محمدن ولد أبنُ المقداد
(دودُ سك)
هو الترجمان الأديب الحاتمي، "دودُ سك" محمدن ول ابن المقداد.
ووالده هو أيضا الترجمان المختار المسمى "ابن المقداد بن الشيخ عبد الله.
وكثيرا ما خلط المؤرخون بين الرجل ووالده فقد اشتهر الرجلان بلقب ابن المقداد .
فالوالد هو" ابن المقداد" المختار، يقول عنه سيد أحمد بن اسمُهُ الديماني فى كتابه الشهير "ذات ألواح ودسر" متحدثا عن أصل التسمية:
"المختار"ابن المقداد سماه والده السيخ عبد الله على رجل من أهل فاس يسمى (ابن المقداد)، وصل المنطقة بخزنة كتب مهداة من محمد بن عبد الرحمن حفيد مولاي إسماعيل إلى قوم من قبيلة بني ديمان مشيرا إلى أن هذا الفاسي كان يمتاز بالعلم والصلاح".
وهو أحد كبار علماء فاس، وصاحب كتاب (عيبة الشتيت في شرح مغني اللبيب).
وتزامن وصوله مع ولادة المختار سك بن الشيخ عبد الله بن المختار بن عبد الله، فسمي باسمه
وعرف الحاج المختار سك (ابن المقداد الوالد) بالكرم هو واخوته القضاة العدول القاضي عبد الله، وعينينا، وسليمان، وجده لأمه القاضي ورئيس المحكمة الاسلامية في اندر (همت محمد انجاي ان).
فكان محمدن (دودُ سك) سليل أسرة علم وقضاء وترجمة.
ولد (دودُ سك)، محمدن (ول ابنُ المقداد الابن) بمدينة سين- لوي فى 24 سبتمبر1867، وحين بلغ التاسعة أرسل إلي إيگيدي من أرض الگبلة بالجنوب الغربي الموريتاني تلقي العربية ومبادئ الدين ومكث هنالك أربع عشرة سنة تمكن خلالها من حفظ القرآن الكريم وتعلم العربية وأتقن اللهجة الحسانية وعرف أسرارها فأجاد قرض الشعر الحساني والفصيح ، وقد تعلق بأرض إيگيدي كثيرا فقال ذات شوق (في بحر السريع) متذكرا عهوده:
سلم على إيگيدي إن جئته :: وحيه مني على بعده
وقل له إني مقيم على :: ما يعلم الرحمن من وده
كان محمدن ول ابن المقداد يتمتع بشخصية فريدة من نوعها أبهرت أهل عصره وكان صاحب عهد ووفاء كما اشتهر بالكرم والسخاء والفضل فشهدت له بذلك ألسن الشعراء التي ألهمها كرمه.
وذات صدفة في مدينة روصو لقيه مجاده سيديا ولد هدار وقد ضاقت به السبل، فقال :
لِـنوبَ وانَ فالتلوادْ :: الْ لزاقْ أذاكْ الَّ شاقْ
وافذَ جَ ولْ ابنُ المقدادْ :: يلّال مفَكرْ لرزاقْ
كانت مدينة" سين لوي" السينغالية أو "اندر لبيظْ " باسمها المحلي مدينة جميلة معتدلة الهواء تقع حيث "مرج البحرين يلتقيان "، مطلة على المحيط الأطلسي ونهر السينغال.
كانت معتدلة الهواء ،جميلة الدور والشوارع منظمة الحدائق أتخذها الفرنسيون عاصمة لهم، وعاش بها البظان عصرا ذهبيا لايزال حاضرا فى الذاكرة.
وكانت دار ول ابن المقداد تقع في منطقة "سندونَ" في "اندر الأوسط" وتتكون من طابقين يصل بينهما سلم خشبي وكانت قلعة من قلاع الأدب والكرم والهول ومجالس "الفتيان" يقول عنها سيديا ول هدار وكان هو "مجّاد" ول ابن المقداد:
هاذِ الدار إلّ لا إخْلاتْ :: عادت فيهَ لفلوحَ
بيهَ لكَْدام أُلا اتباتْ:: ليله ماهِ مفتوحَ
وكانت بـ"اندر ساعة كبيرة بالساحة العمومية وكانت تدق عند تمام الساعة الثانية عشرة زوالا فيسمعها سكان "اندر" فيعلمون أن ساعة الظهيرة حلت مما يؤذن أيضا أن ساعة الغداء في دار ول ابن المقداد حانت فيهرع الناس إليها فترتجف السلالم الخشبية من الزحام، فيتحلقون حول جفان (مارو والحوت).
و يقول امحمد ول احمد يوره واصفا ذلك المشهد:
كنا إذا ضُربت وقت الزوال "مِـِدي":: لم يلتفت أحد منا على أحد
ترى السلالم فيها القوم طالعة :: ما بين مرتعش منها ومرتعد
ويقول العلامة الشاعر محمد فال ولد عينينا :
إِلى الفَتَى (دُودُ) يَا نِعمَ الفَتَى دُودُ :: أسنَى سَلامٍ كَمَا قَد يَعبَق العُود
تَحِيَّةٌ كَأَرِيجِ المسكِ موجِـبُه :: إنَّ الثَّناءَ على المَحمُود مَحمُود
كأنَّمَا جَنَّة الفِردَوس مَنزِلُنا :: لَدَيهِ كُلٌ منَ الخَيرَاتِ مَوجُود
إِن شِئتَ مَائدةً مدَّت إليكَ وإِن :: تَشَأ كِتَاباً فَكُلُ الكُتبِ مَمدُود
تَحجُو مَوَارِدَه والنَّاسُ وَاردةٌ :: كمَا حَوَى حَرَمُ الوُرَّاد مَورُود
وخَيرُه خَيرُ مَمدُودٍ لَه طَرفٌ :: إذ بَعضُ خير ذوي الخَيرَاتِ مَحدُود
وتصادف هول للفنان لعور ولد انگذي، مع أول زيارة للشاعر الفذ محمد ولد ابنو ول احميدن إلى دار ول ابن المقداد، كان فتى حدثا مغمورا لا يكاد يعرفه أحد قدم مع صديق له ، و كان ولد ابن المقداد يستلقي على أرجوحة توضع له في صالونه وعن يمينه الشاعرالأديب شمّادْ ولد أحمد يوره ، والأديب الوالد ولد القطب ، والولي ولد الشيخ يبّ ، وبعض كبار الأدباء وكان إمحمد ول أنكَذي " لعور"(افنگرِ) تيدينيتو استعدادا لإطلاق شوره الجديد (دزيت امبر)
كان امحمد أعور أصلع قوي الصوت شجيه يقول له أحد الشعراء :
من كان أصلع فليضرب ليطربنا :: و كان أعور فليشدو بما شاءَ
ياليتَ كلّ مغنٍ كان ذا صلع :: أوكانت العين عينا منه عوراءَ
ويقول فيه البيضاوي الجكني المعروف ب (باشا تَارُودانِتْ)
لَعَمرِي لقد خُضتُ القُرَى مِن كُناكِر :: وَجَاوزتُ أرضَ الصَّينِ بعد الجزائِرِ وبالمغرِبِ الأقصَى دِيارِى ومنشئِي :: وسامرت أربَابَ الغِنَا والمزامِرِ
فماسمِعَت أذنِي ولم يَرَ ناظِــرِي :: كذَا الأعور المشهُورِ عن كل شاعِرِ
وفي ذلك المجلس أخبر لعور الحضور أن لديه شورا جديدا يسمى "دزَّيتْ إمبرْ" لم يعزف من قبل وبدأ يشدو به فشحذ أداءه وصوته العذب ملكة الشعر من لمغنيين لكبار، فافتتح كبيرهم محمدن ولد ابن المقداد السجال بهذا الكاف:
إمْبِرْ إلِّ كالْ الْمَجّادْ :: بُوصَلْعَهْ بُوخَزْرهْ مِن زِرْ
ذَاكُو كِيفْ إمْبرْ إلَعَادْ :: إلِّ لاهِ ينْگالْ إمبرْ
بعد ها قال شماد ولد أحمد يورة :
النّاسْ إلَ گالِتْ بَاجْنَاسْ :: عَنّكْ تگدرْ تُحامِـرْ فُـرْ
ذاكْ ألاَّ كَولْ النّاسْ النّاسْ :: إتْمَشِّ لگوَارِبْ فِالْبِـرْ
وقال الوالد ولد القطب :
إمْخَمَّمْنِ فأمرْ الْغَيْدَاتْ :: عَوْدانِ نافدْ گدْ إشْبرْ
وألاَّ نِكْبِرْ والطَّافِلاتْ :: گذَّ گذَّ وحْـدَ تكْبـِرْ
فخاطب ولد ابنو ولد احميدن لعور من طرف المجلس وكأنه يستاثر به دون غيره گول:
شاعِرْ فالْهَولْ إمْعاكْ إتْلَ :: إيْعودْ إفزرْ أوْ عِتْ إفْـزِرْ ذ
اكْ الزِّرْ إمْنْ الهولْ إخْلَ *** ؤذاكْ الزّرْ إمنْ الهَوْلْ إعْمِرْ
التفتت إليه الأعين، وجلس ول ابن المقداد على أرجوحته كمن داهمه خطب قائلا: ذاك گافْ فيؤمن له شماد: نعم ذاكْ گافْ قطعا!
وجاء دور الولي ولد الشيخ يب الذي جعله حظه كمندوب يتصدي لهذا الزائر الجديد الشرس إلى عالم الإبداع فقال كمن يمتحن قدرات متسابق:
حَدْ إمگاطِعْنِ گاطِعْنِ :: لمْگاطِعْنِ گطّاعْ إجْدِرْ
مايِگدِرْ حَدْ إيْگاطِعْنِ :: أبْدَ مَا يِكَدِرْ مَا يِكَدِرْ
فقال ولد ابنو وقد أدرك ملمح الوالد في الگاف، فقال كمن يريد ان يحسم المباراة من أول جولة ملمحا لحادثة اجتماعية تخص الولي ولد الشيخ يب:
باعِدتْ الشَّلاتْ أُوذَ فاتْ :: مِنْ عَندْ إجْدرْ لِجْدر لِجْدرْ
وإيگدْ إتْبَاعِيدْ الشَّلاتْ *** يَصْلحْ وإيگدْ أفْطَنْ يِخْسرْ
فسكت الولي رافعا الراية البيضاء في وجه هذا المغمور الذرب، فأردف ولد ابنو كمن يعلن انتصاره على سدنة لغن أو كمن يذيع البيان الأول متربعا على عرش سلطانه:
نَعْرَفْ لِغْنَ كِنْتْ إبْلَمْلاسْ :: مانكبرْ عنُّو مانِسْغِرْ
أوُگلَّلْتْ انْدُورْ إنغِرْ النّاسْ :: گلِّتْ لِغْنَ للناسْ إتْغِرْ
وتوالت سهرات لعور ول انگذي، في دار أهل ابن المقداد يسقي القوم من هوله صافية لا للسلاف ولا للورد رياها، وذات سهرة غني (شور) يسمى (ابسينو)، فقال له سيديا ول هدار:
حالف حلفه ما تنجحد :: عني نختير ابسينو
أول لاهي يحلف زاد حد :: يكون اعل يقينو
وقال محمدن ول ابنُ المقداد
مخالگ حد اليوم حي :: يحلف عنو فمدينو
شاعر كيفت ول انگذي :: ما كفر عن يمينو
زقال القاضي اميي:
حد اليوم ابذل قوتو :: فجبير البيه اشطينو
ما تنشاف اعل امروتو :: أولا تنشاف اعل دينو
وثنّى عليه ول ابنو المقداد، بگافه الحاسم:
لعور حسّو يحد عام :: لول شاحنت افزينو
لعور راعيه اليوم، وامْـ :: شِحان افلعور عينو
وهومعنى المثل العربي: إنَّ الجوَادَ عَيْنُهُ فُرَارُهُ.
وقول المتنبي:
وتسعدني في غمرة بعد غمرة :: سبوح لها منها عليها شواهد
أي: أيها المجادل في حسن صوت الأعور، ها هو الأعور أمامك.
وفي رحلة لول أبنو المقداد مع المستكشف الفرنسي ابلانشو سنة 1900 إلى أطار، تم أسرهما فرسان من إديشلي، وتم جلبهما إلى زعيم القوم وتصادف ذلك مع حفل فني أنعشته إحدى الفنانات، وحين غنت نحية قال لها محمدن گولي:
وكتن ماريت ال يحجلِ :: واهل في الگبلَ بعدونِ
وجهتلكم ييديشلِي مولان باطل كمّونِ
فنزع القوم وثاقه فقال: لايُسلم ابن حرة زميله، فنزعوا الوثاق عن زميله الفرنسي.
وقد كان صاحب عهد و وفاء فتعلق بأهل آدرار كثيرا بعد تلك الحادثة حتى إن البعض قال بأن سبب وفاته "طلعة " أرسلها للأمير سيد أحمد ول أحمد العيده يحذره فيها من غدر المستعمر فوصلت الطلعة إلى المستعمر، فدعاه الفرنسيون لوليمة مسمومة كانت سبب موته.
وقد ربطته علاقة وطيدة بالأمير سيد أحمد ولد أحمد العيدة أيام كان الأخير أسيرا في اندر.
ومن سرعة بديهة الأمير سيد أحمد، أنه كان رفقة الترجمان الأديب محمدن ولد ابن المقداد (دودُ سك) فوق صالة أهل محمد لحبيب سائرين من (إندَرْ لبيظ) متجهين إلى (آگميني) فرأى الأمير على تخوم لسان البربرية (Langue de Barbarie) دخلة ذات نخيل فظنها وادا، فأنشأ:
إتشايير انخلْ هذا الوادْ
فيقول ولد ابن المقداد: سيد أحمد هاذِ دخلَه ماهِ واد
فيقول الأمير بسرعة بديهة عجيبة:
ول زادْ الدخلَ لعادْ
ماهُ وادْ إزيدْ التگفاد :: يسوَِ گد إلّ واقعْ فيه
ءُ هاذ لرياح إلّ تتراد :: زاد اعليه إمن إلّ إغليه
غيراصّ فم ابلد معهود :: ماهُ ذ لبلد عالم بيه
إيل ما كرّه فيه اعود :: ما لاهِ بعد إنسّي فيه
كما كان صديقا للأمير عبد الرحمن ولد اسويد أحمد (الدان)، وكان يساجله، وكان للدان رفيق أعور أخبر محمدن بأن الدان ربما مر على كورية يعرفها محمدن، فقال له ذات هول مداعبا بتورية بديعة:
گارظلي في العراد :: ذا الخلق إلّ نجبر
أكارظلي فيها زاد :: ذاك ا(لراجل لعور)، كلمة كلمتين
فأجابه الدان:
لا لوصت ابلوصه :: هذا زامل لكور
يعملني نُكَوصه :: أيعملني نصندر
فقال محمدن:
حكمك هك افوَكرك :: يالدّان، ؤهاذَ اندر
هذا ماه بحرك:: هذا لبحر لخظر.
وكان ول ابن المقداد من شدة كرمه يحضر بنفسه توزيع الطعام في الجفان وكان يأخذ لقمة كل جفنة ليتأكد من جودة الطعام وأصبح المثل الشعبي يقول "لقمة ول ابن المقداد".
وتدور المساجلات ويتعاقب الأمراء والأعيان والشعراء والمطربون على "الدار إلّ لاإخلاتْ" :
ويجيئ إبّفال ول محمادو ويقول إِبَّفالْ إطلع زينات يمدح بها محمدن ول ابن المقداد،أعجبتْ سيديا ول هدار فقال:
كَالْ ابَّفالْ إمنْ التمْجاد :: شِ زيْنْ إلْولْ ابنْ المقداد
وَ أَلاَّ هُوَّ نظمْ المرادْ :: يَلاَّلِ مزْيَنْ ذَ إلِّ گالْ
إبَّفالْ أُيَلاَّلِ زادْ :: مّصْدَقْ ذَ إلِّ كالْ إبَّفالْ
ويجد ابفال في دار ول ابن المقداد صوره للأمير أحمد سالم ول ابراهيم السالم فيكتب على ظهرها:
وصف أحمد سالم گال حدْ :: عنُّ شافُ ب اخلافُ
وصف أحمد سالم ما ايگدْ :: حـد إگولْ انُّ شـافُ
ويقول وابن المقداد وهو شيخ :
يكطعْ بيكْ إنتَ يالشيطانْ :: مَذالكْ عايدْ لِ وحْلَ
شدُّورْ إفْشيْبانِ سُودانْ :: ما يتْمَلَّكْ زَغْبَ كَحْلَ
كان إبن المقداد رحمه الله قامة أدبية فريدة من نوعها وكان بيته قلعة من قلاع الكرم والأدب فلم يبقى شاعر في عصره إلا و ترك له أبيات من الشعر أو كيفان من "لغن" يتردد صداها في كل مكان حاملة اسمه الذي صار مثلا للكرم والسخاء.
توفي رحمه الله سنة 1943، ودفن في مقبرة (انخل بَنبَتُور) حيث يرقد آباؤه وإخوته، ويقول عن ذات الموضع ذات زيارة:
نِبغِ عِتْ انشوف بَلّ :: وانشوفْ أكَرفات بَّل
وانشوفْ انبُيُوه تَلّ :: وأبْدِنْ و أبْجَهُوصْ
وانْخلْ بَنبَ تـُورْ ذلّ :: بالعزَه مخصوصْ
تشواشِ ما گط جانِ :: عنْ گدُ مَنگوصْ
واطرالِ تشواشْ ثانِ :: ماهُ ذاكْ إحوصْ
كامل الود

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق