:
هذا گافي هون السابع :: واكتن تظحك ل عرادي
انگول الثامن والتاسع :: والعاشر وانگول الحادي
كانت للمطربين (إيگاون) مكانة مرموقة في المجتمع فهم السلطة الثالثة تتوسط السلطتين، سلطة السيف وسلطة القلم، يعلن الحي حالة الطوارئ إن حل بساحته (إيگاون)، وترى طاوي ثلاث عاصب البطن مرمل، إن حل بساحته (إيگاون) مستعدا لذبح ابنه حتى يوفر لهم القرى، وكان إكرام (إيگاون) يأتي على قدر النبل والمروءة.
يروى أن أحد العلماء الصلحاء حل بساحته (إيگيو) ولم يكن يرى جواز الغناء على الآلة، لكنه لأصالة معدنه وكرم محتده رأى - وكان نديّ الصوت -  أن يكمل إكرام ضيفه بمباسطته، فلما جن الليل ناده قائلا:
سنضع الآلة جانبا ونتناشد أنا وأنت في مدح النبي صلى الله عليه سلم لنعرف أينا أحسن صوتا.
وذات أنس حدثنا الإمام الأكبر بداه ولد البصيري فقال:
 كنت مع شيخي، الشيخ أحمدو ولد أحمذيّ، وكان "يعرّظني" على كثيب خارج الحي، وجاء الأعور ولد انگذي للحي بعدنا، ووضع "آلته"، وخرج نحونا، وما إن أبصر لعور، الشيخ أحمدو، حتى جعل أصبعه في أذنه، وطفق ينشد ..
يقول بدّاه، واصفا حال شيخه، الشيخ أحمدو، الذي تملّكه الطرب: "تم ذَا لمرابط يحمار ويخظار" حتى فرغ الأعور من إنشاده. فأعطاه ما قطع به لسانه .. وانصرف.
ويقول العلامة محمد باب ولد امحمد ولد أحمد يوره مخاطبا الفنان امحمد ولد انكَذي "لعور":
مگط اطْرَ وإلْتزْ إمعـــاكْ :: ولْ آدم بأعنادُ مَطــاحْ
ءُ عندِ عنك زاد أورَ ذاكْ :: من عِبادْ اللهْ الصّـلاّح
فأجابه لعور:
يالملحوگ إلِّ جاكْ إتغيثْ :: ءُ عالم و امجوّد واسْخِ شاحْ
ولِّ عــــندكْ منْ لَحاديثْ :: ألاَّ لحاديثْ الصـحـاحْ
وحين تباهر الفنان أحمد ولد بوبَّ جدّو مع ابن عمه سيد أحمد ولد بوبَّ جدُّ وأخواله في شور، تدخل العلامة الأديب السالك ولد الحاج أحمد ديدَ القَلاوي إلى جانب أحمد:
يَحْمَدْ مِن لِبْيَاظْ إيلَ طابْ :: خَلِّ عَنّكْ جيهتْ لكحالْ
وَاخْبَطْلِ لَعْتيگْ ولَكْلابْ :: و الرَّمگانِ و اخبطْ لرْحالْ
وِيلَ درتْ اتروزْ اتكحَّلْ :: مَانَكْ لاهِ بعد اتْزَحَّلْ
گومْ امْعَظَّلْ لا تَتْوحَّلْ :: كافِ من لكحالْ أعظالْ
اخبطْ بَيْگِ فمْ ؤنَحّلْ :: تَگْنَعْ لَكْ شِعَّارْ التِنحال
ويقول العلامة الأديب سِيدِ الْمِصْطَفْ ولد سيدي عبد الله ولد الشيخ المهدي التِنْوَاجِيوي مفضلا أحمد أيضا:
يَحْمَدْ يللِّ بيك اتْمَوْنيكْ :: كِلْ أخْلاگ افْ هولْ التنْحالْ
يَلِّ مِن سِقْرَكْ گالتْ فيكْ :: فِتْ الناسْ اللاَّهِ ينگالْ
كانَكْ نَگرَيتْ افْ كلْ اوقَيتْ :: الْهَولْ إلينْ الْحَگْ لِبْتَيْت
سَبَّگ لكْ بَيْگِ واِيلَ جَيْتْ :: اعْلَ رَدّاتُ مانَكْ مَالْ
تَمْ افْ لبتيت انشِدْلَكْ بَيتْ :: راهُ ذاكْ اِيجيبْ الِّ قالْ
وذات أنس في حلة أهل الشيخ المهدي عند موضع (أشگيگ مقچّوگه) استدعى العلامة الأديب
سيدي عبد الله ولد الشيخ محمد المهدي الفنان ملاي إسماعل ولد أبّاشه، ليعزف له قوراس بعدما أعيى الفنانين الكبار: أحمد ولد دندني وصمب ولد السِّيد وأحمد زيدان ولد بوب جدو ومحمد محمود ولد أعل خدجَ
فجاء الفنان ملاي إسماعل ولد أبّاشه راكبا على حصان وكان الوقت أصيلا فقال له سيد عبد الله لا تنزل عن ظهر الحصان حتى تعزف لي قوراس، فأخذ ملاي إسماعيل تيدنيتُ وعزف قوراس فقال له سيد عبد الله:
تخبط قوراس ابلا انزاع :: جبتُ واتجيب أجنـــاسُ
شاعر غيرك فالحگ گاع :: رابط راصِ قــــوراسُ
فرحل أهل دندني، فذهب في إثرهم سيد عبد الله بصربة كبيرة وقال مسكريا:
ما ايگدْ إعانَدكمْ فَـــــرْ:: شاعرْ استنبَطْ باتمَيْريرْ
زَينْ لَخْبيطْ ؤكانْ اكْثَرْ :: فيهْ لَمْدير ؤعادْ اشْريرْ
وذات هول في دكار للفنان القدير محمد ولد اشويخ حضره الأمير الدان، عزف محمد وشگر الدان اعليه الكثير من اشگاره في العزف وهي عادة كثيرا ما يمارسها الدان مع إيگاون لبعد غور مشرعه في أزوان، ثم أردف الدان قائلا: آن ابشوفتي أعل إيگاون الگبلة عنهم ما يعرفو اخبيط (الفايز)، هو الفايز حد لاهي يخبطو ارتب الثومة اعل لمهار ويفعل كذا للتشبطن إلين تنورل التدنيت، فغضب محمد ولد اشويخ وطرح التيدنيت قائلا للدان: انت ذا گاع اتبان أخبر فيه أراعيلك التندنيت وأخبطو.
و زار الفنان الكبير المختار ولد الميداح الأمير الدان في اندر، وركب أژوان ومدرسة الگبلة تختلف عن مدرسة تگانت بخصوص أردّاس وهو ضرب الجنبة بالاصبع ويكون في مدرسة الگبلة أثناء العزف العادي، لكنه في مدرسة أهل الحوض وتگانت يكون أثناء شد الشور، ولاحظ الدان أن المختار يردس أثناء العزف فأشار له بذلك فأجاب المختار:
الشور آن عند المبدَ :: شديتُ شدْ ءُ بيه إثباتْ
إرفدتُ فأوقات الرفدَ :: واطرحت فأوقات الطرحات
ولم نزل نسمع عن آمسگري ومرظ إيگاون، ندوية احبيب ومرظ أهل الميداح ومرظ أهل اشويخ....
وفي حصرة  " آولِيگْ" قال الأديب الكبير ديديه ولد البصيري لأهل اشويخ:
 منْ يومْ امْجِيكمْ لاَوْلِيگْ :: الهولْ إلِّ متْبايِنْ
 بيهْ ابگْيتُ وابْگاوْ لِيگْ :: گاونْ منُّو لِمْحَايِنْ
فغضب أهل الميداح فسگراهم الأديب ديديه وخاصة المعلومة:
الهول الزين ابلا اخلاط :: ما ينجاه ابلخصومَه
ء لكلام الخاسر غير باط :: ينجالُ بالمعلومة
ويقول  الأديب الكبير الطيب ولد ديدي في مرظ أهل اشويخ:
تفجارْ امَّلي زادْ شِيخْــ :: ــصَارَ بيني وأهلْ اشْويخْ
والكَرظَ يكانُو ايْـسيخْ  ::  تطوالْ المودوَّانَ
ءُكثرْتْ لردادْ ءٌ بيخْ بيخْ ::  وَسَاغَ والعَـنْـعَانَ
عنُّو مصيوبْ ءُ ذَا انـْـسَـيْـخْ ::  غَانِ عنُّو ملانَ
هومَ باطلْ مافيهم الـْــ :: عَـيْـبْ ءُ خَيْمِتْ هَيدانَ
منْ هيدانَ ماكط زلْ ::  اعْليهم حدْ أحْــرَانَ
شِ امنْ الحَـسَانَ زادْ ولْــ :: هَــيدانَ والوزَّانَ
كان إيگاون ولا يزالون يحظون بالتبجيل والاحترام، وكلما هم أحد بالنيل منهم تذكر إلياذة الحماسي الخالدة:
سلاحْ اللّسنَ كانْ إنَ :: إورثناهْ امنْ أوائِلنَ
......
أما ما يثار اليوم من أن العلامة الداعية محمد ولد سيد يحيَ قد انتقص من إيگاون فلا أرى ذلك وإنما حمل كلامه ما لايحتمل ونال من التأويل ما صرفه عن ظاهره، فهو يدخل في جهل الشيء، مثل كلام مالك رضي الله عنه حين سئل عن الرقص فقال: لا أعرفه.
كامل الود

إذا شدت قال ربات المزامر: "كُمْ"






فاطمة السالمة بنت البُبّان فنانة عصرها بلا منازع طبقت شهرتها الآفاق وضرب الناس أكباد الإبل لسماع فنها وكانت مضرب المثل في الشهرة والغناء، فما أم كلثوم تغني بنيلها ربيع شباب النيل أوج ربيعه لتبلغ شسع نعلها تماما كالفنانة "مُلة " بنت آب فنانة عصرها في تگانت فحين زار المناضل الرمز النائب أحمدو ولد حرمه تگانت وهم بالمغادرة أبى عليه أهلها أن يرحل قبل أن تغني له الفنانة مٌلة فزيارة رمز بحجمه لا تكتمل إلا بتلك الحفاوة:
أُصَوّرْ لِ گط افْ مِلّه .. حِسّكْ يَ مُلـّه وُمَـوّرْ
ولينْ اجبرتك يَ مُلـَّـه :: إلحگتُ شِ ما يُصَوّرْ

وكانت لأحد مجاذيب اليداليين وهو المختار ولد محمذن ولد محمد اليدالي أغنية تسمى "عيشه رخمة " وكان يؤديها أداء بديعا متميزا بصوته النديّ الشجي وكان مجذوبا سليل مجاذيب وقد زكى العلامة محمد فال بن محمذن بن أحمد بن العاقل "ببها" علما هذه الأغنية ضاربا المثل بأن نهجها أعجز القيان بل وأعجز حتى فنانة عصرها فاطمة السالمة بنت الببان يقول ببها:
غناية المختار ما مثلها :: غناية من الخنا سالمه
قد عجز القيان عن مثلها :: وعجزت فاطمة السالمه

وقد توفيت فاطمة السالمة ودفنت عند "تندگصالَ" شمال مدينة روصو، وقد رثاها امحمد ولد أحمد يوره بقوله :
يا روضةً عند "تندگصالَ" حُيّيتِ :: ومن أذًى وصدًى في القبر نُجّيتِ
يا ذات صَوت وصِيت عند فقدهما :: لم يبق في الحي من صوتٍ ولا صٍيت

تزوج الشريف ولد الصبار المجلسي في الأشياخ "أهل الشيخ سعد بوه"،من السيدة الحِجّه بنت الشيخ، وذات أنس انعقد مجلس طرب للفنانة فاطمة السالمة وكان امحمد ولد أحمد يوره حاضرا مع أعيان لشياخ وحين رُكّب أزوان وتربعت فاطمة السالمة قام الشريف عن المجلس تاركا بيتين:
لا تعجبوا من قيامي عن مغنية :: إذا شدت قال ربات المزامر: "كُمْ"
فقد يليق بكم ما لايليق بنا :: وقد يليق بنا ما لا يليق بكم
وحين بلغ بالقوم الطرب مبلغه وفطمة السالمة تطويهم وتنشرهم وهم صرعى تخال أمردهم نشوان من طرب والشيخ من هزه عطفيه نشوانا، نظر امحمد وهو الضيف غير المعني نظرةٌ ثاقبة مِن مُقلَةِ خبيرٍ قل من ينظر بها، وقال بيتين مغلفين بمسحة صوفية لا يَحجبُهما عن القلب حاجب:
تكون لك الدنيا مواعظ كلها :: إذا أنت لم تحكم لها بالظواهر
ومن كان ذا لُبٍ فسيان عنده :: صفوف البواكي واصطكاك المزامر

انقضى الهول وانفض السامر ومضى كل إلى غايته، كان الشيخ سيداتي بن الشيخ سعدبوه متزوجا بالسيدة
آمنة بنت محمدفال بن ألمين بن محمذن بن آبني من "تمگله"، وله منها ابنة هي اسْحِيَه بنت سيدات، وتزوجها بعده العلامة زين بن اجّمد اليدالي ورحل بها إلى الزيرة قرب كرمسين حيث محظرته، وذات نجعة إلى كرمسين والزيرة مرالشيخ سيداتي قرب "حي لمرابط " وتطلق على حيّ زين بن اجمد ومحظرته فقرر المرور على زين والسلام عليه وعلي ابنته ربيبة زين ممتثلا قولة العلامة حامدٌ بن محمذن بن محنض باب بن اعبيد إن من غاب - أي ارتحل بحثا عن الميرة والزاد – ولم يلق زين بن اجّمد فكأنما رجع بخفي حنين.
استقبل ابن اجّمد ضيفه الشيخ سيداتي بما يليق من الحفاوة وأثناء المفاكهة في حديث طابت أفانينه من كل جانب ورقت حواشيه، قال الشيخ سيداتي لزين هل سمعت بيتي اشريف ولد الصبار لامحمد ولد أحمد يوره وتعريضه به في مجلس الطرب بأنه قد يليق بامحمد مالا يليق به؟
وكأنما أخذت العلامة زين نفسية أو حمية لولد أحمد يوره فأجاب الشيخ سيداتي بقوله: الأبيات ليست موجهة لامحمد
فقال سيداتي : لمن إذن ؟
فقال زين: الأبيات موجهة إليكم أنتم فامحمد خاطر وبراني والهول منعقد عندكم أنتم أهل الشيخ سعدبوه وفي خيامكم واشريف نسيبكم زوج ابنتكم فالأمر شأن داخلي لاعلاقة لولد أحمد يوره به وإن كان امحمد يضيف ابن اجّمد قد أجاب بطريقة غير مباشرة من خلال بيتيه " تكون لك الدنيا مواعظ كلها " .
سكت الشيخ سيداتي وحين رجع للنمجاط قصّ فحوى مادار بينه وبين زين بن اجّمد على أبيه الشيخ سعد بوه فكأن الشيخ سعدبوه "لم يتمونكْ" لكنه لنبل معدنه فرح أيضا لوجود ما يعاب عليه متمنيا أن يجد ألف هاج من طراز الشريف، يقول الشيخ سعدبوه:
أخبرني سيداتِ أن ابن اجّمدْ ::أخبره أن الشريفَ لافندْ
بشعره الجيد قد هجاني :: جزاه ربي أحسن الإحسان
يا ليتني وجدت ألفَ هاج :: مثل الشريف النيّر المنهاج
كلهم يُظهر ما فيها خفَا :: لعلها تأخذ نهج المصطفى
ويخبرونها بأنها تموت :: غدا وأن كل ذا سوف يفوتْ

قال اولاد ديمان إن الشيخ سعد بوه غلبهم في الحلم، فهم يسكتون عن المسيء، وهوزاد بالمدح والدعاء الصالح.

قال محمد مالعينين في المجلس إن حذف التاء مع جمع المؤنث السالم في قول الشريف...قال ربات. مخالف لمذهب سيبويه وجمهور البصريين.


لاحظ أحد الزملاء ملاحظة وجيهة، قائلا: رغم انسحاب العلامة اشريف ولد الصبار عن مجلس الهول فإنه أشاد بالفنانة فاطمة السالمة بقوله:
إذا شدت قال ربات المزامر: "كُمْ"
وهذه لعمري شهاة لاتعادلها إلا شهادة القاضى حامد بن ببها لتكيبر بنت أعمر امبارك:
فما مزهرُ المَـيْلَا ببغداد حاكيا :: لمزهرك الأسنى ولا هو ناسخ
وإن تأتِ للشادين فالحال منشد :: (إذا صرصر البازى فلا ديك صارخ)

كامل الود

الجمعة، 13 أكتوبر 2017



مجانين لكصر

 لمقاطعة لكصر مجانين ألفوها وألفتهم فكانو جزءا من ساكنتها تماما كما هو حال باعتها المتجولين وطلاب مدارسها ومحاظرها، ووگافة اباتيگ السقط ومحلات بيع قطع الغيار والخردوات ومواد البناء، ومنيفرات ورجال الأعمال والدراويش وعمال وميكانيكيي الگراجات وعمال الصبغ والسمكرة والمنجرات، والمطاعم والمقاهي وگردايت سينما.

يتوزع مجانين لكصر بن المجذوب الصرف المصروف عن ظاهره، ومن ولّى عليه الورد، ومجنون الغرام والغيرة من الجنسين، ومن سرمينَ جراء الباكالوريا، ومن ركبه أهل شاتو وأهل بلحمر ومن تخلط مع سحر مبلول گبلت لبحر ولايرتجى برؤه ..

منهم المقيم الدائم لا يبرح المدينة، ومنهم جوّاب الآفاق، ومنهم الراطن الراطل ومنهم الساكت الذي يقلب طرفه ساهما دون كلام، ومنهم الهادئ ومنهم البطاش ومنهم من تخافه النساء ومنهم من يخافه الأطفال ومنهم من يخافه الجميع.

من جوابة الآفاق ذوي البطش المرحوم بكّاه وكانوا يشبهونه بالقطار كان يصفع من في طريقه بيده المرفوعة وله مقص ربما أخذ من رأس أو لحية من يصادفه، فترى طفلا منتوفا فيقال لك "ذاك متخلط امع بكاه" وربما رگعه بيده حتى يعظ من التراب.

من قدماء مجانين لكصر "إيّيْ حيدره"  أو إيّيْ لفّو، كان أنيقا في ملبسه ببدلته وربطة عنقه وشعره الممشط الأشيب وجريدته التي يحمل، وكان يحلل ويتكلم في السياسة.

ومنهم "ولد بتيش" بشعره المنفوش الأشيب كالثغامة، لاينفك يتحدث عن مؤامرة دنيئة اغتيل جراءها الأمير محمد فال ولد عمير في دكار، وربما أدخل في الحديث كلمات من الفرنسية  خاصة كلمة (Obligatoire)، ثم يعمد إلى عمود الإنارة فيقرعه بحديدة عنده ما شاء الله له أن يقرع وكأنه يجري عملية اتصال عبر ماكان يعرف بالسلك ثم ينصرف.

ومنهم "سيكوتَ" وكان أستاذا زائرا، مثل "منت بوجداره" التي تفد إلى لكصر من كبة الخنازير وتمكث مدة في المرصة، وهي رامية بارعة بالحجارة وكانت الناس تتفاداها خوفا من صواريخ أرض أرض التي تستعملها كالطوب والمحار وشظايا ابريك.

ومن الزائرين  "اشريف لدخن" الذي وقف ذات صباح عند مدخل مسجد بداه العتيق، وطفق يجلد الخارجين، وكلما أطعم أحدهم سوطا يقول له "تلك صدقة سر".

ومنهم أحمد هدّي وهو من المهاجرين الأوائل من لكصر إلى مقاطعة تيارت، وكان رجلا يحب الفخر فكل ما هم بالبطش زغدت له النساء وصدحت بتمجيدته "هدي" أو "كنته يلخلَ" فيهدأ ثم ينصرف مختالا وكان أغلب أوقاته يرسف في سلسلة من الحديد مقيد بها.

ومنهم "السّاهْ"  و "زاوُو" الذي يتقمص شخصية رجل مرور ينظم السير ويوزع المخالفات.

ومنهم مجنون سنغالي يأتي بانتظام كل صباح أنيق الملبس ويحمل كتابا في يده، يأتي من أقصى شمال المقاطعة متجها نحو الجنوب يتجاوز ملعب لكصر نحو سوكوجيم ثم يبتلعه السراب، كان يقف في محطات متقاربة ليكيل الشتائم بالفرنسية لشعب "الولوف" واصفا إياهم بأقذع وأبشع النعوت، ثم يختم بالقول: بئس القوم الوولوف!

ومنهم مجنون سينغالي يدعى "كونَى" يتجول في المدينة كما ولدته أمه بشعره المضفور مثل بوب مارلى (رستمان) كما يسميه البعض، يدخن (يامبا) ويكثر من كمليا أوردينير.

ومنهم مجنون يعتمر غفارة من السعف يدعى "امبركل جيبي" ويمضي جل وقته على سطح (طب الحاج).

ومن المجانين الزائرين رجل أعجوبة، كان يضع كأس الشاي في فمه ويقفل فمه على الكأس، ثم ينظر في وجوه الناس ليختار الضحية ليرسل الكأس من فمه كالمنجنيق إلى الهدف المختار، ونظرا لامتلاكه سلاح الدمار الشامل هذا فقد اجتمع أهل الحل والعقد ونفوه من الأرض.

تمام الحج أن تقف المطايا :: على خرقاء واضعة اللثام
محمد سالم ولد سيدي امبارك، كان وديعا وشرسا في آن معا، كان كالبحر فكنا نتحلق حوله حين يكون ساكنا، فيتحفنا بقصص بلا بداية ولا نهاية ويغني بعض  الأغاني الهندية وكان نديّ الصوت، وكنا نحذره كل الحذر حين يكون مزبدا.
كان يسمي نفسه "خمسايتي" وكنا نناديه بها دون أن نعرف قصة تلك الخمساية، ذات مرة كان يقص علينا بعض قصصه فجاء ولد بتيش وشرع في قرع عمود الإنارة فقال لنا: صوعو عنا ذ المجنون اصمكنا!
فضحكنا وتندرنا كثيرا بتلك الكلمة رحم الله محمد سالم وبكاه و ول بتيش ...
وربما أوى محمد سالم و ولد بتيش رحمهما الله إلى فور امبارك الشلحي فجاد عليهما خطاري بحنيذ اللحم.

ويروى على سبيل الدعابة أن أحد مجانين الهول صلى خلف الإمام بداه ولد البصيري رحمه الله، وقرأ بداه سورة الضحى بقراءة حفص وكان المجنون يعهده يقرؤها برواية ورش فصاح به أثناء الصلاة حين افتقد الإمالة:
هح هي (والضحى) عدّلهانَ (والضحىٰ)
ولا يخفي مافي الكلمة من إسقاط على شريط الغرام لسدوم وديمي(هي بني عدّلهانَ بنا).

لكصر القديم
أهي مجنونة بشوقي إليها :: هذه الشام أم أنا المجنون؟!

لكصر القديم لم يعد تلك البلدة الوادعة المشرعة الأبواب العامرة بالطيببن..
كان لي عليه مرة ممر .. وكان لسان حالي:
ما وقوفي على الدياروقلبي :: كجبيني قد طرزته الغضون
لا ظباء الحمى رددن سلامي :: والخلاخيل ما لهن رنين

وكنت أتساءل:
ألا تزال بخير دار فاطمة :: فالنهد مستنفر والكحل صداح
هذا مكان "أبي المعتز" منتظر::  ووجه "فائزة" حلو و لماح
هنا جذوري هنا قلبي هنا لغتي :: فكيف أوضح؟ هل في العشق إيضاح؟

كنت كأني بالربع القديم بعسعسا!
أجدك هذه هي بلدتي أين اليساط والندماء؟ شطت الدار بالأهل.
فَقف المطيّ وَلَو كلمحة ناظر:: بربا المحصب أَو مني يا حادي
وأعد حَديثك عَن أباطح مكة :: وَعن الفَريق أَرائح أَم غادي
وَمسرة للناظرين بدت لَنا :: ما بين سوق سويقة وَجياد

أحاطت بالمدرسة رقم 1 دكاكين بيع قطع الغيار من كل مكان، ذهب "إبّلَّ إفّوتَ" مع الريح، واختفت مقاهي "چلوات"، لله در "چلو" كان مقهاه شمال المدرسة يا ما أحيلى كؤوس "Café au lait" كان يقدمها لنا مع قطعة من الخبز تنز بالزبدة "بير".
كنت كلما قرأت عن نظرية الاستجابة الشرطية عند عالم وظائف الأعضاء الروسي "إيفان بافلوف" تذكرت قرع ملعقة چلو لقعر الكأس وهو يمزج النسكافيه مع حليب نستله الكثيف ليعد كأسا لذيذة من القهوة فيسل لعاب الزبون جراء ذلك القرع.

اختفت سينما لجواد والصحراء، وسكت نباح كلب أهل "تَريافْ" ياله من كلب عقور.

حين كنا نُسِرّ بالتدخين كنا نعشو إلى ضوء دكان على ناصية الشارع بطرف الحي، لم يتغير لكنه بدا لي صغيرا وكان حينها منارا شاهقا وبيتا للسامرين، أقفر الربع وأوحشت الدار..

قد يهونُ العمرُ إلا ساعةً:: وتهونُ الأرضُ إلا موضعا

كامل الود

الاثنين، 4 سبتمبر 2017

آخر ما كتب نزار


من آخر ما قاله شاعر العرب نزار قباني قبل أشهر من وفاته، فما ذا كان سيقول رحمه الله لو أنهم أحضروه طبخ قصيدة النشيد:
"قبل عشر سنوات كانت أحلامي الطفولية أكبر مني. وكنت أتصور أن الشعر سلطة لا تقهر، وأنه يستطيع أن ينفخ على الأشياء فيحولها إلى جبال من اللؤلؤ والياقوت.
بعد عشر سنوات من الإحباطات، والتراجعات والهزائم، تكسّر الحلم إلى مليون قطعة. ولم يعد الشاعر يجلس إلى يمين الخليفة، كما كان يحدث في العصرين الأموي والعباسي، وإنما صار يجلس تحت نعل الخليفة.
في الماضي الجميل، كان الشاعر وزيرا للثقافة، ووزيرا للتربية والتعليم، ووزيرا للدفاع، ووزيرا للإعلام ينطق بلسان القبيلة شعرا.
أما شاعر اليوم فهو عاطل عن العمل، ينتقل من مقهى إلى مقهى. ومن خمارة إلى خمارة. ومن منفى إلى منفى، ومن عصفورية إلى عصفورية.
إن عظمة الشعر مرتبطة بعظمة الدولة. إذا ارتفعت رايات الدولة ارتفعت رايات الشعر. لذلك لا أحلم بأن يكون لدينا شعر عظيم ما دامت حالتنا القومية هي زفت وقطران.
وإذا كان قوّاد المنظمات الثورية قد داروا على كعوبهم 180 درجة مئوية. فماذا بوسع الشاعر العربي أن يفعل وليس في يده سوى بندقية عثمانية قديمة. و28 طلقة رصاص هي كل حروفه الأبجدية، والحروف الأبجدية لا تكفي لقتل دجاجة.
ويؤسفني أن أقول إن نصف الشعراء العرب أصبحوا من “المرتزقة”… أو “الإنكشاريين”، الذين يقاتلون في صفوف السلطة ضد شعوبهم، ويقبضون رواتبهم من خزينة السلطان.
لذلك أعتذر عن أحلامي القديمة في “عسكرة” الشعر، لأن السلطات الحاكمة في الوطن العربي، قد نزعت أوسمة الشعراء، وقلعت النجوم عن أكتافهم، وقلعت ألسنتهم".
كامل الود

" خيت الناس "


حدّث لمرابط ولد دياه قال : حدثني الشيخ الجليل التلميدي بن عبد الله في مكة المكرمة قال حدثني الشيخ محمد المختار بن المجتبى أنه حدثه محمد الأمين بن محمد محمود بن آبيه قال مررت وأنا في رفگه ضحوة يوم شتوي بمدينة أبي تلميت فإذا بكل ساكنتها قد تجمهروا عند الطب "لبطان" فاستخبرت عن الأمر ؟ فقالوا "الطب" فيه "خيت الناس" جاءت من البادية للعلاج، وكانت حينها عجوزا فانية، وخيت الناس امرأة من قبيلة "لمرادين" فائقة الجمال أحبها الشاعر الكبير محمدو ولد محمدي العلوي وشاع ولعه بها وذاق قلبه من هواها مالم يذقه فتى من هوى يقول محمدو ولد محمدي فيها.
ماذاق قلبُ محب من هوى العين :: ماذاق قلبيّ من إحدى "المرادينِ"
أمسى أخوك بها من بعد رجعته :: عن الصبا عينَ ساهي العين مفتون
وددت لما رمت قلبي لواحظها :: لو أنها بمواضي النبل ترميني
فليسترح من عناه أن يحذرني :: من لايحاول بالتحذير يغريني
إن كان ذلي وهوني في مودتها :: فعز أهل الهوى في الذل والهون
أوكنت حدت عن النهج القويم ألا :: إني درجت على نهج المحبين
إن لم يصب حبُها جسمي بمعضلة :: إني لفي خطر منها على ديني
ويقول فيها :
فيمن أهيم بها لاموا ولو هاموا :: بمن أهيم بها يوما لما لاموا
هام الفؤاد بمن لولا ملاحتها :: ما سفهت من ذوي الأحلام أحلام
هام الفؤاد بخيتِ الناس بحت بها :: إذ في الكناية تلبيس وإبهام
هام الفؤاد بمن من برح ذكرتها :: للعين والقلب تهمال وتهيام
بها تسليت عن ليلى وهندَ وعن :: أسما وسلمى وأشهادي بذا قاموا
تلك التي من لماها مسني لممٌ :: بادٍ ومن سقم الأجفان أسقام
من هاب وصل حبيب للملام ألا :: إني عليه وإن لاموا لمقدام
وإن صحا كلفٌ عن من يهيم به :: فلي حياتي بخيتِ الناس تهيام
بعضَ الملام فلي عن لومكم صمم :: مافي الهوى للفتى عارُ ولا ذام
راموا أن اسلوَ خيتَ الناس إذ جهلوا :: مابي، لمن أصعب الأشياء ماراموا
قبلي قد اعتام أهلُ الحب قاطبة :: فِعْلي، وإني لمُعتامٌ لما اعتاموا
قالوا اقتدِهْ بذوي الأحلام قلت لهم :: للجهل قوم كما للحلم أقوام
إن تمنع الوصل أيامٌ لنا فعسى :: أن تمنح الوصل للمشتاق أيام
وحكى عبد الله ولد المختار ولد إبوبي أن ول محمدي زار محظرة العلامة امحمد بن الطلبه اليعقوبي وكان جالسا قرب نار للتلاميذ موقدة للتكرار ودَيّر امحمد بن الطلبه في عظمه وكمى فقال ول محمدي لولد الطلبه "كميني" وكان محمدو حديث السن حينها وامحمد شيخا كبيرا فرد عليه انت زاوي ولَ حساني فأجابه محمدو أنا زاوي، قال امحمد " گدّك من الزوايا مافات گال مطلع زين مايكمي في اشروطي: قال ول محمدي انا القائل :
فيمن أهيم بها لاموا ولو هاموا :: بمن أهيم بها يوما لما لاموا
هام الفؤاد بمن لولا ملاحتها :: ما سفهت من ذوي الأحلام أحلام
هام الفؤاد بخيت الناس بحت بها :: إذ في الكناية تلبيس وإبهام
فاهتز امحمد طربا وقال: هاك اكمي والحمد لله أنك لست في زماني.
وذات سانحة قدمت مريم منت اباه من التيشطيات لزيارة التا گلالت فتنادى النساء لرؤيتها، لرؤية تلك الأبنوسة التي ذهبت بنصيب الأسد من إغنَ أحمدو سالم ولد الداهى وشنت عدوانا على النساء ليس دون العدوان الثلاثي وقامت في الجمال بثورة فاقت ثورة جمال عبد الناصر في مصر يقول أحمدو سالم :
يَ امريم منت اباه طيت :: اغنايَ لك و إلّي ابغيت
انتِ، بيّ انتِ مااتليت :: الناثِ عندي ناثِ
ويلَ ريتك راني اسعيت :: و اعلَ أثر الناثي حاثِ
ويلَ ماريتك ذاك هون :: اعليانَ و الناثي
عدوانْ ءُلاهُ جايْ دون :: العدوان الثلاثي
ويقول :
امريم منت اباه جات :: لعلياتْ احذيان
گامت تظحك مودعات :: لعليات إلملان
ويقول:
فطرك يمريم كيف أفطار :: أصحابْ الجلالَ لكبار
اخلطتِي لحمارْ ابلخظار :: والمعنَ هوّ والنصرَ
جيتِ ل اللامَه لصفرار :: والحگتِ گدامك حصرَ
واكصرتِ لين ا گدات النار :: فالحصرَ ماخلگت حصرَ
والفطرْ الزين ابگيتي بيه :: افنصرَ تعگبها نصرَ
وامتن ثورتْ جمالك فيه :: من ثورة جمالْ افمصرَ
وحدّث رجل من أهل المير عن رجل أدرك "رائعة منت البار " معشوقة ول سعيد ولد عبد الجليل، قال لم تكن رائعة منت البار فائقة الجمال لكن كان لها منطق جميل وصوت رخيم في منتهي الروعة فكان سر جمالها صوتها الرخيم في الحديث العادي فكأنما عناها كثير عزة بقوله :
رُهبانُ مديَنَ والذينَ عهدتُهُمْ :: يبكونَ مِنْ حذرِ العذابِ قعودا
لو يسمعونَ كما سمعتُ كلامَها :: خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعاً وسُجودا

كامل الود

أحمد ولد سيدي فال من أعيان مدينة لكصر أحمد ولد سيدي فال، فارس من أولاد عمني، وبطل ظامتْ (اصرند) بلا منازع. وفي أولاد عمني سبعة رجال يعرفون ب...