الربابيات أو (العِـگّـرْ)
قصيدتان من أشهر قصائد فن "النقائض" وأكثرها إمتاعا وثراء، وهما بين عالمين علَمين من أعلام أهل هذه البلاد هما:
الشيخ محمد عبدالله ولد أحمذيَه، والشيخ محمدو حامد ولد آلّا، تداولاهما يوم كانا في عز الشباب.
وكان باعث مشاعرتهما، مشاعرة بين محمدو حامد ولد آلّا، وابن عمه حبيب الله ولد المصطفى الأعمرآشي، ذلك أن محمدو حامد، ذكر له حبيب الله في مكان أثير لديه، فقال:
رأيتك يافتية كل آتٍ :: أرادكِ بالكلام تكلّميه
كلامك يافُتيّة نظم در :: فأنى بالفخار تُفصليه
كلامك يافتية رأس مال :: فأنى للأراذل تمنحيه
أمرتك يافتية أمر خير :: بمعروفٍ ورشدٍ فافعليه
فإن لم تسمعي بيتًا لماضٍ :: من العرب القديمة فاسمعيه
(إذا وقع الذباب على طعام :: رفعت يدي ونفسي تشتهيه)
فقامت بينهما مشاعرة، وفي شجون مطارحاتها، ذكر حبيب الله، أحد أجداد محمدو حامد ويدعى "إميجن" وأشار لانتشار هذا الاسم واقتصار تداوله على فئة الموالي (رغم أن ليس في حمولته الدلالية ما يوجهه لهذا الاستخدام؛ فتعني إميجن بالصنهاجية "الرسول") فقال من قصيدة له:
....ما تَسَمَّى "إميجنا" غير مولى..
فرد عليه ابن آلا ردا جاء فيه:
جعل ابن الإماء جديَ مولى :: فرماني بدائه وتولى
وتواصلت المشاعرة بينهما على هذا المنوال...
ثم إن حبيب الله، التقى بمحمد عبدالله ولد أحمذيَه اليوسفي وهم أخواله، فسأله عن أخباره مع صاحبه، وعن آخر ما وصلت إليه المشاعرة بينهما؟
وكانت مشاعرتهما حينها، حديث الشباب من أترابهما، فقال له: كنت أقول ويقول، إلا أنه جاءني بشيء لم أكن أتوقعه ولا أحسب له حسابا فقد عيرني بأمهاتي منكم وأنشده البيت: جعل ابن الإماء...
فقال له محمد عبد الله: وما أدراك أنه يقصد أمهاتك منا؟
فقال له: لأن ليس لي أمٌّ إلا منكم، أو أمهاتي الأعمراشيات وهن بنات عمه وما كان ليُعرّض بهن.
فحينئذ دبت الحمية في نفس ولد أحمذيه وقال يعاتب ابن آلا قصيدته التي مطلعها:
مَغنَى الرَّباب مُرِب جَوْن ربَابه :: أودَى به من بَعد بُعْد رَبابه
وبعث بها إليه، فصادفته قد توجه إلى محظرة القاضي الشيخ محمذن فال ولد أحمدُّ فال(يَحيانَّه) التندغي الحِلِّي ليدرس عليه العلوم المُتمات.
فأخذتها والدته ميمونه بنت العلامة حامد بن آمزغزن المرأة القوية المطاعة في أحياء جيرانها من الحسنيين، وعممت عليهم طلبا وأمرا بأن لا يبلغوه خبر القصيدة، فهي لا تريده أن يشتغل بجوابها عما ذهب لأجله من التحصيل.
فلم يجرؤ أيٌّ منهم على إبلاغه لمكانتها الاجتماعية والدينية.
ثم لما كان بعد نحو سنة عاد ابن آلا من المحظرة فعلم بخبر القصيدة ووجد نصها عند والدته، فأجاب في البحر والروي بقصيدته:
ربع الرباب بواسِطِ الْألوا به :: آىٌ تكَوّن بعدما ألوى به
وهي ثانية العاقرين.
فلما تناهى أمرها إلى الشيخ الأكبر الشيخ محمدو بن أحمذيه أرسل إلى ابنه محمد عبد الله وقال له: لقد بلغني تدخلك بين ابن آلا وابن عمه ابن المصطفى الأعمراشيين، وما كان يحسن بك أن تتدخل بين ابني عمومة، وإني أنهاك عن الاستمرار في ذلك وآمُرُك أمرا صارما أن تنفض يديك وتغسلهما من جميع ما بين محمدو حامد ولد آلا وابن عمه حبيب الله ولد المصطفى.
فلم يكن للشيخ محمد عبد الله بُدٌّ من طاعة والده، وقد تحسر لمنعه له من الجواب؛ فمكث شهورا دنفا طريح الفراش هما وغما وكمدا.
وهذا نص القصيدتين:
قصيدة الشيخ محمد عبد الله ولد أحمذيه:
مَغنَى الرَّباب مُرِب جَوْن ربَابه :: أودَى به من بَعد بُعْد رَبابه
قضَت الروائح والرياح رواحها :: وغدوها لجديده بذهابه
ولرَسْمه صرْفُ الزمانِ بصرفه :: نحو البِلَى بذَهابه وإيّابه
فتنَكّرتْ أعلامُه وتغيَّرتْ :: منه الرُّبا من بَعدما أربابه
لا زال يألَفُه الغمام بمُسبِلٍ :: جَوْن الرباب مُلِثِّه مِرْبَابه
تبدو عقائقُه كأنَّ وميضَها :: نَوْءُ المَهيض يَنوء في تَعْتابه
إن يستَحلْ مَغنَى الرباب مَآلفاً :: لظِبائه ولهُوجِه وسَحابه
فلكَم سُقيتُ بربعه دهر الصِّبا :: خمرَ الصِّبا ورَفَلتُ في أثْوابه
أيامَ أهتَصرُ الغُصونَ من الهوى :: دانِي المَقاطِف جَانيًا للُبَابه
أختالُ في حُلَل الشباب مظاهراً :: لبُرودِه وأجُرُّ من هُدَّابه
ألهُو بأترابٍ أوَانسَ خُرَّدٍ :: وغطارفٍ من غِيدِه وشبابِه
لا أختَشي مَضَضَ الصُّدود ولا النَّوى :: يرتاعُ روعِي من نَعِيب غُرابه
والوصلُ دانٍ والزمانُ مُسَالمٌ :: ما إن يُخالطُ عَذْبُه بعَذَابه
تلك المنازلُ لا يماثلها سوى :: قربِ الهُمَام أخِي المقام النّابِه
غـوثِ الأنام إذا الأنامُ أصابهمْ :: عضُّ الزمان بظُفره وبنَابِه
مَن عمّ وابلُ جُوده كلَّ الورى :: ممّن نآهُ ومَن أقام ببابه
من لا تزالُ يمينُه كَهْفاً لدى :: كفِّ العِدا عمّن أوَى بجَنابه
أو راحة لغِنَى العَديم متاحة :: مَهما العديم أوَى إلى أطنابه
ترِبت إذا ترِب العُفاةُ وأترَبوا :: من فَيضِ يُمناهُ لدى إِتْرابه
إن العفاةَ سُعاةُ ما في كفِّه :: والآنُ حولٌ كاملٌ لنِصابه
فلو ابتَغى مما حوتْه يمينُه :: وَفراً يَدومُ لكان من طُلّابه
هذا ومَدحُك لا يَفِي قلمٌ به :: يُلْقي مُجَاجَته ببطن كتابه
يا خير مَن عَسَف العِتاق به المَلا :: خُوصًا ومَن حُطَّ الرِّحالُ ببابِه
لا زلتَ مَنجىً للمُضَاف وملجَأً :: للمُعتَفي ومَناخَ خُوصِ رِكابه
ما كان ضرَّكَ لو ثَنيتَ شَبَا الهِجا :: عنّا إلى مَن أمَّكُمْ بسِبابه
أمثالُكمْ تأبَى السِّبابَ تكرُّماً :: لا سيما إن يخْلُ مِن أسبابه
إنّا إذا أهْدى الكَريمُ لنا الثَّنَا :: خُضْنا به في الشعر لُجَّ عُبابِه
وإذا الكريم بسَبِّه قد رامَنا :: فحُلُومُنا فَلَّالَةٌ لذُبَابه
والبَدءُ منا إن رماهُ أخُو الهِجا :: بهِجاهُ كان الحِلْمُ ردَّ جَوابه
فيصُون منطقه البليغ عن الأذى :: عند الأذى ولعلّه أدرى به
فالْزَم هِجاءكَ أو فدَعهُ فإنما :: يَغدُو الهِجا شُؤمًا على أرْبابه
ثم الصلاة مع السّلامِ لحِبِّه :: خيرِ الأنام وآلِه وصِحِابه
قصيدة الشيخ محمدو حامد ولد آلا:
ربع الرباب بواسِطِ الْألوا به :: آىٌ تًكَوّن بعد ما ألوى به
آيٌ بها نَسخ الهوى بقُلوبنا :: وحيَ العَذول بنُصحِه وعِتابه
ربْعٌ به صَعب الهوى من بعد ما :: كانت مَلاعبُه لرَوْض صِعابه
وبه الفتى شرب الهوى من بعدما :: أمسى مَعينُ الوصل فضْلَ شَرابه
خُضْنا به بحْرَ الهوى وخَدَتْ بنا :: نُجْبُ المُنَى بهِضابه وشِعابه
بَينا نخوضُ بحورَه بسباحةٍ :: ونجُول بين رياضه برِكَابه
مُتَرَفِّهينَ على أرائكِ لهوِه :: متَغمدين من الصِّبا بقِبَابه
إذ بالنّوى نَعِب الغرابُ وإن رَغا :: جمَلٌ أجاب رُغاءَه بنُعَابه
جعلوا العتاقَ على العِتاق وخدّروا :: كلّ الهَوادج من عَتاق ثِيابه
فمَضَوا وغُودِر في الديار أخُو الهوى :: حَيرانَ مُشتَكِياً أليمَ مُصَابه
فدَعِ الصَّبابَةَ والهوى أسَفاً على :: رَبعٍ تقادمَ عهدُه بشَبابه
واذكُر قِلَادةَ جوهَرٍ منظُومَةً :: مِن غَوْص سيد عَصره ولُبَابه
نظّام جوهرَةِ البيان يُمدُه :: بحْرانِ يأخُذ كلَّ ما قَذَفا به
فسَما وظاهر في المكارم وارتَدى :: للمجد جِلْبابًا على جِلبابه
قاد الندى بعِنانه فذَهابه :: بذَهابه وإيَابُه بإيَابه
حتّى إذا استولَى على شَأو العُلَى :: وغدا مناطَ النجم من أترابه
كشَفَ النقابَ عن المَناقِب فارْتَمت :: غرُّ العَجائب عند كَشف نِقَابه
ألْقَى علىّ من المَديح بَراقِعًا :: مَتبُوعَةً بالسَّبِّ في أعْقابه
مَنٌّ تعَقّبَه الحِساب ولَيتَه :: مَنٌّ أتى بعد انقِضاء حسابه
وإذا رَآه أخُو اللُّوَاح لِظَنّه :: ماءً أراقَ شَرابَه لسَرابه
ويكاد يَذهبُ بانبِعاث عِذابه :: في قلْب سامِعِه انتظارُ عَذابِه
لكِنْ أذاه يَسُرُّنِي إذ في الأَذى :: قِدماً سُرورُ المَرْء مِن أحبابه
أطْرَى وأطنَبَ في امتِداح ندِيِّه :: حِلماً وضَمّ الشعرَ في إطنابه
أنى وتزكيَةُ الكريم لنَفسه :: دلّتْ مطابقَةً على إغضَابه
أما التفاضل في الدراية ما ادّعى:: من كون ذاك الفضل في أحْسابه
فصَوابُه لغْوٌ لدىّ لعلّه :: خبر أتى بالسّلْب معْ إيجابه
يا راحِماً شكْوى المُضاف بُعيْد ما :: جلّت وضاق بِه الفَضا برُحابه
فجعَلْتَ تُلزمُنى هِجاكَ مَسبّة :: كَيْمَا يَراك الخصمُ من أحزابه
من غير نَظمٍ سابق من مُقتضِي :: ذمٍّ ولا مَدحٍ ولا مُتشابه
ألزَمتمُ صَوغ الهجاء لمَن يرى :: صَوغَ الهِجا أقصَى مَراتِب عابه
لكن يُرى بالطبع دون تَطَبُّعٍ :: خُلُق الحَليمِ بفعْله وجَوابِه
هذا وجارحَة الأديبِ مصُونَةٌ :: عما يُفيد النّقصَ في آدابِه
أحسنتَ حلمَك بالخِطاب وإنما :: حِلْم الفتى بالصّمْت لا بخطابه
فالنطقُ أشأمُ ما يَسود به الفتى :: والصّمت أكْيَسُ للفتى بقِرابه
وصلاةُ ربى دائمًا تترى على :: خيرِ الأنام وآلِه وصحابه
كامل الود

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق